الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: وهذا الوجه داخل في بلاغته، فلا يجب أن يعد فنًا مفردًا في إعجازه.
قال: والأوجه التي قبله تعد في خواصه وفضائله، لا إعجازه. وحقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة الأول فليعتمد عليها. انتهى.
تنبيهات:
الأول: اختلف في قدر المعجز من القرآن، فذهب بعض المعتزلة إلى أنه متعلق بجميع القرآن، والآيتان السابقتان ترده.
وقال القاضي: يتعلق الإعجاز بسورة؛ طويلة كانت أو قصيرة تثبتًا بظاهر قوله: {بسورةٍ} .
وقال في موضع آخر: يتعلق بسورة أو قدرها من الكلام، بحيث يتبين فيه تفاضل قوى البلاغة؛ قال: فإذا كانت آية بقدر حروف سورة، وإن كانت كسور (الكوثر) فذلك معجز.
قال: ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة من هذا القدر.
وقال قوم: لا يحصل الإعجاز بآية، بل يشترك الآيات الكثيرة.
وقال آخرون: يتعلق بقليل القرآن وكثيره؛ لقوله [تعالى]: {فليأتوا بحديثٍ مثله إن كانوا صادقين} [الطور: 34]، قال القاضي: ولا دلالة في الآية؛ لأن الحديث التام لا تتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة [قصير].
الثاني: اختلف في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة؟ .
قال القاضي: فذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن ظهور ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ضرورة، وكونه معجزًا يعلم بالاستدلال.
قال: والذي نقوله: إن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالاً، وكذلك من ببليغ، فأما البليغ الذي قد أحاط بمذاهب العرب وغرائب الصنعة؛ فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الإتيان بمثله.
الثالث: اختلف في تفاوت القرآن في مراتب الفصاحة بعد اتفاقهم على أنه في أعلى مراتب البلاغة، بحيث لا يوجد في التركيب ما هو أشد تناسبًا ولا اعتدالاً في إفادة ذلك المعنى منه؛ فاختار القاضي المنع، وأن كل كلمة فيه موصوفة بالذروة العليا؛ وإن كان بعض الناس أحسن
إحساسًا له من بعض.
واختار أبو نصر القشيري وغيره التفاوت، فقال: لا ندعي أن كل ما في القرآن أرفع الدرجات في الفصاحة، وكذا قال غيره: في القرآن الأفصح والفصيح.
وإلى هذا نجا الشيخ عز الدين عبد السلام، ثم أورد سؤالاً وهو أنه: لم لم يأت القرآن جميعه بالأفصح؟
وأجاب عنه الصدر موهوب الجزري، بما حاصله: أنه لو جاء القرآن على ذلك، لكان على النمط المعتاد في كلام العرب من الجمع بين الأفصح والفصيح، فلا تتم الحجة في الإعجاز، [فجاء] على نمط كلامهم المعتاد، [ليتم ظهور الإعجاز] عن معارضته ولا يقولوا مثلا: أتيت بما لا قدرة لنا على جنسه؛ كما لا يصح من البصير أن يقول للأعمى: قد غلبتك بنظري؛ لأنه يقول له: إنما تتم لك الغلبة، لو كنت قادرًا على النظر، وكان نظرك أقوى من نظري، فأما إذا فقد أصل النظر، فكيف [يصح] مني المعارضة.
قلت: وما ذكره غير متجه، بل الوجه ما ذكره القاضي: أنه كله في أعلى طبقات الفصاحة، وأرفع مراتب البلاغة، فليس منه الفصيح والأفصح بل كله بلغ أعلى رتب الفصاحة والبلاغة، متناسب ومتشاكلة ألفاظه بحسب المقام الذي سيقت، ويرشده إلى ذلك ما أخذ العلماء في نكت القرآن. وكون بعض الألفاظ جاءت في بعض المواضع معرفة، وفي بعضها منكرة، وفي بعض
الحمل أتى فيها بحرف زائد، وفي بعضها حذف ذلك الحرف، أو غير لفظ بلفظ آخر، كل ذلك لفوائد، وأسرار، ونكات يقتضي أن هذا اللفظ في هذا المقام هو الأولى والأحرى، كما أنه في المقام الآخر فوائد.
الرابع: قيل: الحكمة في تنزيه القرآن عن الشعر الموزون، مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره، أن القرآن منبع الحق، ومجمع الصدق، وقصارى أمر الشاعر [التخيل] بتصور الباطل في صورة الحق والإفراط في الإطراء والمبالغة في الذم والإيذاء دون إظهار الحق، [وإثبات الصدق]، ولهذا نزه الله نبيه عنه، ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمى أصحاب البرهان القياسات المؤدية في أكثر الأمر البطلان والكذب شهرية.
وقال بعض الحكماء: لم [متدين] صادق اللهجة، مفلق في شعره. وأما ما وجد في القرآن مما صورته صورة [الشعر] الموزون.
فالجواب عنه: أن ذلك لا يسمى شعرًا؛ لأن شرط الشعر القصد، ولو كان شعرًا لكان كل من اتفق له في كلامه شيء موزون شاعرًا، فكان الناس كلهم شعراء؛ لأنه قل إن يخلو كلام أحد عن ذلك، وقد ورد ذلك على ألسنة الفصحاء، فلو اعتقدوه شعرًا لبادروا إلى معارضته والطعن عليه؛ لأنهم كانوا أحرص شيء على ذلك، وإنما يقع ذلك لبلوغ الكلام الغاية القصوى في الانسجام.
وقيل: البيت الواحد وما كان على وزنه لا يسمى شعرًا، وأقل الشعر
بيتان فصاعدا.
وقيل: الرجز لا يسمى شعرًا ألاً.
وقيل: أقل ما يكون من الزجر شعرًا أربعة أبيات، وليس ذلك في القرآن بحال.
الخامس: قال بعضهم: التحدي إنما وقع للإنس دون الجن؛ لأنهم ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه، وإنما ذكروا في قوله [تعالى]:{قل لئن اجتمعت الإنس والجن} [الإسراء: 88] تعظيمًا لإعجازه؛ لأن الهيئة الاجتماعية من القوة ما ليس للأفراد، فإذا فرض اجتماع الثقلين فيه، وظاهر بعضهم بعضًا، وعجزوا عن المعارضة، كان الفريق الواحد أعجز.
وقال غيره: بل وقع للجن أيضًا والملائكة منويون في الآية؛ لأنهم لا يقدرون أيضًا على الإتيان بمثل القرآن.
قال الكرماني في غرائب التفسير: إنما اقتصر في الآية على ذلك الإنس والجن؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثًا إلى الثقلين دون الملائكة.
السادس: سئل الغزالي .........................
عن معنى [قول الله تعالى]: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا اختلافًا كثيرًا} [النساء: 82].
فأجاب: الاختلاف لفظ مشترك بين معان، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيخ؛ بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن، ويقال: هذا كلام مختلف، أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة، أو هو مختلف [الدعوى]، أي بعضه يدعو إلى الدين، وبعضه يدعو إلى الدنيا؛ وهو مختلف النظم، فبعضه على وزن الشعير، وبعضه منزحف، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة، وبعضه على أسلوب يخالفه، وكلام الله منزه عن هذه الاختلافات؛ فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره، وعلى درج واحدة في غاية الفصاحة، فليس يشتمل على الغث والسمين، ومسوق لمعنى واحد، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى، وصرفتهم عن الدنيا إلى الدين، وكلام الآدميين تتطرق إليه هذه الاختلافات، إذ كلام الشعراء إذا قيس عليه، وجد فيه اختلاف في منهاج النظم، ثم اختلاف درجات الفصاحة، بل في أصل الفصاحة، حتى يشتمل على الغث والسمين، فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات سخيفة، وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة؛ لأن الشعراء، والفصحاء في كل واد
يهيمون، فتارة يمدحون الدنيا، وتارة يذمونها، وتارة يمدحون الجبن ويسمونه حزمًا، وتارة يذمونه ويسمونه ضعفًا، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها صارمة، وتارة يذمونها ويسمونها تهورًا؛ ولا ينفك كلام آدمي عن هذه الاختلافات؛ لأن منشأها اختلاف الأغراض والأحوال، والإنسان تختلف أحواله فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه، وتتعذر عليه عند الانقباض، وكذلك تختلف أغراضه، فيميل إلى الشيء مرة، ويميل عنه أخرى، فيوجب ذلك اختلافًا في كلامه بالضرورة، فلا يصادف إنسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة- وهي مدة نزول القرآن- فيتكلم على غرض واحد ومنهاج واحد ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بشرًا تختلف أحواله، فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر [لوجد فيه اختلاف كثير].
السابع: قال القاضي: فإن قيل: هل تقولون: إن غير القرآن من كلام الله معجز، كالتوراة والإنجيل؟ .
قلنا: ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف؛ وإن كان معجزًا كالقرآن فيما يتضمن من الإخبار بالغيوب، وإنما لم يكن معجزًا لأن الله جل شأنه لم يصفه بما وصف به القرآن، ولأنا قد علمنا لم يقع التحدي إليه، كما وقع في القرآن، ولأن ذلك اللسان لا يتأتي فيه من وجوه الفصاحة ما يقع فيه التفاضل الذي ينتهي إلا حد الإعجاز.
وقد ذكر ابن جني ............................................................................
في الخاطريات في قوله: [تعالى]: {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65)} [طه: 65]: أن العدول عن قوله [تعالى]: «وإما أن نلقي» لغرضين: أحدهما لفظي، وهو المزاوجة لرؤوس الآي، والآخر معنوي، وهو أنه تعالى أراد أن يخبر عن قوة أنفس السحرة واستطالتهم على موسى [عليه السلام]، فجاء عنهم باللفظ أتم وأوفى منه في إسنادهم الفعل إليه.
ثم أورد سؤالًا، وهو: إنا نعلم أن السحرة لم يكونوا أهل لسان، فنذهب بهم هذا المذهب من صنعة الكلام؟
وأجاب: بأن جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرون الخالية إنما هو معرب عن معانيهم، وليس بحقيقة ألفاظهم، ولهذا لا يشك في أن قوله تعالى:{قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63)} [طه: 63]؛ أن هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم.
الثامن: قال البارزي في أول كتابه «أنوار التحصيل في أسرار التنزيل» :
أعلم أن المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض؛ ولذلك كل واحد من جزأي الجملة، قد يعبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر، ولا بد من استحضار معاني الجمل، أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها، واستحضار هذا متعذر على البشر في أكثر الأحوال؛ وذلك عتيد حاصل في علم الله تعالى، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه، وإن كان مشتملًا على الفصيح والأفصح، والمليح والأملح، ولذلك أمثلة، منها قوله تعالى:{وجنى الجنتين دان} [الرحمن: 54]، لو قال مكانه:«وثمر الجنتين قريب» ، لم يقم مقامه من جهة الجناس
بين الجني والجنتين، ومن جهة أن الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجنى فيها، ومن جهة مؤاخاة الفواصل.
ومنها قوله تعالى: {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب} [العنكبوت: 48]، أحسن من التعبير بـ «تقرأ» لثقله بالهمزة.
ومنها: {لا ريب فيه} [البقرة: 2] أحسن من «لا شك فيه» لثقل الإدغام، ولهذا كثر ذكر الريب.
(ومنها): {ولا تهنوا} [آل عمران: 139]، أحسن من «ولا تضعفوا» [لخفته، و]{وهن العظم مني} [مريم: 139] أحسن من «ضعف» ؛ لأن الفتحة أخف من الضمة.
ومنها: {ءامن} [البقرة: 62] أخف من «صدق» ، ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق.
و{ءاثرك الله} [يوسف: 91] أخف من «فضلك»
{وآتي} [البقرة: 177] أخف من «أعطى» .
و{أنذر} [الأحقاف: 21] أخف من «خوف» . و {خير لكم} [البقرة: 184] أخف من «أفضل لكم» . والمصدر في نحو: {هذا خلق الله} [لقمان: 11]، {يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3]، أخف من «مخلوق» و «الغائب». [{تنكح} [البقرة: 23] أخف من «تنزوج» ]؛ لأن «تفعل» أخف من «تفعل» ، ولهذا كان ذكر النكاح فيه أكثر.
وأجل التخفيف والاختصار، استعمل لفظ الرحمة والغضب والرضا والحب والمقت في أوصاف الله تعالى، مع أنه لا يوصف بها حقيقة؛ لأنه لو عبر عن ذلك بألفاظ الحقيقة لطال الكلام، كأن يقال: يعامله معاملة المحب والماقت، فالمجاز في مثل هذا أفضل من الحقيقة لخفته واختصاره، وابتنائه على التشبيه البليغ، فإن قوله [تعالى]:{فلما ءاسفونا انتقمنا منهم} [الزخرف: 55]، أحسن من «فلما عاملونا معاملة الغضب» أو «فلما أتوا إلينا بما يأتيه
المغضب: انتهى.
التاسع: قال الرماني: فإن قال قائل: [فلعل السور القصار][تمكن] فيها المعارضة؟ . قيل: لا يجوز فيها ذلك من قبل [أن] التحدي وقع بها، فظهر العجز عنها في قوله [تعالى] {فأتوا بسورة} [يونس: 38]، فلم يخص بذلك الطوال دون القصار.
فإن قال [قائل]: فإنه يمكن في القصار أن تغير الفواصل، فيجعل بدل كل كلمة ما يقوم مقامها، فهل يكون ذلك معارضة؟ قيل له: لا، من قبل أن المفحم يمكنه أن ينشئ بيتًا واحدًا، ولا يفصل بطبعه بين مكسور وموزن، فلو أن مفحمًا رام أن يجعل بدل قوافي قصيدة رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
…
مشتبه الأعلام لماع الخفق
بكل وفد الريح من حيث انخرق
فجعل بدل المخترق «الممزق» وبدل الخفق «الشفق» ، وبدل انخرق «انطلق» [لأمكنه] ذلك ولم يثبت له به قول الشعر، ولا معارضة رؤبة في هذه القصيدة عند أحد له [أدنى] معرفة، فكذلك سبيل من غير الفواصل. انتهى.