الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الرابع والعشرون بعد المائة
علم لطائف القرآن
وأسراره ونكته وفوائده
النوع الرابع والعشرون بعد المائة
علم لطائف القرآن وأسراره ونكته وفوائده
ولم يذكره الحافظ السيوطي في الإتقان، وعلامة أن الجواب لي في الآية أن أقول: قلت: الجواب كذا، وإذا كان الجواب مما ثيل أقول: والجواب.
وقد ألف الناس في ذلك تأليفًا حسنًا وكتب التفسير مشحونة بذلك خصوصًا التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي.
والمقصود في هذا النوع بيان سر التقديم والتأخير، والتعبير بالمجاز دون الحقيقة وإظهار أسرار ذلك ونكته ولطائفه، وقد تقدم في نوع الآيات المتشابهات المتشاكلات جانب من ذلك، وفي غيره من الأنواع مفرقًا.
وهذا النوع نذكر فيه اللطائف لا المتشابهات. وقد ألف الشيخ محمد بن أبي بكر الرازي في ذلك كتابًا سماه: «أسئلة القرآن» ، واختصره القاضي
زكريا الأنصاري، وليس هذا الرازي هو الفخر بل غيره، وسنورده من عيون هذا النوع نبذة من سورة (الفاتحة). فإن قيل: المراد بـ {الصراط المستقيم} الإسلام أو القرآن، أو طريق الجنة، والمؤمنون مهتدون إلى ذلك، فما معنى {اهدنا} مع كونهم مهديين؟
الجواب معناه: ثبتنا عليه وأدمنا على ذلك، كما تقول العرب للواقف: قف حتى آتيك، أي: دم على وقوفك واثبت.
فإن قيل: كيف قال تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه} [البقرة: 2] وكم مرتاب من الخلق؟
فالجواب: هو في ذاته بلغ الرتبة العليا من الكمال، بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه وإن وجد ريب فلا بعتد به، أو لا ريب فيه عند أهل المعرفة والبصيرة والتفكر فمن سواهم لا يعتد به. فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: {حسدًا من عند أنفسهم} [البقرة: 109] أجاب الرازي أنه تأكيد.
وأقول: إنه لما كانت النفس تطلق ويراد بها مجموع الخصال الذميمة ذكر من عند أنفسهم للإشارة إلى أن هذه الصفة القبيحة إنما نشأت من النفس، ولو أنهم تبصروا بنور العقل والفكر، وبصيرة القلب لما وقعوا في الحسد.
فإن قيل: كيف قال تعالى: {الذين يأكلون الربوا} [البقرة: 270] والحق والذم والوعيد على أكل الربا، والربا ينتفع به في وجوه من اللباس، والنكاح، والمسكن، والفراش، والأثاث، وغير ذلك؟ .
الجواب: لما كان أكثر الانتفاع من المال بالأكل أطلق عليه. والمقصود سائر الانتفاعات كما يقال: أكل فلان مال فلان، إذا انتفع بسائر الانتفاعات. فإن قيل: كيف قال تعالى: {آلم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق} [آل عمران: 1 - 3]. ثم قال: {وأنزل التوراة والإنجيل} [آل عمران: 3] الجواب: أن نزل يقتضي التكرار، والقرآن نزل منجمًا مفرقًا مرة بعد أخرى، والتوراة والإنجيل أنزلت جملة، فناسب (أنزل)؛ فإن (أنزل) لا يقتضي التكرار.
فإن قلت: قوله تعالى: {وءاتوا اليتامى أموالهم} [النساء: 2]، واليتيم لا يعطى ماله حتى يبلغ، وإذا بلغ لا يسمى يتيمًا، فهو يقتضي إعطاؤهم أموالهم قبل البلوغ؟ .
الجواب: لا يعطى إلا بعد البلوغ، وتسميته يتيمًا مجازًا عن ما كانوا عليه من اليتم.
فإن قلت: كيف صح قول اليهود فيما حكاه الله عنهم: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا * وقولهم إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله} [النساء: 156، 157].
فكيف قالوا: رسول الله وهم لا يقولون برسالته ولا يؤمنون به؟
والجواب: قد تقدم في نوع: «المفصول معنى الموصول لفظًا» من هذا النوع آيات، وهذا لأنه منه، فيكون قولهم انتهى إلى قوله:{إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم} [النساء: 157]، واستأنف الكلام فقال تعالى:{رسول الله} تشنيعًا عليهم وتعظيمًا لافترائهم (فيكون) من قول الله تعالى، لا من قولهم.
فإن قلت: كيف قال تعالى: {وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم} [المائدة: 9]، والغفران إنما يكون في عمل السيئات لا في عمل الحسنات؟
الجواب: لما كانت أعمال الحسنات يدخلها التقصير (من عدم التوجه الكامل) في الطاعة، ودخول الرياء والغفلة، فكان قوله تعالى: {لهم
مغفرة}، أي: ستر ونجاوز عن ما وقع من تقصير في الطاعة، وقوله:{وأجر عظيم} أي جزاء على الطاعة.
فإن قلت: قول الله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1] كيف جمع الظلمات وأفرد النور؟
الجواب: الأنوار لصفائها كشيء واحد، فلذا أفردت، والظلمات لكثافتها وتباعد بعضها عن بعض متكثرة، فلهذا جمعت.
وأيضًا فإن الأنوار قريبة إلى العالم الأعلى وعالم القدس فالأنسب بها الإفراد. والظلمات مناسب للعالم الأدنى والأنسب بها الكثرة فلهذا جمعت.
فإن قلت: قوله تعالى: {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمةٍ واسعةٍ ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} [الأنعام، كيف ناسبه أن يقال:{ذو رحمةٍ واسعةٍ} والمقام يقتضي ذو عذاب شديد أو صاحب عقاب شديد حيث إنهم كذبوا الرسل.
قلت: الجواب عن ذلك أن الله تعالى ذو رحمة واسعة لم يعجل العقوبة ولم يسارع بالنقمة على من عصى وتجرأ وكذب الرسل، بل يهمل ثم يكون عاقبة الإهمال الانتقام كما قال تعالى:{ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} [الأنعام: 147].
فإن قلت: كيف الجمع بين قوله تعالى: {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} [الأعراف: 138]، وقوله تعالى:
{فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقامٍ كريمٍ * كذلك وأورثناها بني إسرائيل} [الشعراء: 57، 59]، فهذه الآية تقتضي بقاء آثارهم وبيوتهم، والآية السابقة تقتضي إهلاك آثارهم وذهابها؟
الجواب: أن الآية الأولى محمولة على المجاز {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه} من التدبير والإضلال {وما كانوا يعرشون} من الحيلة وغير ذلك، والآية الأخرى على الحقيقة، أو أن التدبير في الآية السابقة راجع إلى ما اخترعه فرعون وجبابرة قومه من المساكن الهائلة والأبنية الشامخة كقوله تعالى:{يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب} [غافر: 36]، والآية الأخرى فيما أورثه الله تعالى بني إسرائيل من دور القبط ومساكنهم الذين هم قوم فرعون، فلا تعارض، وقد تقدم في «نفي ما يوهم التعارض» جانب من الآيات تشبه هذه الآية.
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: {ذلك قولهم بأفواههم} [التوبة: 30]، والقول لا يكون إلا بالأفواه؟ فالجواب: الإعلام بأن ذلك مجرد قول لا أصل له، وظهر من ألسنتهم لم يستندوا فيه إلى عقل راجح ولا نقل.
فإن قلت: كيف قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم} [يونس: 16]، وقال في آية أخرى:{لو شاء ربك ما فعلوه} [الأنعام: 112]، وقال في آية أخرى:{أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا} [الرعد: 31]، وأنكر على من قال ذلك في آية أخرى، فقال تعالى: {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيءٍ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيءٍ كذلك
فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} [النحل]؟ .
قلت: لم أر لأحد من أهل العلم عن هذا السؤال جوابًا شافيًا، وقد فتح الله علي بجواب حسن إن شاء الله تعالى، وهو أن الاحتجاج بالقدر مذموم إذا قصد به المتكلم تنزيه نفسه، وأن المعاصي والكفر لم يقع منه إلا بمشيئة الله وقدرته، فهذا مذموم لأنه يريد بذلك براءة نفسه، ونسبة المعصية إلى قضاء الله وقدره، فرد الله على من قال ذلك من الكفر؛ لأنهم يريدون أن لا تثبت لله عليهم حجة:{قل فلله الحجة البالغة} [الأنعام: 149]، وحجة الله ثابتة على كل مخلوق، ومن قصد بإسناد القضاء والقدر إلى الله توحيد الصانع وبيان الأشياء راجعة إلى علم الله وإرادته وقدرته في كل حال، وهو يعتقد قيام حدة الله عليه، فهذا مذهب محمود وهو الذي ذكره الله في الآية السابقة [الأنعام: 149] فتحفظ بهذا الجواب. والله أعلم.
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: {فإن كنت في شكٍ} [يونس: 94] والشك منتف عنه عليه السلام؟
الجواب: أن هذا [خطاب للنبي] صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، وقد ذكروا لهذه الآية نظيرًا، قالوا: إن الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود به غيره.
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} [هود: 107]، والسماوات والأرض تفنى؟
والجواب: أن ذلك خرج على عادة العرب في قولهم: (لا أفعل ما دام الجديدان)، عبارة عن عدم الفعل أبدًا، فالمعنى على الدوام.
فإن قلت: ما معنى الاستثناء في قوله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} [هود: 107]؟
قلت: والحال أن الله أخبر في كثير من الآيات أن أهل النار خالدين فيها وأهل الجنة خالدين فيها.
قلت: الجواب أن ذلك تعليمًا من الله تعالى لعباده الأدب، وأن لا يذكروا الأشياء إلا ويقرونها بمشيئة الله، وبيانًا أن الله تعالى له في ملكه ما لا تحصره القيود وأنه فعال لما يريد.
فإن قلت: لما ذكر زاد في ذكر أهل الجنة: {عطاءً غير مجذوذٍ} ولم يقل في أهل النار كذلك.
قلت: للإشارة إلى أن إنجاز الوعد فضل وإنجاز الوعيد مفوض إلى الرب جل شأنه.
فإن قلت: كيف قال يوسف عليه السلام: {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [يوسف: 55]، وفيه الرغبة في الدار الفانية، والأنبياء أعظم الناس زاهدًا فيها.
الجواب: فعل ذلك ليوصل به إلى إمضاء أحكام الله وإظهار أوامره وإقامة العدل، وعلم أن أحدًا لا يقوم بذلك فما طلب إلا خيرًا.
فإن قلت: كيف جاز ليوسف أن يأمر المؤذن أن يقول: {أيتها العير إنكم لسارقون} [يوسف: 70]، والحال أنهم لم يسرقوا ولم يكونوا واسمين في هذه الحالة بالسرقة؟
قلت: لعل يوسف عليه السلام اطلع عليه في أيام الصغر، أي بسرقة ما لا يعد نقصًا ولا يخلو عنه الأطفال فأراد ذلك، كما نقل في قولهم:{إن يسرق فقد سرف أخ له من قبل} [يوسف: 77].
قيل: كان يوسف عليه السلام في صغره يخفي بعض كسيرة العيش ليتصدق بها فسمى ذلك إخوته سرقة.
فإن قلت: لما قال يوسف عليه السلام: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن} [يوسف: 100]، ولم يقل: أخرجني من الجب ونعمة خروجه من الجب أعظم؟
الجواب: أن معصية السجن كانت عنده أعظم لطول مدتها ولمصاحبة غير الجنس، ولهذا قيل: عذاب الروح الحبس مع غير الجنس، بخلاف الجب فإن المؤنس له جبريل عليه السلام.
فإن قلت: كيف قدم الله تعالى الإراحة في قوله: {ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون} [النحل: 6] والسرح مقدم؟
الجواب: لأنها تقبل مالئة البطون حافلة الضروع متهادية في مشيها، بخلاف وقت سروحها، فحالة ورودها حالة جميلة حسنة تنبسط بها نفوس أهلها.
فإن قلت: ما معنى قول موسى عليه السلام فيما حكاه الله تعالى: {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر} [الإسراء: 102] وفرعون كافر يدعي الربوبية؟
قلت: الجواب: أن موسى علم أن فرعون يعلم الحق، ولكن يتعامى عنه ويعاند فيه، فأراد موسى عليه أن يبكته بذلك.
فإن قلت: لأي شيء قال تعالى في قصة الخضر مع موسى: {لقد جئت شيئًا إمرًا} [الكهف: 71]، وقال الخضر:{ألم أقل} [الكهف: 72] كل ذلك في أمر السفينة، وقال في أمر الغلام:{لقد جئت شيئًا نكرًا} [الكهف: 74]، وقال الخضر:{ألم أقل لك} [الكهف: 75].
قلت: لما كان خرق السفينة أهون من قتل العلام؛ لأنه ما كل خرق يوجب هلاك أهل السفينة، وقتل الغلام (الصغير) أمر شديد، ولذا قال له الخضر:{أقل لك} فزاد بالرد عليه بالخطاب الكاف.
فإن قلت: ما وجه إنكار موسى عليه السلام على الخضر: {فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه} [الكهف: 77]، فإن إقامة جدار يريد أن ينقض أمر حسن لا يخالف الشرع، بخلاف (المسألتين المتقدمتين)؟ .
قلت: الجواب -والله أعلم- أن موسى والخضر لما [لم يضيفهما] أهل القرية صارا في شدة، ووصلا إلى حد الإضرار، ولما كان الخضر قادرًا على أن ينتفع [بنفسه] بأن يتكلم مع أهل الجدار ويأخذ منهم أجرًا على إقامة الجدار ويقتات به هو وموسى عليه السلام وترك هذا الأمر، توجه إنكار موسى عليه السلام.
فإن قلت: لم عبر الخضر فيما حكاه الله عنه في قوله لموسى: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها} بالكهف: 79]، فنسب الإرادة [إلى نفسه]، وقال في حق الغلام:{فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا} [الكهف: 81]ـ وقال في حق الجدار: {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما} [الكهف: 82]؟ .
قلت: لما كان ظاهر خرق السفينة إفسادًا وإضرارًا، نسبه إلى نفسه، وهكذا ينبغي أن يكون الأدب مع الله تعالى في نسبة المقدورات المذمومة إلى النفس على وجه التعظيم والتنزيه لله تعالى، وكذلك لما كان قتل الغلام من الإفساد والإضرار الظاهر. نسبه إلى نفسه، وأتى بضمير المتكلم ومعه غيره أو التعظيم نفسه للإشارة إلى قوته وجسارته وإقدامه على الأمور وهو شأن الرجل القوي.
وقال في حق الجدار {فأراد ربك} لكونه غير مخض وإصلاح ليس فيه فساد، فنسبه إلى جناب الرب لأن الأدب ينبغي كذلك.
فغن قلت: لما قال إبراهيم عليه السلام: {الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين} [الشعراء: 79]، ثم قال:{وإذا مرضت فهو يشفين} [الشعراء: 80]؟ .
الجواب: هو من باب الأدب مع الله تعالى، وتنزيه جناب الرب عن نسبة الضرر إليه في اللفظ، وإن كان يجب على المؤمن اعتقاد أن الخير والشر والضر والنفع كل من عند الله تعالى.
فإن قلت: لم قال بعد: {والذي يميتني} [الشعراء: 8]، فنسب الإماتة إلى الله تعالى وهي إعدام؟ الجواب: أنها وإن كانت إعدامًا لكنها راحة المؤمن وسبب إلى لقاء الله تعالى، فكانت نعمة لا نقمة.
ما فائدة {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} [القصص: 7] مع أنها ترضعه بالطبع؟ .
الجواب: لو لم يوح الله إليها ربما استأجرت له من يرضعه (فلا يألف) برضاعها فيفوت الأمر المطلوب، وهو أن لا يقبل ثدي امرأة غيرها فترضعه في دار فرعون.
فإن قلت: ما معنى: [{فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي}][القصص: 7].
الجواب: وإذا خفت عليه القتل فألقيه في اليم ولا تخافي عليه الغرق.
فإن قلت: كيف قال سليمان عليه السلام: {وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي} [ص: 35]«مع أنه شبه الحسد؟ » .
قلت: الجواب: لما كانت النعم توجب الشكر لله تعالى، وعلم سليمان أن الله تعالى جعل فيه استعدادًا كاملاً على شكر النعم، فطلب العظيمة لأجل أن يشكر الله تعالى، وطلب من شدة حبه للنعم أحب [أن ينفرد] بشكره ولا يصل أحد إلى المقام الذي أعطيه، فهو باب [غير المحبين] على المحبوب لا من باب الطمع في الملك الفاني.
فإن قلت: لأي شيء قال تعالى في سورة (الزمر): {وفتحت أبوابها} [73] في حق أهل الجنة بالواو، وفي حق أهل النار {فتحت أبوابها} [الزمر: 71] بدون الواو؟
الجواب: أن الواو في أهل الجنة واو الحال، والمعنى والحال أنها قد فتحت أبوابها قبل مجيئهم، بخلاف أبواب النار فإنها إنما تفتح عند مجيئهم، و [السبب] في ذلك زيادة الفرح والسرو وتعجيل الكرامة لهم قبل وصولهم، حتى لا يتعرفوا ولا يقفوا على الأبواب، بل يدخلوها بلا مانع، بخلاف أهل النار ليقفوا على الباب موقف الذل و [الصغار] ويكون أشد حرارة ويلفح وجوههم لهيبها.
فإن قلت: لم قدم تعالى الإناث وحقهن التأخير في قوله: {لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور} [الشورى: 49}؟ .
الجواب: أن الآية سيقت لبيان عظمة الله وأنه يفعل ما يشاء، لا ما يشاء خلقه (ولما كان مشيئة الإنسان أن يكون له) ذكور لا إناث كان الأولى
تقديم الإناث للإشارة إلى أنه جل شأنه يفعل ما يختاره لا ما يختاره العباد، ثم بين تعالى فضل الذكور بتعريف لفظ الذكور للإفهام برفع درجتهم وإن قدم الإناث عليهم لفائدة في هذا المقام، ثم بعد أن علم المقصود وعاد الخطاب إلى أصله، فقال:{أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا} [الشورى: 50]. فقدم الذكور؟
فإن قلت: لأي شيء عبر الحق بالوجه في قوله تعالى: {كل من عليها فان* ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 26، 27]. والمقصود بالوجه الذات، فلأي شيء عبر بالذات أو ما يعبر عنها؟
قلت: لما كان في الوجه حاجة البصر وهي في حق الحق جل شأنه راجعة إلى صفة العلم والإحاطة بالمبصرات والمعلومات عبر بالوجه للإشارة إلى أنه جل شأنه في حال عدم الخلق وإفنائهم، عالم بهم محيط بحقائقهم كلياتهم وجزئياتهم، ليعيدهم إلى دار البقاء، فكان التعبير بالوجه نكتة لطيفة.
وقال الرازي في «تفسيره» وتبعه البيضاوي: المراد بالوجه في هذه الآية من باب وجه المسألة يعني: كل من عليها فان ويبقى الوجه الدال على بقاء الحق ويثبت ولا ترد عليه شبهة تبطله، هذا ملخص ما ذكروه.
فإن قلت: لأي شيء عبر سورة (الحديد) و (الحشر) و (الصف) بلفظ: (سبح) بالماضي، وفي (الجمعة) و (التغابن) بالمضارع، وبالأعلى بالأمر، وفي (الإسراء) بالمصدر؟
الجواب: القصد استعاب الجهات المشهورة لهذه الكلمة، وبدأ بالمصدر في (الإسراء) لأنه الأصل، ثم بالماضي لسبق زمانه، ثم المضارع لشموله
للحال والاستقبال، ثم بالأمر لخصومه بالحال.
فإن قلت: لأي شيء نكرت «نفس» في قوله تعالى: {ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ} [الحشر: 18](ولم يقل): ولتنظر النفوس أو نفوسكم؟
الجواب التنكير يأتي كتقليل، ومنه هذه الآية، فتنكير «النفس» للإشارة إلى أن النفس الناظرة في أمر المعاد قليلة، كأن قيل: وأين تلك النفس.
فإن قلت: لأي شيء نكر الغد في قوله تعالى: {ما قدمت لغدٍ} .
الجواب: نكر للإبهام والتعظيم أي ليوم عظيم وغد مهول شديد.
فإن قلت: ما وجه المناسبة في قوله تعالى: {ما غرك بربك الكريم} ، والمقام يقتضي القاهر الشديد المنتقم؟
الجواب: فائدة اللطف بعبده وتلقيه حجته وعذره ليقول: غرني كرمك وعفوك وفضلك.
فإن قلت: لم عطف «الليالي» في قوله تعالى: {والفجر * وليالٍ عشر} [الفجر: 1، 2]؟
قلت: للإشارة إلى أن هذه الليالي العظيمة في غاية الإشراق والبهاء والنور، فكأنها نهار، فناسب عطفها على الفجر وخروجها عن الليل في قوله تعالى:{والليل إذا يسر} [الفجر: 4].
فإن قلت: ما وجه عطف قوله تعالى: {فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراءون * ويمنعون الماعون} [الماعون]، فعطفت جملة «يمنعون» على جملة «يراؤون» وشرط العطف أن يكون بين الجملتين (جامع مناسب لعطف أحدهما على الآخر)؟ .
قلت: لما كان الرياء أبطل الأعمال الصالحة العظيمة الجليلة التي توجب للعبد الهلاك والذهاب والبعد عن حضرة الله تعالى، ومع هذا تساهل المرائي فيها وأضاعها، وهي جواهر ونفائس وذخائر ولم يبخل بها، وبخل بشيء حقير لا يضره وهو إعادة الماعون: مثل القدح والسكين، فكان بينهما (كمال المناسبة بشبه التضاد وهو أحسن الجوامع). وهذا الجواب مما فتح الله به علي.
فإن قلت: ما وجه التكرار في قوله تعالى: {قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس} [الناس]؟ .
الجواب: التنويه بشأن الناس (وأنه عالم جليل) مشتمل على إتقان الحكيم جل شأنه، ولذا قال القائل:
أتحسب أنك جرم صغير
…
وفيك انطوى العالم الأكبر
ولا ذرة منك إلا غدا
…
بها يوزن الكون أو أكثر
والحمد لله رب العالمين- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم-.