المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في الأماكن التي لا تصح فيها [الصلاة] - الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات - جـ ١

[عثمان ابن جامع]

فهرس الكتاب

- ‌تتمة:

- ‌تتمة:

- ‌تنبيه:

- ‌فائدة:

- ‌فصل

- ‌تتمة:

- ‌فصل

- ‌تتمة:

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل في نواقض الوضوء

- ‌فصل في أحكام الغسل

- ‌فصل في التيمم

- ‌فصل في إزالة النجاسة الحكمية

- ‌فصل في الحيض

- ‌تنبيه:

- ‌تتمة:

- ‌كتاب الصلاة

- ‌فصل في الأذان

- ‌تنبيه:

- ‌فصل في شروط الصلاة

- ‌تتمة:

- ‌فصل في الأماكن التي لا تصح فيها [الصلاة]

- ‌باب صفة الصلاة وأركانها وواجباتها وما يسن فيها وما يكره وما يتعلق بها

- ‌تتمة:

- ‌تتمة:

- ‌فصل

- ‌تنبيه:

- ‌فصل

- ‌تتمة:

- ‌تتمة:

- ‌فصل في صلاة التطوع

- ‌تتمة:

- ‌تتمة:

- ‌فصل في أوقات النهي

- ‌فصل في صلاة الجماعة وأحكامها وما يبيح تركها وما يتعلق بذلك

- ‌فصل في الإمامة ومعرفة الأولى بها

- ‌فصل في صلاة أهل الأعذار

- ‌فصل في صلاة المريض

- ‌فصل في القصر

- ‌فصل في الجمع

- ‌فصل في صلاة الخوف

- ‌تتمة:

- ‌فصل في صلاة الجمعة

- ‌تتمة:

- ‌خاتمة:

- ‌فصل في صلاة العيدين وأحكامها

- ‌فصل في صلاة الكسوف

- ‌فصل في صلاة الاستسقاء

- ‌كتاب الجنائز

- ‌فصل في غسل الميت

- ‌تتمة:

- ‌تنبيه:

- ‌تكفين الميت

- ‌فصل في الصلاة على الميت

- ‌كتاب الزكاة

- ‌فصل في زكاة الخارج من الأرض

- ‌فصل في زكاة الأثمان

- ‌تتمة:

- ‌فصل زكاة الفطر

- ‌فصل

- ‌تتمة:

- ‌تنبيه:

- ‌كتاب الصيام

- ‌تتمة:

- ‌فصل فيما يفسد الصوم فقط، أو يفسده ويوجب الكفارة، وما يتعلق بذلك

- ‌فصل في صوم التطوع

- ‌تتمة:

- ‌فصل في الاعتكاف

- ‌كتاب الحج

- ‌تتمة:

- ‌فصل في المواقيت

- ‌تنبيه:

- ‌فصل في الفدية وبيان أقسامها وأحكامها

- ‌تتمة:

- ‌تتمة:

- ‌باب آداب دخول مكة وما يتعلق به من طواف وسعي ونحوهما

- ‌فصل في صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك

- ‌تتمة:

- ‌فائدة:

- ‌فصل (أركان الحج أربعة)

- ‌فصل في الهدي والأضاحي والعقيقة

- ‌فائدة:

- ‌كتاب الجهاد

- ‌تتمة:

- ‌فصل في عقد الذمة

الفصل: ‌فصل في الأماكن التي لا تصح فيها [الصلاة]

‌فصل في الأماكن التي لا تصح فيها [الصلاة]

(1)

(ولا تصح) الصلاة (بلا عذر في مقبرة) بتثليث الباء (2)، قديمة كانت المقبرة أو جديدة، وهي مدفن الموتى، لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". رواه مسلم (3)، ولا يضر قبران (4)، ولا ما دفن بداره، ولو زاد على ثلاثة قبور، لأنه لا يسمى مقبرة (5).

(1) ما بين معقوفين زيادة إيضاح. وهو موجود في "شرح منتهى الإرادات"(1/ 155).

(2)

ينظر: "لسان العرب"(5/ 68، 69)، و"الصحاح"(2/ 784)، و"المطلع"(ص 65).

(3)

مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (1/ 377، 378) من حديث جندب بن عبد اللَّه البجلي.

(4)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما إن كان في موضع قبر أو قبرين، فقال أبو محمد: لا يمنع من الصلاة هناك؛ لأنه لا يتناولها اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق. بل عموم كلامهم يوجب منع الصلاة عند قبر من القبور، وهذا هو الصواب، فإن قوله:"لا تتخذوا القبور مساجد" أي: لا تتخذوها موضع سجود، فمن صلى عند شيء من القبور فقد اتخذ ذلك القبر مسجدًا. . . اهـ من "شرح العمدة" (2/ ق 162) وينظر:"اقتضاء الصراط المستقيم"(2/ 672).

(5)

عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصلوا إلى القبور" وقوله: "لا تتخذوا القبور مساجد" يمنع من ذلك. وقد تقدم كلام شيخ الإسلام في هذا المعنى، ثم قال شيخ الإسلام: وسواء كان -القبر- في بيت أو مكان محوط وقد بني عليه بناء لأجله أو لم يكن. اهـ من "شرح العمدة"(2/ ق 162) وقال -أيضًا- في "شرح العمدة"(2/ ق 163): قال أصحابنا: كل ما دخل في اسم المقبرة من حول القبور لا يصلى فيه فعلى هذا يبغي أن يكون المنع مساويًا لحريم القبر المفرد وفنائه المضاف إليه. اهـ

وقد نبه شيخ الإسلام على خطأ أكثر الفقهاء في قولهم: إن سبب كراهة الصلاة في المقبرة ليس إلا لكونها مظنة النجاسة، لما يختلط بالتراب من صديد الموتى. وأن السبب الصحيح: كون ذلك مظنة اتخاذها أوثانًا. ينظر: "اقتضاء الصراط المستقيم"(2/ 678)، وكتاب العلامة =

ص: 149

(و) لا تصح الصلاة في (خلاء) وهو الحش -بفتح الحاء وضمها- (1) ولو مع طهارته من النجاسة، لأنه لما منع الشرع من الكلام وذكر اللَّه فيه كان منع الصلاة أولى، والحش لغة: البستان، ثم أطلق على محل قضاء الحاجة، لأن العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين وهي الحشوش، فسميت الأخلية في الحضر حشوش بذلك.

[و](2) لا تصح الصلاة في (حمام)(3) لقوله صلى الله عليه وسلم: "الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة". رواه أبو داود (4)، ولا تصح فيما يتبعه في بيع تناوله اسمه.

(و) لا تصح الصلاة -أيضًا- في (أعطان إبل) جمع عطن -بفتح الطاء- والمعاطن جمع معطن -بكسرها- (5) لحديث: "صلوا في

= مرعي بن يوسف الحنبلي "شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور"(ص 59).

(1)

قال ابن الأثير: الحشوش: الكُنُف وموضع قضاء الحاجة. الواحد حَشٌ -بالفتح- وأصله من الحش: البستان، لأنهم كانوا كثيرًا ما يتغوطون في البساتين. اهـ "النهاية" (1/ 390) وينظر:"المطلع"(ص 65).

(2)

ما بين المعقوفين ليس في الأصل. وأثبته من "أخصر المختصرات"(ص 109).

(3)

سمي حمَّامًا لأنه يُعْرِق. أو لما فيه من الماء الحار.

ينظر: "التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي (ص 297)، و"النظم المستعذب"(1/ 67)، و"المطلع"(ص 65).

(4)

أبو داود، كتاب الصلاة، باب المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (1/ 330)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام (2/ 131)، وابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة (1/ 246) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

قال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم"(2/ 677): أسانيده جيدة، ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه. اهـ وينظر:"التلخيص الحبير"(1/ 296).

(5)

العَطَنُ والمَعْطِن: واحد الأعطان والمعاطن، وهي مبارك الإبل عند الماء لتشرب. ينظر:"الصحاح" للجوهري (6/ 2165)، و"النهاية"(3/ 258)، و"المطلع"(ص 66).

ص: 150

مرابض (1) الغنم ولا تصلوا في مبارك الإبل". رواه أحمد، وأبو داود (2)، والأعطان ما تقيم فيها الإبل وتأوي إليها، طاهرة كانت أو نجسة، فيها إبل حال الصلاة أو لا، لعموم الخبر. وأما ما تناخ لعلفها فيه وسقيها، فلا يمنع من الصلاة فيها، لأنه ليس بعطن.

(و) لا تصح الصلاة -أيضًا- في (مجزرة) مكان الذبح (3)(و) لا في (مزبلة) ملقى الزبالة (4)، (و) لا في (قارعة طريق) أي محل قرع الأقدام من الطريق، وهي محجة، سواء كان فيها سالك أو لا (5)، لحديث ابن عمر: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظهر بيت اللَّه، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، ومعطن الإبل، ومحجة الطريق". رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: ليس إسناده بالقوي (6)، ورواه

(1) في الأصل: "مرابط".

(2)

أحمد (2/ 509)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مرابض الغنم (2/ 180، 181) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وأبو داود، كتاب الصلاة، باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل (1/ 331، 332) عن البراء بن عازب بنحوه.

قال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. اهـ

وفي "صحيح مسلم"(1/ 275) عن جابر بن سمرة أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم" قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا".

(3)

المجزرة: الموضع الذي تنحر فيه الإبل وتذبح فيه البقر والشاء. ينظر: "النهاية"(1/ 267)، و"المطلع"(ص 66).

(4)

ينظر: "المطلع"(ص 66).

(5)

ينظر: "المطلع"(ص 66) و"اللسان"(8/ 268)، و"تحرير ألفاظ التنبيه"(ص 38).

قال ابن بطال الركبي: سميت قارعة؛ لأنها تقرع، أي: تصيبها الأرجل والحوافر والأظلاف والأخفاف، فاعلة بمعنى مفعولة كـ (عيشةٍ راضية) بمعنى مرضية. اهـ "النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب"(1/ 37).

(6)

ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة (1/ 246)، =

ص: 151

الليث بن سعد عن عبد اللَّه بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر، [عن عمر](1) مرفوعًا. وتصح في طريق أبيات قليلة (2).

(ولا) تصح الصلاة (في أسطحتها) أي أسطحة تلك المواضع التي لا تصح الصلاة فيها، لأن الهواء تبع للقرار، لمنع الجنب من اللبث بسطح

= والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية ما يصلى إليه وفيه (2/ 177، 178) بنحوه.

قال الترمذي: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي. وقد تكلم في زيد بن جَبِيرة من قبل حفظه. اهـ وفي "الضعفاء" للعقيلي (2/ 71) أن عبد اللَّه بن نافع مولى ابن عمر قال في رسالته إلى الليث بن سعد عن هذا الحديث: فلا أعلم الذي حدث بهذا عن نافع، إلا قد قال عليه الباطل. اهـ

وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية"(1/ 401): هذا حديث لا يصح. اهـ

وقال الحافظ في "التلخيص"(1/ 227): وفي سند الترمذي زيد بن جبيرة، وهو ضعيف جدًّا. اهـ.

(1)

ما بين معقوفين سقط من الأصل. والتصحيح من "سنن الترمذي"(2/ 179)، و"سنن ابن ماجه" (1/ 246) قال الترمذي: وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد اللَّه بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: مثله. . وعبد اللَّه بن عمر العمري ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه، منهم يحيى بن سعيد القطان. اهـ وضعفه النووي في "المجموع"(3/ 162)، والحافظ في "التلخيص"(1/ 227).

(2)

عدم صحة الصلاة في المواطن المتقدمة من مفردات المذهب. نص على ذلك في "الإنصاف"(3/ 296)، و"المنح الشافيات"(1/ 196)، و"الفتح الرباني"(1/ 137).

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في "المختارات"(ص 42): الأصل أن الصلاة جائزة في جميع بقاع الأرض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل". وهذا عام لا يخرج منه شيء إلا ما صحَّ به النقل في النهي عنه، وذلك كالحمام، وأعطان الإبل، والصلاة في المقبرة وإليها، وكذلك الصلاة في الموضع النجس.

وأما قارعة الطريق، والمجزرة والمزبلة إذا لم يكونا نجستين؛ فلم يثبت الحديث به. فيبقى الحكم على الأصل. اهـ

ص: 152

المسجد، وحنث من حلف لا يدخل دارًا (1) بدخول سطحها (2).

ولا تصح في سطح نهر، وكذا ساباط (3) وجسر عليه (4)، ويستثنى من ذلك صحة صلاة جنازة بمقبرة، لصلاته عليه الصلاة والسلام على القبر (5)، وصحة صلاة جمعة، وعيد، وجنازة، وصلاة كسوف، واستسقاء بطريق، لضرورة، بأن ضاق المسجد أو المصلى، واضطروا للصلاة في الطريق للحاجة.

وتصح الجمعة -أيضًا- وما عطف عليها (6) في المكان المغصوب (7)،

(1) في الأصل: دار. والتصحيح من "شرح منتهى الإرادات"(1/ 156).

(2)

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في "المختارات"(ص 43): وأضعف ما يكون النهي عن الصلاة في أسطحة هذه المواضع وتعليل ذلك بأن الهواء تابع للقرار -وهم قد قالوا: إن النهي عن الصلاة في هذه المواضع تعبدي. والتعبدي غير معقول المعنى، وشرط القياس والإلحاق فهم المعنى ووجوده في الملحق، فإذا كان المعنيان منتفيين كان القول في منع الصلاة في هذه الأسطحة ضعيفًا مبنيًّا على ضعيف. وإن عُلّل هذه المواضع فالأمر أوضح وأوضح. اهـ

وقد رجح ابن قدامة في "المغني"(2/ 473)، والشارح في "الشرح الكبير"(3/ 306) جواز الصلاة فيها.

وإن كان في المقبرة سطح -كغرفة لبن ونحوها- لم تصح الصلاة عليه، لكون العلة في المنع من الصلاة في المقابر، فشوَّ الشرك، وهذا موجود في سطحها.

(3)

الساباط: سقيفة بين حائطين، أو بين دارين، تحتها طريق. والجمع: سوابيط وساباطات. ينظر: "اللسان"(7/ 311)، و"القاموس"(ص 864).

(4)

في "شرح منتهى الإرادات"(1/ 156): جسرها عليه. قاله السامري، لأن الماء لا يصلى عليه، قاله ابن عقيل. اهـ فالضمير في عليه يعود إلى النهر. واللَّه أعلم.

(5)

البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر بعدما يدفن (2/ 91، 92)، ومسلم، كتاب الجنائز (2/ 659) عن أبي هريرة في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد.

(6)

أي: ما عطف عليها قبل سطرٍ: العيد والجنازة والكسوف والاستسقاء.

(7)

أي: حال الضرورة إليه، لا على الإطلاق. كما تقدم في المذهب من المنع من الصلاة في المغصوب. ينظر:"حاشية ابن قاسم على الروض"(1/ 543).

ص: 153

نص عليه في الجمعة (1)، لأنه إذا صلاها الإمام في الغصب، وامتنع الناس من الصلاة معه فاتتهم، ولذلك صحت الجمعة خلف الخوراج والمبتدعة.

وتصح الصلاة في كل المواضع المتقدم ذكرها للعذر، كما لو حبس فيها. وتكره الصلاة إليها، حديث أبي مرثد الغنوي:"لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها". رواه الشيخان (2)، وألحق بذلك باقي المواضع.

ولا تكره الصلاة فيما علا عن جادة المسافر يمنة أو يسرة، نصًّا (3)، لأنه ليس بمحجة.

ولا يصح فرض الصلاة في الكعبة المشرفة، ولا على ظهرها، لقوله تعالى:{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (4) والشطر الجهة (5)، والمصلي فيها أو على سطحها غير مستقبل لجهتها، إلا إذا وقف خارجها وسجد فيها صح فرضه، أو صلى على جدارها بحيث لم يبق وراءه شيء منها، صح فرضه، لأنه مستقبل لطائفة من الكعبة غير مستدبر لشيء منها.

وتصح نافلة فيها وعليها، بل تسن فيها، لحديث ابن عمر: دخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم البيت، وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأغلق عليهم، فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالًا (6) فسألته: هل صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ قال: ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا

(1)"الإنصاف"(3/ 310).

(2)

الحديث رواه مسلم فقط، كتاب الجنائز (2/ 668) بلفظ:"لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها". ينظر: "تحفة الأشراف" للمزي (8/ 329)، و"جامع الأصول"(11/ 158).

(3)

"الإنصاف"(3/ 307)، و"كشاف القناع"(1/ 295)، و"شرح منتهى الإرادات"(1/ 157).

(4)

سورة البقرة، الآية:144.

(5)

"اللسان"(4/ 408)، و"القاموس"(ص 533).

(6)

في الأصل: "بلال" والتصحيح من "شرح منتهى الإرادات"(1/ 157).

ص: 154

دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين. رواه الشيخان، ولفظه للبخاري (1).

وتصح منذورة في الكعبة وعليها، ويسن النفل في الحِجْر، وهو من الكعبة نصًّا (2). وقدر الداخل منه في حدود البيت ستة أذرع وشيء، ويصح التوجه إليه، لأنه من الكعبة، سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا.

وتكره الصلاة بأرض الخسف، لأنه موضع مسخوط عليه، وكذا كل بقعة نزل بها عذاب، ومسجد الضرار.

وتصح بأرض السباخ (3)، قال في "الرعاية" (4): مع الكراهة. ولا بأس بالصلاة في أرض غيره ولو مزرعة، أو على مصلاه بغير إذنه، بلا غصب، ولا ضرر.

(الخامس) من شروط صحة الصلاة: (استقبال القبلة) لقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (5) قال علي: شطره: قبله (6)، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة"(7) ولحديث

(1) البخاري، كتاب الصلاة، باب قوله تعالى:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (1/ 103، 164) وفي مواضع أخرى، ومسلم، كتاب الحج (2/ 966).

(2)

"شرح منتهى الإرادات"(1/ 158).

(3)

السبخة -محركة ومسكنة- أرض ذات نزٍّ وملحٍ. "القاموس"(ص 323).

(4)

"الرعاية" لابن حمدان. والنقل عنها بواسطة "الإنصاف"(3/ 312).

(5)

سورة البقرة، الآية:144.

(6)

الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير (2/ 269) وصححه ووافقه الذهبي. ومن طريقه رواه البيهقي في "السنن الكبرى" كتاب الصلاة، باب تحويل القبلة (2/ 3). ينظر:"الدر المنثور" للسيوطي (1/ 355).

(7)

البخاري، كتاب الاستئذان، باب من رد فقال: عليك السلام (7/ 132)، ومسلم، كتاب الصلاة (1/ 298) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة المسيء صلاته.

ص: 155

ابن عمر في أهل قباء، لما حُوِّلت القبلة. متفق عليه (1).

وأصل القبلة لغة: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها كالجلسة، ثم صارت كالعلم للجهة التي يستقبلها المصلي لإقبال الناس عليها (2).

وصلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس بالمدينة نحو سبعة عشر شهرًا (3).

(ولا تصح) الصلاة (بدونه) أي الاستقبال (إلا لعاجز) عن الاستقبال، كالمحبوس، والمصلوب (4) إلى غير القبلة، والعاجز عن الالتفات إلى القبلة لمرض، أو منع مشركٍ ونحوه عند التحام حرب، أو هرب من عدو أو سيل أو سبع ونحوه، فيسقط عنه الاستقبال، ويصلي على حاله، لحديث:"إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم"(5).

(و) إلا لـ (متنفلٍ في سفر مباح) أي غير مكروه ولا محرم، ولو كان ماشيًا فيصلي لجهة سيره على ما يأتي تفصيله، ولو كان السفر قصيرًا، نص عليه (6) فيما دون فرسخ (7)، لقوله تعالى:{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (8) قال ابن عمر: نزلت في التطوع

(1) البخاري، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القبلة. . . (1/ 105)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (1/ 375).

(2)

ينظر: "المطلع"(66، 67)، و"النظم المستعذب"(1/ 74)، و"التوقيف"(ص 571).

(3)

البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة (1/ 104)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (1/ 374) عن البراء بن عازب رضي الله عنه.

(4)

الصَّلْبُ: تعليق الإنسان للقتل على جذع ونحوه. سمي صلبًا لشدة تصلُّبه على الخشب. ينظر: "المطلع"(ص 376)، و"التوقيف"(ص 460).

(5)

سبق تخريجه (ص 145).

(6)

"الإنصاف"(3/ 320).

(7)

الفرسخ ثلاثة أميال، والميل بالوحدات الزمنية المعاصرة 1848 متر، فالفرسخ بالوحدات الزمنية المعاصرة 5544 متر. وبالكيلو مترات = 5 كم.

(8)

سورة البقرة، الآية:115.

ص: 156

خاصة (1). ولحديث ابن عمر مرفوعًا: كان يصلي على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه. وكان ابن عمر يفعله. متفق عليه (2)، وللبخاري إلا الفرائض (3) ولأن ذلك تخفف في التطوع، لئلا يؤدي إلى تقليله وقطعه، لكن إن عدلت به دابته عن جهة قصده، وقدر على ردها ولم يردها، أو لم يقدر على ردها، وطال ألفصل، أو عَدَلَها هو عن جهة قصده؛ بطلت صلاته.

ويجب على ماش يتنفل إحرام إلى القبلة، وركوع وسجود إليها في الأرض، لتيسر ذلك عليه، ويفعل ما سواه إلى جهة سيره. ويستقبل راكب، ويركع ويسجد إن أمكنه بلا مشقة، كراكب المحفة (4) الواسعة، والسفينة، والراحلة الواقفة، لأنه كالمقيم في عدم المشقة.

(وفرض قريب منها) أي الكعبة، وهو من يمكنه المشاهدة، أو من يخبره عن يقين (إصابة عينها) ببدنه، بحيث لا يخرج منه شيء عنها، فإن كان بالمسجد الحرام، أو على ظهْرِهِ فظاهرٌ، وإن كان خارجه فإنه يتمكن من ذلك بنظره أو علمه (5)، أو خبر عالم به، فإن من نشأ بمكة، أو أقام بها كثيرًا يمكنه اليقين في ذلك، ولو مع حائل حادثٍ كالأبنية.

وكذا فرض من قرب من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إصابة العين ببدنه، لأن قبلته متيقنة، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ. وروى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم

(1) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها (1/ 486) بنحوه.

(2)

البخاري، كتاب الوتر، باب الوتر في السفر (2/ 14)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها (1/ 486، 487).

(3)

البخاري، كتاب الوتر، باب الوتر في السفر (2/ 14).

(4)

الِمحفَّة بالكسر: مركب كالهودج إلا أن الهودج يقبب والمحفة لا تقبب. ينظر: "اللسان"(9/ 49).

(5)

في الأصل: أو علم. والمثبت من "شرح منتهى الإرادات"(1/ 161).

ص: 157

ركع ركعتين قبل القبلة، وقال:"هذه القبلة"(1). ولا يضر علو عن الكعبة كالمصلي على جبل أبي قبيس (2)، ولا يضر نزول عنها كالمصلي في حفيرة في الأرض.

(و) فرض (بعيد) منها ومن مسجده صلى الله عليه وسلم إصابة (جهتها) بالاجتهاد، لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-:"ما بين المشرق والمغرب قبلة". رواه ابن ماجه، والترمذي (3)، ويعفى عن انحرافه يسيرًا يمنة ويسرة، للخبر (4)، وإصابة العين بالاجتهاد متعذرة، فإن أمكنه ذلك بخبر مكلفٍ عدل ظاهرًا وباطنًا، حرًّا كان أو عبدًا [رجلًا أو](5) امرأة، عن يقين، لزمه العمل به.

(و) يستدل -أيضًا- (بمحاريب المسلمين) لأن اتفاقهم عليها مع تكرر الأعصار إجماع عليها، وإن وجد محاريب لم يعلمها للمسلمين، لم يعمل بها، وإن كان بقرية، ولم يجد محاريب يعمل بها، لزمه السؤال. (وإن

(1) مسلم، كتاب الحج (2/ 968).

قال في "الشرح الكبير"(3/ 331) على هذه المسألة: كذلك ذكره أصحابنا. وفي ذلك نظر، لأن صلاة الصف المستطيل في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم صحيحة مع خروج بعضهم عن استقبال عين الكعبة، لكون الصف أطول منها. وقولهم: إنه عليه السلام لا يقر على الخطأ صحيح. لكن إنما الواجب عليه استقبال الجهة، وقد فعله، وهذا الجواب عن الخبر المذكور. اهـ

(2)

هو الجبل المشرف على الصفا، وهو ما بين أجياد الصغير إلى السويداء إلى الخندمة. وكان يسمى في الجاهلية: الأمين. ينظر: "أخبار مكة" للفاكهي (4/ 45)، و"أخبار مكة شرفها اللَّه" للأزرقي (477)، و"الروض المعطار في خبر الأقطار" للحموي (ص 452)، و"الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة" لتقي الدين الفاسي (ص 6).

(3)

ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب القبلة (1/ 323)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة (2/ 173) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. اهـ وقال النووي في "المجموع"(3/ 208): صح عن عمر موقوفًا عليه. اهـ ينظر: "التلخيص الحبير"(1/ 225)، و"العلل" للدارقطني (2/ 31) فيما يتعلق بأثر عمر.

(4)

أي المتقدم: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".

(5)

ما بين معقوفين ليس في الأصل. والمثبت من "شرح منتهى الإرادات"(1/ 162).

ص: 158

اشتبهت) القبلة (في السفر) وكان وقت الصلاة، (اجتهد عارف بأدلتها) أي القبلة، جمع دليل بمعنى دال (1)، لأن ما وجب اتباعه عند وجوده وجب الاستدلال عليه عند خفائه، كالحكم في الحادثة.

ويسن تعلم أدلة القبلة مع أدلة الوقت، والدليل هنا: أمور، أصحها النجوم، قال تعالى:{وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} (2) وقال تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا} (3) وقال عمر: تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق (4). وقال الأثرم: قلت لأحمد: ما ترى في تعلم هذه النجوم التي يعلم بها كم مضى من النهار، وكم يبقى؟ قال: ما أحسن تعلمها (5).

وأثبتها القطب -بتثليث القاف- حكاه (6) ابن سِيْدَه (7). لأنه (8) لا يزول عن مكانه، ويمكن كل أحد معرفته، وهو نجم خفي شمالي، يراه حديد البصر إذا لم يقو نور القمر، وحوله أنجم دائرة كفراشة الرحى (9) في

(1) ينظر: "اللسان"(11/ 248).

(2)

سورة النحل، الآية:16.

(3)

سورة الأنعام، الآية:97.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" كتاب الأدب، في تعليم النجوم ما قالوا فيها (8/ 602) بنحوه.

(5)

"شرح منتهى الإرادات"(1/ 162، 163).

(6)

في الأصل: (وحكاه)، والمثبت من "شرح منتهى الإرادات"(1/ 163)، و"كشاف القناع"(1/ 307).

(7)

"المحكم"().

وابن سيده هو: علي بن إسماعيل المرسي الضرير، أبو الحسن. إمام اللغة. ألف كتاب "المحكم والمحيط الأعظم"، و"العالم في اللغة" بدأ بالفلك وختم بالذَّرة. و"شوارد اللغة" توفي سنة (458 هـ). ينظر:"جذوة المقتبس"(311، 312)، و"معجم الأدباء"(12/ 231، 235) و"إنباه الرواة"(2/ 225، 227)، و"سير أعلام النبلاء"(18/ 144).

(8)

في الأصل: (ولأنه)، والمثبت من "شرح منتهى الإرادات"(1/ 163).

(9)

هي الحجر الذي يدور حول سفود الرحى. انظر: "اللسان"(فرش)، والمغني =

ص: 159

أحد طرفيها الفرقدان، وفي الآخر الجدي، وحولها بنات نعشٍ (1) مما يلي الفرقدين تدور حولها، والقطب وراء ظهر المصلي بالشام وما حاذاها كالعراق، وخراسان، وسائر الجزيرة لا تتفاوت في ذلك إلا تفاوتًا يسيرًا معفوًا (2) عنه. ذكره الجد (3). ويكون خلف أذنه اليمنى بالمشرق، ويكون على عاتقه الأيسر بمصر وما والاها من البلاد. ومن أدلة القبلة: الشمس والقمر ومنازلهما وما يقترن بهما وما يقاربها، كلها تطلع من الشرق وتغرب في المغرب (4). والمنازل: ثمانية وعشرون، أربعة عشر شامية، تطلع من وسط المشرق أو مائلة عنه إلى الشمال. أولها السرطان، وآخرها السماك. وأربعة عشر يمانية، تطلع من المشرق مائلة إلى اليمين، ولكل نجم من الشامية رقيب من اليمانية، إذا طلع أحدهما (5) غاب رقيبه، فأول اليمانية وآخر الشامية يطلع من وسط المشرق، ولكل نجم من هذه النجوم [نجوم](6) تقاربه وتسير بسيره عن يمينه وشماله، يكثر عدها، فحكمها حكمه، يستدل بها عليه، وعلى ما يدل عليه.

ومن أدلة القبلة: الريح. قال أبو المعالي (7): والاستدلال بها

= (2/ 103).

(1)

بنات نعش: سبعة كواكب: أربعة منها نعش لأنها مربَّعة، وثلاثة بنات نعش. شبهت بحملة النعش في تربيعها. "اللسان"(6/ 355).

(2)

في الأصل: (معفو) والتصحيح من "شرح منتهى الإردات"(1/ 163).

(3)

ينظر: "شرح منتهى الإرادات"(1/ 163) وهذا النقل ليس من "المحرر" فلعله في "شرح الهداية" للمجد.

(4)

في "شرح منتهى الإرادات"(1/ 163): (بالمغرب).

(5)

في الأصل: (أحدها) والمثبت من "شرح منتهى الإرادات"(1/ 163).

(6)

ما بين معقوفين ليس في الأصل، وأثبته من "شرح منتهى الإرادات"(1/ 163).

(7)

هو أسعد بن المنجَّى بن بركات التنوخي الدمشقي، وجيه الدين أبو المعالي، العلامة شيخ الحنابلة. ولد سنة (519 هـ). ألف كتاب "النهاية في شرح الهداية"، و"الخلاصة في =

ص: 160

ضعيف (1).

ولا يتبع مجتهد مجتهدًا خالفه، ولا يقتدي به.

(وقلد غيره) أي: غير العارف بأدلتها والعاجز عن تعلمها: الأوثق عنده من مجتهدين، وكذلك الأعمى (فإن صلى) مصلٍّ (بلا أحدهما) أي: الاجتهاد أو تقليد عارف (مع القدرة) على ذلك (قضى) صلاته (مطلقًا) على كل حال (2)، لأنه مقصر.

(السادس) من شروط صحة الصلاة (النية) والنية لغة: القصد، يقال: نواك اللَّه بخير، أي: قصدك به (3). ومحلها القلب، فتجزئ وإن لم يتلفظ بها، ولا يضر سبق لسانه بغير قصده، وتلفظه بما نواه تأكيد (4).

= المذهب"، و"العمدة" توفي سنة (606 هـ). ينظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 49، 50)، و"سير أعلام النبلاء" (21/ 436)، و"شذرات الذهب" (7/ 36).

(1)

ينظر: "الإنصاف"(3/ 342) وإنما كانت ضعيفة لأن الاستدلال بها عسر إلا في الصحاري، وأما بين الجبال والبنيان فإنها تدور، فتختلف وتبطل دلالتها. اهـ من "كشاف القناع"(1/ 309).

(2)

سواء أخطأ أو أصاب. اهـ من حاشة ابن بدران على "أخصر المختصرات"(ص 110).

(3)

ينظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (15/ 556)، و"الصحاح"(6/ 2516)، و"اللسان"(15/ 348) و"المطلع"(ص 69).

(4)

قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى"(22/ 218): والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين، بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشريعة إذا فعل ذلك معتقدًا أنه من الشرع، فهو جاهل ضال يستحق التعزير والعقوبة على ذلك إذا أصر على ذلك بعد تعريفه والبيان له. . . إلى أن قال (22/ 221): وهذا هو الصواب فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول قبل التكبير شيئًا، ولم يكن يتلفظ بالنية، لا في الطهارة، ولا في الصلاة، ولا في الصيام، ولا في الحج، ولا غيرها من العبادات، ولا خلفاؤه، ولا أمر أحدًا أن يتلفظ بالنية، بل قال لمن علمه الصلاة:"كبِّر" كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد للَّه رب العالمين. ولم يتلفظ قبل التكبير بنية ولا غيرها، ولا علّم ذلك أحدًا من المسلمين. ولو كان ذلك مستحبًّا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولعظمه =

ص: 161

وشرعًا: العزم على فعل الشيء من عبادة وغيرها (1). قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (2) والإخلاص: عمل القلب، وهو محض النية. لحديث عمر:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". متفق عليه (3).

ولا تسقط النية بحال (فيجب تعيين) صلاة (معينة) من فرض معين أو نفل، (وسنّ مقارنتها) أي النية (لتكبيرة الإحرام) لتقارن العبادة، وخروجًا من الخلاف (4)(ولا يضر تقديمها عليها بيسير) ويجب استصحاب حكم النية

= المسلمون.

وكذلك في الحج إنما كان يستفتح الإحرام بالتلبية. . . ولم يشرع لأحد أن يقول قبل التلبية شيئًا، لا يقول: اللهم إني أريد العمر والحج. . . بل جعل التلبية في الحج كالتكبير في الصلاة. اهـ

ينظر: "إغاثة اللهفان"(1/ 136)، و"زاد المعاد"(1/ 201).

(1)

"المطلع"(ص 69)، و"المصباح المنير"(2/ 868).

(2)

سورة البينة، الآية:5.

(3)

سبق تخريجه (ص 54).

(4)

وهو خلافٌ للشافعي حيث قال: تشترط مقارنة النية للتكبير. ينظر: "المهذب" للشيرازي (2/ 236)، و"الحاوي" للماوردي (2/ 118)، و"الروضة" (1/ 224). ومذهب الحنفية كمذهبنا. ينظر: حاشية ابن عابدين "رد المحتار"(2/ 93)، و"فتح القدير"(1/ 265)، و"البحر الرائق"(1/ 291)، و"الاختيار"(1/ 48) و"مجمع الأنهر"(1/ 85). والمالكية منهم من جعل مقارنتها للتكبير شرطًا، كالقاضي عبد الوهاب. ومنهم من لم يجعله شرطًا. قال ابن عبد البر: والاختيار عندي أن تتقدم النية التكبير بلا فصلٍ، وتحصيل مذهب مالك أن المصلي إذا قام إلى صلاته أو قصد المسجد لها، فهو على نيته وإن غابت عنه، إلى أن يصرفها إلى غير ذلك. اهـ

وقال ابن رشد: والأصح أن تقديم النية قبل الإحرام بيسير جائز. اهـ

ينظر: "التلقين" للقاضي عبد الوهاب (1/ 97، 98)، و"الكافي"(1/ 168)، و"مقدمات ابن رشد"(1/ 156)، و"عقد الجواهر الثمينة"(1/ 130)، و"التاج والإكليل" للمواق (2/ 211 - مطبوع مع: مواهب الجليل-)، و"الخرشي على مختصر خليل"(1/ 269).

ص: 162

إلى آخر الصلاة، بأن لا ينوي قطعها، فتبطل الصلاة بفسخ النية فيها، وبتردد فيه (1)، وبعزم عليه، وشكه هل نوى أو عيّن فعمل مع الشك عملًا فعليًّا كان أو قوليًّا ثم ذكر أنه كان نوى أو عين، لأن ما عمله خلا عن نية (2)، فإن لم يحدث مع الشك عملًا، ثم ذكر أنه نوى أو عين لم تبطل، وإن لم يذكر استأنف.

(وشرط) لصلاة جماعة (نية إمامة) لإمام، (و) نية (ائتمام) بمأموم، لأن الجماعة يتعلق بها أحكام من وجوب الاتباع، وسقوط سجود السهو، والفاتحة عن المأموم، وفساد صلاته بفساد صلاة إمامه، وإنما يتميز الإمام عن المأموم بالنية، فكانت شرطًا لانعقاد الجماعة، وإن كانت الصلاة نفلًا كالتراويح والوتر فلابد من نية كل منهما حاله، وإن ائتمَّ من سبق بركعة فأكثر بمثله في قضاء ما فاتهما بعد سلام إمامهما في غير جمعة، صح ذلك، لأنه انتقال من جماعة لجماعة لعذر السبق (3)، ولا يصح أن يأتم من لم ينوه في أول الصلاة، لأنه محل النية، إلا إذا أحرم إمام لغيبة إمام الحيِّ ثم حضر وبنى على صلاة الأول، وصار الإمام مأمومًا بالإمام الراتب، لما روى سهل بن سعد قال: ذهب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى [بني](4) عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فصلى أبو بكر فجاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فاستأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ثم انصرف. متفق عليه (5).

(1) أي الفسخ.

(2)

أي: جازمة. ينظر: "شرح منتهى الإرادات"(1/ 167).

(3)

في الأصل: أسبق. والتصحيح من "شرح منتهى الإرادات"(1/ 170).

(4)

ما بين معقوفين سقط من الأصل. والمثبت من مصادر الحديث. ينظر التعليق الآتي.

(5)

البخاري، كتاب الأذان، باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول. . . (1/ 167)، ومسلم، كتاب الصلاة (1/ 316، 317).

ص: 163

ولا يصح أن [يؤم](1) من لم ينو الإمامة أولًا ولو في نفل، إلا إذا استخلفه إمام لحدوث مرض أو حصر عن قول واجب، كقراءة وتشهد ونحوهما.

ويبني خليفة الإمام على ترتيب الإمام الأول، لأنه فرعه، ولو كان المستخلف مسبوقًا لم يدخل معه من أول الصلاة، فإن شك كم صلى الإمام، بنى على اليقين، فإن سبح به المأموم رجع ويستخلف من يسلم بهم، فإن لم يفعل، فلهم السلام، ولهم انتظاره حتى يتم صلاته ويسلم بهم، نصًّا (2).

(و) يصحُّ (لمؤتم انفراد) عن الجماعة (لعذر) يبيح ترك الجماعة، لحديث جابر قال: صلى معاذ بقومه فقرأ بسورة البقرة، فتأخر رجل فصلى وحده، فقيل له: نافقت. قال: ما نافقت، ولكن لآتين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبره. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك فقال:"أفتانٌ أنت يا معاذ؟ " مرتين، متفق عليه (3)، فإن لم يكن عذر بطلت صلاته لمفارقته.

(وتبطل صلاته) أي المأموم (ببطلان صلاة إمامه) و (لا عكسه) فلا تبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم (إن نوى إمامٌ) بطلت صلاة مأمومه (الانفراد) هذا كما مشى عليه صاحب "الإقناع"(4)، والصحيح عدم هذا

(1) في الأصل: (يأتم) والتصحيح من "شرح منتهى الإرادات"(1/ 170).

(2)

ينظر: "الإنصاف"(3/ 385).

(3)

البخاري، كتاب الأذان، باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى (1/ 172)، ومسلم، كتاب الصلاة (1/ 339).

(4)

"الإقناع"(1/ 108).

وصاحب الإقناع، هو: موسى بن أحمد بن موسى بن سالم، شرف الدين، أبو النَّجا الحجَّاوي -بتشديد الجيم- المقدسي، ثم الصالحي. العالم العلامة، أحد أركان المذهب، وشيخ المتأخرين من علمائه. ولد بقرية حجَّة، سنة (895 هـ) ألَّف "الزاد"، و"الإقناع"، و"حاشية التنقيح" توفي سنة (968). ينظر:"شذرات الذهب"(10/ 472)، و"الكواكب =

ص: 164

الشرط، وأنها لا تبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم مطلقًا، كما اختاره الشيخ منصور في "شرحه" على "الإقناع "(1).

= السائرة" للغزي (3/ 215، 216)، و"ذخائر القصر" لابن طولون (105)، و"السحب الوابلة" (3/ 1134، 1136).

(1)

"كشاف القناع"(1/ 321).

ص: 165