الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المنثور. ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم، فمحال -أكرمك الله- أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البين، مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر! .
وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثًا وعشرين سنة على الغلط في الأمر [الجليل] المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه، وهم يعرفونه، ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه! انتهى.
فصل:
لما ثبت كون القرآن معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وجب الاهتمام بمعرفة وجه الإعجاز
وقد خاض الناس في ذلك كثيرًا، فبينم محسن ومسيء.
فزعم قوم أن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، وأن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق، وبع وقع عجزها. وهو مردود؛ لأن ما لا يمكن الوقوف عليه لا يتصور التحدي به، والصواب ما قاله الجمهور أنه وقع بالدال القديم، وهو الألفاظ.
ثم زعم النظام أن إعجازه بالصرفة، أي أن الله صرف العرب عن
معارضته وسلب عقولهم، وكان مقدورًا لهم، لكن عاقهم أمر خارجي، فصار كسائر المعجزات. وهذا قول فاسد بدليل (قوله تعالى): {قل لئن اجتمعت الإنس والجن
…
} الآية [الإسراء: 88]، فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزًا وليس فيه صفة إعجاز؛ بل المعجز هو الله تعالى، حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله.
وأيضًا فيلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمان التحدي، وخلو القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرق لإجماع الأمة، أن معجزة الرسول العظمى باقية ولا معجزة سوى القرآن.
قال القاضي أبو بكر: ومما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة وإنما منع منها الصرفة، لم يكن الكلام معجزًا، وإنما يكون بالمنع معجزًا، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه.
قال: وليس هذا بأعجب من قول فريق منهم: إن الكل قادرون على الإتيان بمثله؛ وإنما تأخروا عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه به، ولا بأعجب من قول آخرين: إن العجز وقع منهم؛ وأما من بعدهم ففي قدرته.
الإتيان بمثله؛ وكل هذا لا يعتد به. وقال قوم وجه إعجازه ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة ولم يكن ذلك من شأن العرب.
وقال آخرون: ما تضمنه من الإخبار عن قصص الأولين وسائر المتقدمين حكاية من شاهدها وحضرها.
وقال آخرون: ما تضمنه من الإخبار عن الضمائر من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل كقوله [تعالى]: {إذا هممت طائفتان منكم أن تفشلا} [آل عمران: 122]. {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله} [المجادلة: 8].
وقال القاضي أبو بكر: وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف والترصيف، وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب، ومباين لأساليب خطاباتهم. قال: ولهذا لم تمكنهم معارضته.
قال: ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع التي أودعوها في الشعر؛ لأنه ليس مما يخرق العادة، بل يمكن استدراكه بالعلم والتدريب والتصنع به، كقول الشعر، ورصف الخطب، وصناعة الرسالة، والحذق في البلاغة، وله طريق تسلك، فأما شأن نظم القرآن فليس له مثال يحتذى، ولا إمام يقتدى به، ولا يصبح وقوع مثله اتفاقًا. قال: ونحن نعتقد أن الإعجاز في بعض القرآن أظهر، وفي بعضه أدق وأغمض.
وقال الإمام فخر الدين: وجه الإعجاز الفصاحة، وغرابة الأسلوب، والسلامة من كل العيوب.
وقال الزملكاني: وجه الإعجاز راجع إلى التأليف الخاص به، لا مطلق التأليف، بأن اعتدلت مفرداته تركيبًا وزنة، وعلت مركباته معنى، بأن يوقع كل في فن مرتبته العليا في اللفظ والمعنى.
وقال ابن عطية: الصحيح والذي [ذهب] عليه الجمهور والحذاق في وجه إعجازه، أنه بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه؛ وذلك أن الله
أحاط بكل شيء علمًا، وأحاط بالكلام كله علمًا، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن، علم بإحاطته أي لفظة [تصلح] أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدًا من البشر لا يحيط بذلك، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله، فصرفوا عن ذلك، والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط.
ولهذا ترى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولاً، ثم ينظر فيها فيغير فيها وهلم جرا.
وكتاب الله سبحانه وتعالى لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد. ونحن تتبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع، لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق، وجودة القريحة، وقامت الحجة على العالم بالعرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة، ومنظمة المعارضة، كما قامت الحجة في معجزة موسى [عليه السلام] بالسحرة، و [في] معجزة عيسى [عليه السلام] بالأطباء؛ فإن الله إنما جعل معجزات الأنبياء
بالوجه الشهير أسرع ما يكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره، فكان السحر قد انتهى في مدة موسى إلى غايته؛ وكذلك الطب في زمن عيسى عليه السلام والفصاحة في زمن محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال حازم في «منهاج البلغاء» : وجه الإعجاز في القرآن من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه؛ [استمرار] لا توجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود، ثم تعرضت الفترات الإنسانية فينقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه.
وقال المراكشي في شرح المصباح: الجهة المعجزة في القرآن تعرف
بالتفكير في علم البيان، وهو كما اختاره جماعة في تعريفه ما يحترز [به] عن الخطأ في تأدية المعنى، وعن تعقيده، (وتعرف به) وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال؛ لأن جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه، وإلا لكانت قبل نزوله معجزة، ولا مجرد تأليفها؛ وإلا لكان تأليف معجزًا، ولا إعرابها؛ وإلا لكان كل [كلام] معرب معجزًا، ولا مجرد أسلوبه؛ وإلا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزًا، [والأسلوب الطريق]، ولكن هذيان مسيلمة معجزًا، ولأن الإعجاز يوجد دونه، أي الأسلوب في نحو:{فلما استيئسوا منه خلصوا نجيًا} [يوسف: 80]، {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94]، ولا بالصرف عن معارضتهم؛ لأن تعجبهم كان من فصاحته، ولأن مسيلمة وابن المقفع والمعري وغيرهم قد تعاطوها فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع، وتنفر منه الطباع، ويضحك منه في أحوال تركيبه، وبها، أي