الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أقربها منه، لقول عمر: انظروا حذوها من قُديد (1). رواه البخاري.
وسن له أن يحتاط ليخرج من عهدة الوجوب، فإن لم يحاذ ميقاتًا، أحرم عن مكة بقدر مرحلتين.
(وأشهر الحج، شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة) منها يوم النحر، كما تقدم.
تنبيه:
لا يحل لمكلف حر مسلم أراد مكة، أو أراد نسكًا، تجاوز ميقات بلا إحرام، لأنه صلى الله عليه وسلم وقَّت المواقيت، ولم ينقل عنه، ولا عن أحد من أصحابه أنه تجاوز ميقاتًا بلا إحرام. وعلم منه أنه يجوز الإحرام من أول الميقات ومن آخره، لكن أوله أولى. إلا إن تجاوزه لقتال مباح، لدخوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر (2)، ولم ينقل عنه، ولا عن أحد من أصحابه أنه دخل مكة محرمًا ذلك اليوم، أو تجاوزه لخوف، أو حاجة تكرر، كحطاب وحشاش، ونحو ذلك، ثم إن بدا لمن لم يلزمه الإحرام أن يحرم، أو بدا لمن لم يرد الحرم،
(1) البخاري، في الحج، باب ذات عرق لأهل العراق (2/ 143) عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حدَّ لأهل نجدٍ قرنًا، وهو جورٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنًا شق علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عِرق.
قال البيهقي: يمكن أن يكون عمر لم يبلغه توقيت النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ وقد وقع النص عليه في حديث جابر، عند مسلم. قال الحافظ في "الفتح": إلا أنه مشكوك في رفعه، ينظر:"التلخيص الحبير"(2/ 243) و"فتح الباري"(3/ 398، 390).
قوله: "من قديد": قديد في الطريق بين مكة والمدينة، بينها وبين الجحفة سبعة وعشرون ميلًا، وهو حصن صغير فيه أخلاط من العرب. . "الروض المعطار"(ص 454، 455) وهذه اللفظة: "من قديد" ليست في البخاري. ولم يذكرها الحافظ.
(2)
البخاري، في الصيد، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام (2/ 216) ومسلم، في الحج (2/ 990) عن أنس بن مالك "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه مغفر. . .".
كقاصد عُسفَان (1) أن يحرم، فمن موضعه يحرم، لأنه حصل دون الميقات على وجه مباح، فأشبه ذلك المكان، ولا دم عليه، لأنه لم يجاوز الميقات حال وجوب الإحرام عليه بغير إحرام.
ومن تجاوزه يريد نسكًا بلا إحرام، أو كان النسك فرضًا، ولو كان جاهلًا أنه الميقات، أو ناسيًا، لزمه أن يرجع إلى الميقات، فيحرم منه، حيث أمكن، كسائر الواجبات، إن لم يخف فوت حج، أو غيره، كعلى نفسه، أو ماله، ولا دم عليه، نصًّا (2)، فإن خاف، لم يلزمه رجوع، ويحرم من موضعه، ويلزمه دم، لما روى ابن عباس مرفوعًا:"من ترك نسكًا فعليه دم"(3). وقد ترك واجبًا، وسواء كان لعذر، أو غيره.
ولا يسقط الدم إن أفسد النسك، نصًّا (4)؛ لأنه كالصحيح نصًّا (5)، كدم محظور.
(ومحظورات) أي ممنوعات (الإحرام) أي المحرمات بسببه (تسعة: ) أحدها: (إزالة شعر) من بدن كله، ولو من أنفه، بلا عذر، لقوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (6) وألحق بالحلق: القلع، والنتف، ونحوه، وبالرأس: سائر البدن، بجامع الترفه.
(و) الثاني: (تقليم أظفار) من يد، أو رجل أصلية أو زائدة، أو قصه، ونحوه، لأنه إزالة جزء من بدن يترفه به، أشبه الشعر بلا عذر، فإن زال شعره، أو ظفره، لعذر، لم يحرم، لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ
(1) عُسْفان: بلد بين مكة والمدينة، بينها وبين مكة تسعة وأربعون ميلًا، وبينها وبين البحر عشرة أميال، وفيها آبار عذبة. . اهـ "الروض المعطار"(ص 421).
(2)
"شرح منتهى الإرادات"(2/ 11).
(3)
أخرجه مالك، في الموطأ، في الحج، باب ما يفعل من نسي من نسكه شيئًا (1/ 419).
(4)
"شرح المنتهى"(2/ 11).
(5)
المصدر السابق.
(6)
سورة البقرة، الآية:196.
بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} (1)، ولحديث مسلم، عن كعب بن عُجْرة وفيه: وكأن هوام رأسك تؤذيك؟ فقلت: أجل. فقال: "فاحلقه واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين"(2)، فإن أزاله لأذاه، كما لو خرج بعينه شعر، أو انكسر ظفره، فأزالهما؛ فلا فدية، لأنه أزيل لأذاه، أشبه قتل الصيد الصائل عليه، أو زال الشعر والظفر مع غيرهما، كقطع جلد عليه شعر، أو أنملة بظفرها، فلا يفدي، لأنهما بالتبعية لغيرهما، والتابع لا يفرد بحكم.
ومن طُيِّب، أو حُلق رأسه مثلًا، أو قلم ظفره بإذنه، أو سكت ولم ينهه، ولو بغير أذنه، أو حلق رأس نفسه، أو قلم ظفره كرهًا، فعليه الفدية دون الفاعل، ولو محرمًا، لأنه تعالى أوجب الفدية بحلق الرأس، مع أن العادة أن غيره يحلقه، ولأن المفعول به ذلك مفرط بسكوته، وعدم نهيه.
وإن حلق رأسه مكرهًا بيد غيره، أو نائمًا، فالفدية على حالق، وكذا من طيَّب غيره مكرهًا، أو ألبسه ما يحرم عليه، ولا فدية بحلق محرم شعر حلال، أو تطييبه بلا مباشرة طيب.
ويباح لمحرم غسل شعره بسدر، ونحوه، نصًّا (3) في حمام، وغيره، بلا تسريح، وله -أيضًا- حك بدنه، ورأسه برفق، ما لم يقطع شعرًا.
(و) الثالث: (تغطية رأس ذكر) إجماعًا (4)، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن لبس العمائم والبرانس (5) وقوله في المحرم الذي وقصته (6) ناقته: "ولا تخمروا
(1) سورة البقرة، الآية:196.
(2)
مسلم، في الحج (2/ 859، 862) وأخرجه -أيضًا- البخاري في المحصر، باب قول اللَّه تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا. . .} (2/ 208) وفي مواضع أخرى.
(3)
"الفروع"(3/ 355).
(4)
"الإجماع"(ص 64).
(5)
البرُنس: كل ثوب رأسه منه. "لسان العرب"(6/ 26).
(6)
وقصته: أي: رمت به فدقت عنقه، "المصباح"(ص 2/ 668).
رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" (1). متفق عليهما.
وتقدم أن الأذنين من الرأس (2)، وكذا البياض فوقهما، فمتى غطى رأسه بلاصق معتاد، كبرنس، وعمامة، أو غيره، ولو بقرطاس به دواء، أو لا، أو غطاه بطين، أو نورة، أو حناء، أو عصبة، ولو بسير، حرم بلا عُذْر، وفدى، لقوله صلى الله عليه وسلم:"إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها"(3).
ونهى أن يشد الرجل رأسه بالسير، ذكره القاضي (4)، وكذا يحرم ستره بغير لاصق، كأن يستظل بمحمل، ونحوه، أو بثوب، ونحوه، كخوص، وريش يعلو الرأس ولا يلاصقه، راكبًا أو لا، بلا عذر، ويفدي، أشبه ما لو ستره بشيء يلاصقه، بخلاف نحو خيمة.
ولا يحرم أن يحمل على رأسه شيئًا، كطبق، ومكتل، أو نصب حياله شيئًا يستظل به، لأنه لا يقصد استدامته، أشبه الاستظلال بحائط، أو شجرة، أو بيت، لحديث جابر في حجة الوداع: وأمر بقبة من شر فضربت
(1) أما حديث: نهي المحرم عن لبس العمائم والبرانس، فأخرجه البخاري، في الحج، باب ما لا يلبس المحرم من الثياب (2/ 145) ومسلم، في الحج (2/ 834) من حديث ابن عمر. وأما حديث: المحرم الذي وقصته ناقته، فأخرجه البخاري، في الجنائز، باب الكفن في ثوبين (2/ 75) وفي جزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة (2/ 215)، ومسلم، في الحج (2/ 865) عن ابن عباس.
(2)
في الطهارة.
(3)
أخرجه الدارقطني، كتاب الحج (2/ 294) عن ابن عمر مرفوعًا. ورواه البيهقي، كتاب الحج، باب المرأة لا تنتقب في إحرامها ولا تلبس القفازين (5/ 47) موقوفًا. قال: والمحفوظ موقوف. اهـ قال شيخ الإسلام في "الفتاوى"(26/ 112): ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إحرام المرأة من وجهها" وإنما هذا قول بعض السلف. . اهـ
(4)
"الفروع"(3/ 364) وفيه: قال أحمد: وشد سير فيه. اهـ لكن في "الشرح الكبير"(8/ 235): وأنه عليه السلام نهى أن يشد المحرم رأسه بالسير! ولم أجد من خرجه.
له بنمرة، فأتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس (1). رواه مسلم.
وكذا لو غطى وجهه لم يحرم ولا فدية، لأنه لم يتعلق به سنة التقصير، فلم يتعلق به سنة التخمير.
قلت: ومثل حمله على رأسه شيئًا، كما لو وضع رأسه على نحو وسادة، فالظاهر أنه لا يحرم ولا فدية، ولم أقف على من صرح بذلك.
(و) الرابع: (لبسُه) أي الذكر (المخيط) في بدنه أو بعضه، وهو ما عُمل على قدر ملبوس، ولو درعًا منسوجًا، أو لبدًا (2) معقودًا، ونحوه (إلا سراويل لعدم إزار و) إلا (خفين لعدم نعلين) لحديث ابن عباس: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات يقول: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل"(3) متفق عليه، ولا فدية عليه، لظاهر الخبر.
ولا يعقد محرم عليه رداء ولا غيره ولا يخله (4) بنحو شوكة، ولا يزره في عروته، ولا يغرزه في إزاره، فإن فعل أثم، وفدى، لأنه كمخيط، ولقول ابن عمر لمحرم: ولا تعقد عليك شيئًا (5)، رواه الشافعي، والأثرم.
وقال الإمام أحمد في محرم حزم عمامته على وسطه: لا يعقد، ويدخل بعضها في بعض (6). إلا إزاره، فله عقده، لحاجته ليستر عورته، وإلا
(1) مسلم، في الحج (2/ 889).
(2)
اللبدُ: الصوف "القاموس"(ص 404) و"المعجم الوسيط"(2/ 812).
(3)
البخاري، في جزاء الصيد، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين، وباب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل (2/ 215، 216) ومسلم، في الحج (2/ 835).
(4)
في "شرح المنتهى"(2/ 23): ولا يُخلِّله.
(5)
ترتيب مسند الشافعي (1/ 311) عن مسلم بن جندب، قال: جاء رجل يسأل ابن عمر، وأنا معه، فقال: أخالف بين طرفي ثوبي من ورائي، ثم أعقده وأنا محرم، فقال عبد اللَّه بن عمر: لا تعقد.
(6)
"الفروع"(3/ 373).
مِنطقة (1)، أو همِيانًا (2) فيهما نفقته، لقول عائشة: أوثق عليك نفقتك (3). وروي معناه عن ابن عمر وابن عباس (4)، فله عقدها، فإن ثبت هميان بغير عقد، بأن أدخل السيور بعضها في بعض، لم يعقده، لعدم الحاجة.
ويتقلد محرم بسيف لحاجة، لقصة صلح الحديبية، رواها البخاري (5)، ولا يجوز بلا حاجة، نصًّا (6)، ويحمل محرم جرابه وقربة الماء في عنقه، لا في صدره، نصًّا (7)، فلا يدخل حبلها في صدره، وله أن يتزر بقميص، وأن يلتحف به، وأن يرتدي به. وإن طرح على كتفه قباء (8)، ولو لم يدخل يديه في كمه، فدى، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن لبسه للمحرم (9). رواه البخاري، عن علي.
وإن غطى خُنثى مشكل وجهه ورأسه؛ فدى، أو غطى وجهه، ولبس
(1) المنطقة: كل ما شددت به وسطك فهو منطقة. "الكليات"(ص 803).
(2)
الهميان: بخفض الهاء، كيس يُجعل فيه النفقة ويشد على الوسط، وجمعه همايين. "المصباح المنير":(2/ 882).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة، في الحج، في الهميان للمحرم (4/ 50).
(4)
أخرج أثريهما ابن أبي شيبة، في الحج، في الهميان للمحرم (4/ 50، 51).
(5)
البخاري، في الصلح، باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان. . . وباب الصلح مع المشركين (3/ 167، 168) وفي الشروط باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب (3/ 178). وأخرجه أيضًا مسلم (2/ 1409، 1410).
(6)
"الفروع"(3/ 374).
(7)
المصدر السابق.
(8)
القباءُ: من الثياب ثوب ضيق من ثياب العجم، "القاموس"(ص 1705) و"الدر النقي"(2/ 403).
(9)
لم أقف عليه في البخاري، وفي شرح الزركشي (3/ 119) وقد روى النجاد بإسناده، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه قال: من اضطر إلى لبس قباء، وهو محرم، ولم يكن له غيره، فلينكس القباء، وليلبسه. وروى ابن المنذر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الأقبية. وأثر علي رواه ابن أبي شيبة (4/ 119).
مخيطًا، فدى، لا إن لبسه، ولم يغط وجهه، أو غطى وجهه وجسده بلا لبس مخيط للشك.
(و) الخامس من محظورات الإحرام: (الطيب) إجماعًا (1)، لقوله صلى الله عليه وسلم:"ولا ثوبًا مسه ورس ولا زعفران"(2)، وأمْره يعلى بن أمية بغسل الطيب (3)، وقوله في المحرم الذي وقصته ناقته:"لا تحنطوه"(4) متفق عليه، ولمسلم:"لا تمسوه بطيب"(5).
فمتى طيَّب محرم ثوبه، أو بدنه، أو شيئًا منهما، حرم، وفدى، وكذا إن استعمله في أكل، أو شرب، أو ادِّهان، أو اكتحال، أو استعاط، أو احتقان، أو قصد شم دهن مطيب، أو مسك، أو كافور، أو عنبر، أو زعفران، أو ورس، أو عود، أو ما ينبته آدمي لطيب، ويتخذ منه كورد، وبنفسج، وياسمين، ونحوه، لا إن شم شيئًا من ذلك بلا قصد، أو مس ما لا يعلق به، كقطع عنبر، وكافور، لأنه غير مستعمل للطيب، أو شم ولو قصدًا فواكه من نحو تفاح، أو أترج، أو نبات صحراء، كشيحٍ ونحوه، وما ينبته آدمي لا لطيب، كحناء، وعصفر، وقرنفل، ودارصيني (6).
(1)"الإجماع"(ص 62).
(2)
البخاري، في العلم، باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله (1/ 42) وفي الحج، باب ما لا يلبس المحرم من الثياب (2/ 145) وفي مواضع أخرى. ومسلم، في الحج (2/ 834، 835) عن ابن عمر.
(3)
البخاري، في العمرة، باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج (2/ 202) ومسلم، في الحج (2/ 836، 838) عن يعلى بن أمية، وليس هو الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الطيب، بل رجل آخر.
(4)
تقدم تخريجه (ص 542).
(5)
صحيح مسلم، في الحج (2/ 866).
(6)
الدارصيني: فارسي معرب "دارجين" وهو معروف بالقرفة ومعنى: دارصيني: دار بمعنى شجرة. وجين بمعنى الصين. وباللهجة العامية في نجد: دارسين. شجر هندي يكون =
(و) السادس: (قتل صيد البر) إجماعًا (1)، لقوله تعالى:{لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (2)، أو اصطياده، وإن لم يقتله، لقوله تعالى:{وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} (3)، وهو الوحشي المأكول، والمتولّد منه ومن غيره، وغير المأكول، كسبع، تغليبًا للتحريم، والاعتبار في كونه وحشيًّا أو أهليًّا بأصله، كحمام، وبط، وهو الأوز، ولو استأنس، يحرم قتله، واصصياده، ويجب جزاؤه، وإن توحش أهلي من إبل وبقر ونحوها، لم يحرم أكله، ولا جزاء فيه. قال أحمد في بقرة صارت وحشية: لا شيء فيها (4)، لأن الأصل فيها الإنسية.
فمن أتلف شيئًا من صيد البر الوحشي المأكول، أو المتولد منه، ومن غيره، وهو محرم، أو أتلف بعضه بمباشرة، أو سبب، ولو بجناية دابة متصرف فيها، أو بإشارة لمريد صيده، أو دلالته إن لم يره، أو إعانته، حرم وفدى. وإن دلَّه، أو أشار إليه بعد رؤية صائدٍ له، أو ضحك، أو استشرف عند رؤية الصيد، ففطن له غيره، أو أعاره آلة لغير صيد، فاستعملها فيه، فلا إثم، ولا ضمان.
ولا تحرم دلالة محرم على طيب ولباس، لأنه لا ضمان فيهما بالسبب. وإن دل محرمٌ محرمًا على صيد فقتله، فالجزاء بينهما، لأنهما اشتركا في التحريم، فكذا في الجزاء. ولو دل حلال حلالًا على صيد بالحرم، فقتله،
= بتخوم الصين كالرمان لكنه سبط. وأوراقه كأوراق الجوز، إلا أنها أدق، ولا بزر له. والدارصيني قشر تلك الأغصان لا كل الشجر. .
ينظر: "قصد السبيل"(2/ 8) و"قاموس التداوي بالنبات"(ص 525).
(1)
"الإجماع"(ص 65).
(2)
سورة المائدة، الآية:95.
(3)
سورة المائدة، الآية:96.
(4)
"شرح منتهى الإرادات"(2/ 25).
فكدلالة محرم محرمًا، فالجزاء بينهما، نصًّا (1).
وحرم أكل المحرم من ذلك كله، وكذا ما ذُبح له، أو صِيد لأجله، نصًّا (2)، لحديث الصحيحين: أن الصعب بن جثَّامة أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حمارًا وحشيًّا، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قار:"إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم (3) "، وكذا ما أخذ من بيض الصيد، أو لبنه لأجله.
ويلزم المحرم بأكل ما صيد لأجله، الجزاء. وما حرم عليه لدلالته، أو إعانة عليه، أو صيد لأجله، لا يحرم على محرم غيره، كما لا يحرم على حلال، لما روى مالك، والشافعي: أن عثمان أتى بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا. فقالوا: ألا تأكل. فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد لأجلي (4).
وإن نقل محرم بيض صيد سليمًا ففسد، أو حلب صيدًا، ضمنه بقيمته مكانه (5)، نصًّا (6).
ومن قتل صيدًا صائلًا عليه دفعًا عن نفسه، وهو محرم، لم يحل، ولم يضمنه، ولا تأثير لحرم وإحرام في تحريم حيوان إنسي، كبهيمة الأنعام، ودجاج، لأنه ليس بصيد، ولا في محرم الأكل، ككلب، وخنزير، وذئب، ونحو ذلك.
ويحرم بإحرام قتل قمل وصيبانه من رأسه، أو بدنه، أو ثوبه، ولو
(1) المصدر السابق (2/ 26).
(2)
المصدر السابق (2/ 26).
(3)
البخاري، في جزاء الصيد، باب إذا أهدي للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يقبل (2/ 212)، ومسلم، في الحج (2/ 850).
(4)
مالك، في الموطأ، في الحج، باب ما لا يحل للمحرم أكله من الصيد (1/ 354) والشافعي، في مسنده (ترتيب مسنده 1/ 324).
(5)
أي الإتلاف. "شرح المنتهى"(2/ 26).
(6)
المصدر السابق.
برميه، لما فيه من الترفه بإزالته، أشبه قطع الشعر، ولا جزاء فيه، لأنه لا قيمة له، أشبه البراغيث، ولا يحرم قتل براغيث وقراد (1) ونحوهما، لأن ابن عمر قرد (2) بعيره بالسقيا (3) ورماه (4)، وهذا قول ابن عباس (5).
ويسن قتل كل مؤذٍ في الحل والحرم، غير الآدمي، لحديث عائشة: أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور" (6) متفق عليه. وفي معناها: كل مؤذٍ. وأما الآدمي، غير الحربي، فلا يحل قتله إلا بإحدى الثلاث، للخبر (7).
ويباح للمحرم وغيره -لا بالحرم- صيد ما يعيش في الماء كسمك (8)،
(1) قُراد: كغُراب. دُويَّبَّة متطفلة ذات أرجل كثيرة تعيش على الدواب والطيور، ومنها أجناس. الواحدة: قُرادة "المعجم الوسيط"(ص 2/ 724) ينظر: "القاموس المحيط"(ص 395).
(2)
قرَّد البعير: انتزع قُراده. "المعجم الوسيط"(2/ 724).
(3)
السقيا: قرية جامعة من عمل الفرع، بينهما مما يلي الجحفة: تسعة عثر ميلًا، "معجم البلدان"(3/ 228).
(4)
مالك، في الحج، باب ما يجوز للمحرم أن يفعله (1/ 357) وروى مالك -أيضًا- عن ابن عمر خلاف ذلك.
(5)
ابن أبي شيبة، الحج، في المحرم يُقرِّد بعيره هل عليه شيء (4/ 22).
(6)
البخاري، في جزاء الصيد، باب ما يقل المحرم من الدواب (2/ 212) ومسلم، في الحج (2/ 856، 857).
(7)
أخرج البخاري، في الديات، باب قول اللَّه تعالى: أن النفس بالنفس والعين بالعين (8/ 38) ومسلم، في القسامة (3/ 1302) عن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. وفي الباب عن عائشة وعثمان رضي الله عنهما. ينظر: جامع الأصول (10/ 213، 214).
(8)
قال ابن المنذر في "الإجماع"(ص 67): أجمعوا على أن صيد البحر للمحرم، مباح اصطياده، وأكله، وبيعه، وشراؤه.
ولو عاش في بر أيضًا كسلحفاة وسرطان لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} (1)، وأما البحريَ في الحرم، فيحرم صيده، لأن التحريم فيه للمكان، فلا فرق فيه بين صيد البر والبحر، وطير بري، لأنه يبيض ويفرخ في البر، فيحرم على محرم صيده، وفيه الجزاء، ويضمن جراد إذا أتلفه محرم بقيمته، لأنه غير مثلي.
ولمحرم احتاج إلى فعل محظور، فعله، ويفدي، لقوله تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} (2) الآية، وحديث كعب بن عجرة (3). وألحق بالحلق باقي المحظورات.
ومن ببدنه شيء لا يحب أن يطلع عليه أحد، لبس، وفدى، نصًّا (4)، وكذا لو اضطر إلى ذبح صيد، فله ذبحه، وأكله، وهو ميتة في حق غيره، فلا يباح، إلا لمن يباح له أكلها.
(و) السابع: (عقد نكاح)، فيحرم، ولا يصح من محرم، فلو تزوج محرم، أو زوَّج، أو كان وليًّا، أو وكيلًا فيه، لم يصح، نصًّا (5)، تعمَّده، أو لا، لحديث مسلم، عن عثمان مرفوعًا:"لا ينكحُ المحرم ولا يُنكح"(6). ولمالك، والشافعي: أن رجلًا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر نكاحه (7). وعن علي، وزيد معناه (8)، ورواه أبو بكر النيسابوري.
(1) سورة المائدة، الآية:96.
(2)
سورة البقرة، الآية:196.
(3)
حديث كعب بن عجرة تقدم (ص 541).
(4)
"شرح المنتهى"(2/ 29).
(5)
"الفروع"(3/ 381).
(6)
مسلم، النكاح (2/ 1030).
(7)
موطأ مالك، الحج، باب نكاح المحرم (1/ 349) وترتيب مسند الشافعي (1/ 316).
(8)
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحج، باب المحرم لا يَنكِح ولا يُنكَح (5/ 66) عن علي، وعن زيد بن ثابت رضي الله عنهما.
ولأن الإحرام يمنع الوطء، ودواعيه، فمنع عقد النكاح، كالعدة، إلا في حق النبي صلى الله عليه وسلم، فليس محظورًا، لحديث ابن عباس: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم (1). متفق عليه، وهذا الحديث له معارض (2)، فإن ثبت
(1) البخاري، في جزاء الصيد، باب تزوت المحرم (2/ 214) وفي مواضع أخرى، ومسلم، في النكاح (2/ 1031).
(2)
فقد روى مسلم في النكاح (2/ 1032) وأبو داود، كتاب المناسك، باب المحرم يتزوج (2/ 423) وأحمد (6/ 335) عن يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بن الحارث أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال. لفظ مسلم، ولفظ أبي داود وأحمد: ونحن حلالان بسرف. وأخرجه الترمذي، الحج، باب ما جاء في الرخصة في ذلك -أي زواج المحرم- (3/ 154) من حديث وهب بن جرير حدثنا أبي، قال: سمعت أبا فزارة يحدث عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال، وبنى بها حلالًا" وماتت بسرف، ودفنَّاها في الظلَّة التي بنى بها فيها. قال الترمذي: حديث غريب. . اهـ وقال ابن مفلح في "الفروع"(3/ 382): إسناده جيد. اهـ وقال القاضي عياض "إكمال المعلم بفوائد مسلم"(4/ 552) الذي صححه أهل الحديث تزوجها حلالًا، وهو قول كبراء الصحابة ورواياتهم، ولم يأت عن أحد منهم أنه تزوجها محرمًا إلا ابن عباس وحده، وبحديثه أخذ الكوفيون في جواز ذلك، وخالفهم سائر الفقهاء وأئمة الفتوى، فمنعوا ذلك وردوه إذا وقع.
وقد قال بعضهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعث مولاه أبا رافع بعقد نكاحها بمكة بوكالته، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ثم وافى النبي صلى الله عليه وسلم محرمًا، فبنى بها بسرف حلالًا، واشتهر نكاحه بمكة عند وصوله لها، وحلوله بها. اهـ
وقال ابن عبد البر: إن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال متواتر عن ميمونة وعن أبي رافع وعن سليمان بن يسار مولاها وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أختها. وهو قول سعيد بن المسيب وجمهور علماء المدينة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم ينكح ميمونة إلا وهو حلال قبل أن يحرم. . . إلخ. اهـ من "هداية السالك"(2/ 123) وينظر: "فتح البر"(8/ 334) وقال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، وما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم إلا حلالًا. . . اهـ من "المغني" (5/ 164) وينظر:"شرح مشكل الآثار" للطحاوي (14/ 506).
وأخرج الترمذي، في الحج، باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم (2/ 191) عن أبي رافع قال: تزوج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول فيما =
فهو من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
ولا فدية في عقد المحرم، لأنه عقد فاسد، للإحرام، كشراء الصيد، وسواء كان الإحرام صحيحًا، أو فاسدًا، والاعتبار بحالة العقد، فلو وكل حلالًا، صح عقده بعد حل موكله.
وتكره خطبة محرم، لحديث عثمان يرفعه:"لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب"(1) كما يكره له حضور نكاح بين حلالين، وشهادة فيه، ولا تكره رجعته لمطلقته الرجعية، لأنها إمساك، ولا شراء أمة للوطء، لأن الشراء واقع على عينها، وهي تراد للوطء، وغيره.
(و) الثامن: (جماع) وهو تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي، قُبلًا كان أو دبرًا، من آدمي أو غيره، لقوله تعالى:{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ} (2)، قال ابن عباس: هو الجماع، لقوله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} (3) وهو يفسد النسك قبل التحلل الأول، حكاه ابن المنذر إجماعًا (4)، ولو بعد وقوف، نصًّا (5)، لأن بعض الصحابة قضوا بفساد الحج، ولم يستفصلوا، وحديث:"من وقف بعرفة فقد تم حجه"(6)
= بينهما. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. اهـ وقال ابن مفلح "الفروع"(3/ 383): إسناده جيد. اهـ
(1)
تقدم تخريجه (ص 549).
(2)
سورة البقرة، الآية:197.
(3)
سورة البقرة، الآية:187.
وأثر ابن عباس ذكره في "الدر المنثور"(1/ 527، 528) ونسبه إلى الطبراني.
(4)
"الإجماع"(ص 63).
(5)
"شرح المنتهى"(2/ 3).
(6)
جزء من حديث عروة بن مضرس الطائي، أخرجه أبو داود، في الحج، باب من لم يدرك عرفة (2/ 486) والترمذي، في الحج، باب ما جاء من أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (229، 230)، والنسائي، في الحج، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة =
أي قاربه، وأمن فواته.
ولا فرق بين عامد وجاهل، وناس وعالم، ومكره وغيره، وعلى الواطئ والموطوءة المضي في فاسده، ولا يخرج منه بالوطء، روي عن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وابن عباس (1)، وحكمه كالإحرام الصحيح، لقوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (2)، وروي مرفوعًا أمر المجامع بذلك (3)، فيفعل بعد الإفساد كما كان يفعله قبله، من وقوف، وغيره، ويجتنب ما يجتنبه قبله، ويفدي لمحظور فعله بعده.
ويقضي من فسد نسكه بالوطء، كبيرًا كان أو صغيرًا، فرضًا كان الذي أفسده أو نفلًا، لقول ابن عمر: فإذا أدركت قابلًا حج واهد (4). وعن ابن عباس مثله (5) رواه الدارقطني، والأثرم. إن كان المفسد نسكه مكلفًا، لأنه لا عذر له في التأخير، وإلا فيقضي بعد حجة الإسلام فورًا، لزوال عذره.
ويحرم من أفسد نسكه في القضاء من حيث أحرم أولًا، إن كان إحرامه
= (5/ 263)، وابن ماجه في الحج، باب من أتى عرفة قبل الفجر (2/ 1004) قال الترمذي: حسن صحيح. اهـ
(1)
هذه الآثار في: الموطأ، الحج، باب هدي المحرم إذا أصاب أهله (1/ 381، 382)، وابن أبي شيبة -الجزء المفقود- كتاب الحج، في الرجل يواقع أهله وهو محرم (ص 136، 137)، والبيهقي، كتاب الحج، باب ما يفسد الحج (5/ 167).
(2)
سورة البقرة، الآية:196.
(3)
أخرجه البيهقي، كتاب الحج، باب ما يفسد الحج (5/ 167) عن يزيد بن نعيم أو زيد بن نعيم. . . وقال: منقطع.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة، في الحج، في الرجل يواقع أهله وهو محرم -الجزء المفقود- (ص 137)، والبيهقي، كتاب الحج، باب ما يفسد الحج (5/ 167) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
(5)
لم أقف عليه في "سنن الدارقطني" ورواه البيهقي، كتاب الحج، باب ما يفسد الحج (5/ 167)، والبغوي في "شرح السنة" في الحج، باب المحرم يأتي امرأته (7/ 281).
به قبل ميقات، لأن القضاء يحكي الأداء، وإلا فمنه.
ومن أفسد القضاء قضى الواجب الذي أفسده أولًا فقط، ونفقة قضاء نسك مطاوعة عليها، ومكرهة على مكره، ولو طلقها، لإفساده نسكها.
وسن تفرق واطئ وموطوءة في قضاء من موضع وطء، فلا يركب معها في محمل، ولا ينزل معها في فسطاط، أو نحوه، إلى أن يحلا من إحرام القضاء، لحديث ابن وهب بإسناده عن سعيدبت المسيب، أن رجلًا جامع امرأته وهما محرمان، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما:"أتما حجكما ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى من قابل، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما، فأحرما، وتفرقا ولا يؤاكل أحد منكما صاحبه، ثم أتما مناسككما، واهديا"(1) وروى سعيد، والأثرم، عن عمر، وابن عباس نحوه (2).
والوطء بعد التحلل الأول لا يفسد نسكه، لقول ابن عباس في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزورًا بينهما، وليس عليه حج من قابل (3)، رواه مالك، ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
وعلى الواطئ بعد تحلل أول شاة لفساد إحرامه، وعليه المضي إلى الحل، فيحرم منه، ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، ليطوف للزيارة محرمًا، لأن الحج لا يتم إلا به، لأنه ركن، ثم يسعى إن لم يكن سعى قبلُ
(1) أخرج البيهقي (5/ 167) عن يزيد بن نعيم أو زيد بن نعيم. . . أن رجلًا من جذام جامع امرأته وهما محرمان. . . الحديث بنحوه. وقال: منقطع. اهـ وأخرجه مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب هدي المحرم إذا أصاب أهله (1/ 382) بنحوه من قول سعيد بن المسيب.
(2)
وأخرجه -أيضًا- ابن أبي شيبة -الجزء المفقود- (ص 136)، والبيهقي (5/ 167).
(3)
الموطأ، كتاب الحج، باب من أصاب أهله قبل أن يفيض (1/ 384) بلفظ أنه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يفيض، فأمره أن ينحر بدنة.
وقد أخرج ابن أبي شيبة، الحج، في الرجل يقع على امرأته قبل أن يزور البيت -الجزء المفقود- (ص 414) عن ابن عباس. إذا وقع قبل أن يزور فعليه الحج من قابل.
وتحلل. وعمرة وطئ فيها كحج فيما سبق تفصيله، فيفسدها وطء قبل تمام سعي، لا بعده وقبل حلق، وعليه بوطئه في عمرة شاة، لنقص حرمة إحرامها عن الحج، لنقص أركانها، ودخولها فيه إذا جامعته، سواء وطئ قبل تمام السعي، أو بعده قبل حلق، ولا فدية على مكرهة في وطء في حج أو عمرة لحديث:"وعما استكرهوا عليه"(1)، ومثلها النائمة، ولا يلزم الواطئ أن يفدي عنهما.
(و) التاسع: (مباشرة) الرجل للمرأة (فيما دون فرج) لشهوة، لأنها تنافي الإحرام، ولا تفسد المباشرة النسك، ولو أنزل، لأنه لا نص فيه ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الواطئ في الفرج، لأن نوعه يوجب الحد، ويأتي تفصيل ما يجب فيها.
(فـ) يجب (في أقل من ثلاث شعرات وثلاثة أظفار في كل واحد فأقل) كبعضه (طعام مسكين) ففي شعرة، أو بعضها طعام مسكين، وفي شعرتين، طعام مسكينين، وفي ظفر أو ظفرين أو بعض ظفر كذلك (وفي الثلاث) من الشعر (فأكثر) أو الثلاثة من الأظفار فأكثر (دم) أي فدية شاة ويأتي بيانها.
(وفي تغطية الرأس بلاصق) أولى (ولُبس مخيط، وتطيب في بدن، أو ثوب، أو شمِّ) طيب (أو دَهن) بمطيب (الفدية) ويأتي تفصيلها.
(وإن قتل محرم صيدًا مأكولًا) لا يحرم الأكل (بريًّا أصلًا) أي وحشيًّا، لا إنسيًّا، ولو توحش كما تقدم (2)، فعليه -أي القاتل- (جزاؤه) أي
(1) ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي (1/ 659) عن ابن عباس "إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، : ما استكرهوا عليه".
قال النووي في "الأربعين": حديث حسن. اهـ
ينظر: "جامع العلوم والحكم"(2/ 361) وقال ابن مفلح في "الفروع"(3/ 460): إسناده جيد. وقال عبد الحق الإشبيلي: ومما رويته بالإسناد الصحيح المتصل إلى ابن عباس. . . إلخ. اهـ
(2)
(ص 546).
الصيد، لقوله تعالى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} (1).
(والجماع قبل التحلل الأول في حج، وقبل فراغ سعي في عمرة مفسد لنسكهما) أي الحاج والمعتمر، كما تقدم (مطلقًا) أي سواء كانا عامدين، أو ساهيين، أو مكرهين، أو جاهلين، لأن من تقدم من الصحابة قضوا بفساد النسك، ولم يستفصلوا.
(وفيه) أي الجماع قبل التحلل الأول (لحجٍّ بدنة) لقول ابن عباس: اهد ناقة، ولتهد ناقة (2). سواء كان قارنًا، أو مفردًا، فإن لم يجدها صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، أي فرغ من عمل الحج، كدم المتعة، (و) فيه العمرة) قبل فراغ سعيها (شاة) وحكمها حكم فدية الأذى، لنقص العمرة عن الحج (ويمضيان) أي الحاج والمعتمر (في فاسده) أي: النسك (ويقضيانه مطلقًا إن كانا مكلفكين فورًا) لأنهما لا عذر لهما في التأخير (وإلا) يكونا مكلفين فـ (بعد التكليف و) بعد (حجة الإسلام) يقضيان (فورًا) لزوال عذرهما، كما تقدم (3).
(ولا يفسُدُ النسك بمباشرة) دون فرج (ويجب بها بدنة إن أنزل) نقله الجماعة (4)، لأنها مباشرة اقترن بها الإنزال، فأوجبتها، كالجماع في الفرج، ولم يفسد نسكه، لعدم الدليل، فإن كرر النظر فأمنى، أو قبَّل فأمنى، أو لمس لشهوة فأمنى، أو استمنى فأمنى، فعليه بدنة قياسًا على الوطء (وإلا) ينزل، وإن أمذى بذلك، أو أمنى بنظرة واحدة، فعليه (شاة) وحكمها حكم فدية الأذى.
ولا يفسد النسك (بوطء في حج بعد التحلل الأول وقبل) التحلل
(1) سورة المائدة، الآية:95.
(2)
ابن أبي شيبة، الحج، كم عليهما هديًا واحدًا أو اثنين (ص 138).
(3)
(ص 505).
(4)
"الفروع"(3/ 400).
(الثاني لكن يفسُد) به (الإحرام فيحرم من الحل) التنعيم، أو غيره، ليجمع بين الحل والحرم (ليطوف للزيارة في إحرام صحيح، ويسعى إن لم يكن سعى) وتحلل، لأن الذي بقي عليه بقية أفعال الحج، وليس هذا عمرة حقيقة، والإحرام إنما وجب ليأتي بما بقي من الحج (وعليه شاة) لعدم إفساده الحج، كوطء دون الفرج بلا إنزال، ولخفة الجناية فيه.
والقارن كالمفرد، لأن الترتيب للحج لا للعمرة، بدليل تأخير الحلق إلى يوم النحر.
(وإحرام امرأة كـ) إحرام (رجل) فيما يحل ويحرم، فيحرم عليها إزالة شعر، وظفر، وطيب، وقتل صيد، وغيره، مما تقدم، إلا فيما استثناه بقوله:(إلا في لُبس مخيط) فيحرم على الرجل، ولا يحرم عليها، وكذا تظليل محمل، لأنها عورة إلا وجهها (وتجتنب البرقع والقفازين)، لحديث:"ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين"(1) رواه البخاري، وغيره، وتجتنب (تغطية الوجه) لحديث:"ولا تنتقب المرأة". فتسدل أي تضع الثوب فوق رأسها، وترخيه على وجهها، للحاجة، كمرور أجانب قريبًا منها، لحديث عائشة: كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا (2). رواه أبو داود، والأثرم. قال أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل. قال الموفق: كأن الإمام يقصد أن النقاب من أسفل وجهها (3)، ولا يضر مس المسدول بشرة وجهها.
وتحرم تغطية وجه المحرمة (فإن غطته بلا عذر فدت) ويباح لها من
(1) البخاري، في جزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة (2/ 214).
(2)
أبو داود، في المناسك، باب في المحرمة تغطي وجهها (2/ 416) ابن ماجه، في المناسك، باب المحرمة تسدل الثوب على وجهها (2/ 979).
(3)
"المغني"(5/ 155).
حلي: خلخال، وسوار، ونحوه، لحديث ابن عمر أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب. وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي (1).
ويسن لها خضاب بحناء عند إحرام، لحديث ابن عمر "من السنة أن تدلك المرأة يدها في حناء"(2)، ولأنه من الزينة، فاستحب لها، كالطيب، وكره بعده، ما دامت محرمة، لأنه من الزينة، أشبه الكحل بالإثمد، ولا يكره الاكتحال بالإثمد لغير الزينة كوجع عين لرجل وامرأة، ولهما لبس معصفر. وكحلي، وكل مصبوغ بغير ورس وزعفران، لأن الأصل الإباحة، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، ولهما قطع رائحة كريهة بغير طيب، ولهما اتجار، وعمل صنعة، ما لم يشغلا عن واجب، أو مستحب، لقول ابن عباس: كانت عكاظ، ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (3) في مواسم الحج (4) رواه البخاري، ولهما نظر في مرآة لحاجة، وتكره لزينة.
ولا يصلح المحرم شعثًا، ولا ينفض عنه غبارًا، لحديث أبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمر مرفوعًا "إن اللَّه تعالى يباهي الملائكة بأهل عرفة، انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا"(5) رواه أحمد.
(1) أبو داود، كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم (2/ 412) وفيه: أو سراويل أو قميصًا أو خفًا.
(2)
الدارقطني، الحج (2/ 272).
(3)
سورة البقرة، الآية:198.
(4)
البخاري، في البيوع، باب الأسواق التي كانت في الجاهلية (3/ 15) ومواضع أخرى.
(5)
مسند أحمد (2/ 224) عن عبد اللَّه بن عمرو، (2/ 305) عن أبي هريرة. قال الحاكم في "المستدرك" 1/ 465): صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
وللرجل المحرم لبس خاتم مباح من فضة أو عقيق، روى الدارقطني عن ابن عباس: لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم (1)، وفي رواية: رخص للمحرم في الهميان والخاتم. وله -أيضًا- ختان، وبط جرح (2)، وقطع عضو عند حاجة، وحجامة.
ويجتنب المحرم والمحرمة الرفث، وهو الجماع، كما تقدم (3)، والفسوق، أي: السباب، وقيل: المعاصي. والجدال، وهو: المراء، روي عن ابن عمر (4)، قال ابن عباس: هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه (5).
وسن قلة كلامهما إلا فيما ينفع، لحديث أبي هريرة مرفوعًا:"من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"(6) متفق عليه، وعنه مرفوعًا:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"(7) رواه الترمذي، وغيره وقال: حديث حسن.
(1) سنن الدارقطني، كتاب الحج (2/ 233).
(2)
بَطَّ القَرْحة: شقّها. "مختار الصحاح"(1/ 56).
(3)
(ص 553).
(4)
الطبراني في "الأوسط"(2/ 143) -مجمع البحري (6/ 10) - قال الهيثمي في "المجمع"(6/ 317): وفيه يحيى بن السكن، وهو ضعيف. اهـ
(5)
البيهقي، كتاب الحج، باب لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج (5/ 67).
(6)
البخاري، في الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه (7/ 104) ومسلم، في الإيمان (1/ 68).
(7)
الترمذي، في الزهد، بابٌ (4/ 558)، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة (2/ 1315)، والذي في المطبوع من "سنن الترمذي": هذا حديث غريب. . اهـ قال ابن مفلح في "الفروع"(3/ 445): حديث حسن، رواه الترمذي وغيره. اهـ