الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك
(يسن لمُحِلٍّ بمكة) وبقربها، ولمتمتع حل من عمرته (الإحرام بالحج يوم التروية) وهو ثامن من ذي الحجة، لحديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج (1)، وسمي الثامن بذلك لأنهم كانوا يتروون فيه الماء، لما بعده، أو لأن إبراهيم أصبح يتروى فيه في أمر الرؤيا. إلا من متمتع لم يجد هديًا، وأراد الصيام، فيستحب له أن يحرم في السابع، ليصوم ثلاثة أيام في إحرام الحج.
ويسن لمن أحرم من مكة، أو من قربها، أن يكون إحرامه بعد فعل ما يفعله في إحرامه من الميقات، من الغسل، والتنظيف، ونحو ذلك، وبعد طواف، وصلاة ركعتين، ولا يطوف بعده لوداعه، لعدم دخول وقته، والأفضل أن يحرم من المسجد من تحت الميزاب، ويجوز إحرامه من خارج الحرم، ولا دم عليه، نصًّا (2).
(و) يسن (المبيت بمنى) فيخرج إليها قبل الزوال، ندبًا، ويصلي بها الظهر مع الإمام، ويقيم بها إلى الفجر من يوم عرفة، ويصلي مع الإمام، لحديث جابر: وركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس (3)(فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة)، فأقام بنمرة (4) إلى الزوال، فيخطب بها
(1) مسلم (2/ 889) وتقدم.
(2)
"شرح المنتهى"(2/ 57).
(3)
مسلم (2/ 889).
(4)
ناحية بعرفة، نزل بها النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: نمرة الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمينك إذا خرجت من المأزمين، تريد الموقف. اهـ "معجم البلدان"(5/ 304، 305).
الإمام أو نائبه خطبة قصيرة، مفتتخة بالتكبير، يعلمهم فيها الوقوف، ووقته، والدفع منه، والمبيت بمزدلفة، لحديث جابر: حتى إذا جاء عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس، أمر بالقصواء فَرُحِلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس (1).
(وكلها) أي عرفة (موقف إلا بطن عُرَنَة)(2)، لحديث:"كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة"(3) رواه ابن ماجه. فلا يجزئ وقوفه فيه، لأنه ليس من عرفة كمزدلفة، وحَدُّ عرفة. من الجبل المشرف على عُرَنَة، إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي حوائط بني عامر.
ويسن وقوفه بعرفة راكبًا، كفعله صلى الله عليه وسلم، بخلاف سائر المناسك (ويجمع فيها) أي في عرفة من يباح له الجمع (بين الظهر والعصر تقديمًا) حتى المنفرد، نصًّا (4).
وسن وقوفه -أيضًا- مستقبلًا القبلة، عند الصخرات، وجبل الرحمة واسمه إلال -على وزن هلال- ويقال له: جبل الدعاء (5)، لقول جابر عنه صلى الله عليه وسلم: جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة (6) ما بين يديه واستقبل القبلة (7).
(1) مسلم (2/ 889).
(2)
عُرنة: بضم العين وفتح الراء والنون، قال البكري: بطن عرنة: الوادي الذي يقال له مسجد عُرنة. ولا يجزئ الوقوف بعرنة. انظر: "المطلع"(ص 196) و"الإفصاح"(1/ 271).
(3)
ابن ماجه، المناسك باب الموقف بعرفات (2/ 1002) عن جابر.
(4)
"الإنصاف"(9/ 157).
(5)
قال ابن جماعة الكناني في "هداية السالك"(3/ 1008): ليس لذلك أصل. اهـ
(6)
حبل المشاة: طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. ينظر: "هداية السالك"(3/ 1007).
(7)
صحيح مسلم (2/ 890).
ولا يُشرع صعود جبل الرحمة. قال شيخ الإسلام إجماعًا (1). فيرفع يديه، ويكثر الدعاء، والاستغفار، والتفرع، ويلح في الدعاء، ولا يستبطئ الاستجابة، ويكرر كل دعاء ثلاثًا، ويكثر من قول: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسِّر لي أمري. لحديث:"أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له"(2). رواه مالك في "الموطأ".
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير (3). رواه الترمذي.
(ووقت الوقوف) بعرفة (من فجر) يوم (عرفة إلى فجر) يوم (النحر) لقول جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع. قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذلك؟ قال: نعم (4). فمن حصل في هذا الوقت بعرفة لحظة وهو أهل للحج، ولو مارًّا، أو نائمًا، أو جاهلًا أنها
(1)"الاختيارات"(ص 175).
(2)
الموطأ، في القرآن، باب ما جاء في الدعاء (1/ 214، 215) وفي الحج، باب جامع الحج (1/ 422) عن طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز مرسلًا.
(3)
الترمذي، الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة (5/ 572) ولفظه: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ورواه أحمد (2/ 210) باللفظ الذي ذكره المؤلف.
قال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه.
(4)
لم أقف عليه عن جابر. وروى البيهقي، كتاب الحج، باب إدراك الحد بإدراك عرفة (5/ 174) عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح قال: لا يفوت الحج حتى ينفجر الفجر من ليلة جمع. قلت لعطاء: أبلغك ذلك عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قال عطاء: نعم.
عرفة، صح حجه، للخبر (1)، وكما لو علم بها، وعكسه إحرام وطواف وسعي، فلا يصير من حصل بالميقات محرمًا بلا نية، لأن الإحرام هو النية، كما سبق، وكذا الطواف والسعي، لا يصحان بلا نية، وتقدم.
ومن وقف بها نهارًا، ودفع قبل الغروب، ولم يعد بعده، فعليه دم، لتركه واجبًا، بخلاف واقف ليلًا فقط، فلا دم عليه، لحديث:"من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج"(2).
(ثم يدفع) من عرفة (بعد الغروب) مع الأمير على طريق المأزمين (3)،
(1) وهو حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة، فجاء ناس أو نفر من أهل نجد، فأمروا رجلًا، فنادى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: كيف الحج؟ فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجلًا فنادى: "الحج عرفة، من جاء قبل الصبح من ليلة جمع فتمَّ حجه".
وحديث عروة بن مضرِّس. وفيه: "من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه، وقضى تفثه". أخرجهما أبو داود، كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة (2/ 485، 487) والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (3/ 228، 229) والنسائي، الحج، فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بمزدلفة (5/ 263، 265) وابن ماجه، كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل ليلة جمع (2/ 1003، 1004) وقد ذكر الترمذي عن وكيع أنه قال في حديث عبد الرحمن بن يعمر: هذا الحديث أم المناسك. اهـ وقال الترمذي عن حديث عروة: حسن صحيح. اهـ وقال الحاكم في "المستدرك"(1/ 463) عنه: صحيح عند كافة أئمة الحديث. ينظر: "الخلاصة"(2/ 17).
(2)
تقدم قبل قليل لفظ حديث عبد الرحمن بن يعمر، وفيه:"الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر، فقد أدرك الحج" هذا لفظ الترمذي. أخرج الطبراني في "الكبير"(11/ 202) عن ابن عباس مرفوعًا: من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج. وفي رواية أخرجها أبو نعيم في الحلية (5/ 116)"من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك الحج".
(3)
المأزِمان، مضيق بين جمع وعرفة، وآخر بين مكة ومنى. "القاموس المحيط":(ص 1390).
لأنه عليه السلام سلكه (إلى مزدلفة)(1) وتسمى جمعًا لاجتماع الناس فيها، وهي ما بين المأزمين -بالهمزة وكسر الزاي- وهما جبلان بين عرفة ومزدلفة ووادي محسِّر -بالحاء المهملة والسين المهملة المشددة- واد بين مزدلفة ومنى، سمي بذلك لأنه يحسر سالكه (2) (بسكينة) لقول جابر: ودفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد شنق القصواء بالزمام، حتى أن [رأسها](3) ليصيب مورك رحله (4)، ويقول بيده اليمنى:"أيها الناس السكينة السكينة"(5).
ويستغفر لأنه لائق بالحال، يسرع في الفرجة، لحديث أسامة: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يسير العَنق، فإذا وجد فرجة نصَّ (6). أي: أسرع، لأن العنق انبساط السير. والنص فوق العنق (7).
(ويجمع فيها) أي: في مزدلفة إذا وصلها (بين العشائين) أي المغرب والعشاء (تأخيرًا) قبل حط رحله، لحديث أسامة بن زيد قال: دفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من عرفة، حتى إذا كان بالشعب، نزل، فبال، ثم توضأ، فقلت له: الصلاة يا رسول اللَّه. فقال: "الصلاة أمامك". فركب، فلما جاء مزدلفة، نزل، فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ
(1) أخرجه الإمام أحمد (2/ 131) عن ابن عمر.
(2)
قال في "المصباح المنير"(1/ 186): هو بين منى ومزدلفة، سمي بذلك، لأن فيه أبرهة كلَّ فيه وأعيا، فحسر أصحابه بفعله، وأوقعهم في الحسرات. اهـ ينظر:"تاج العروس"(11/ 15).
(3)
في الأصل: (رحلها) والمثبت صحيح مسلم (2/ 891) و"شرح المنتهى"(2/ 59).
(4)
في الأصل (رجله) والتصويب من المصادر السابقة في الحاشية قبلها.
(5)
صحيح مسلم (2/ 890) تقدم.
(6)
البخاري، في الحج، باب السير إذا دفع من عرفة (2/ 175) ومسلم، في الحج (2/ 936).
(7)
"الزاهر"(ص 273) و"القاموس"(ص 1178) و"المصباح المنير"(2/ 592) و (2/ 835).
كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى العشاء، ولم يصل بينهما (1). متفق عليه.
وإن صلى المغرب بالطريق، ترك السنة، للخبر (2)، وأجزأه، لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما، جاز التفريق بينهما، كالظهر والعصر بعرفة، وفعله صلى الله عليه وسلم محمول على الأفضل، ومن فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة أو بمزدلفة، جمَعَ وحده، لفعل ابن عمر (3).
(ويبيت بها) -أي بمزدلفة- وجوبًا، لأنه صلى الله عليه وسلم بات بها (4)، وقال:"لتأخذوا عني مناسككم" وله الدفع من مزدلفة قبل الإمام بعد نصف الليل، لحديث ابن عباس: كنت في من قَدَّم النبي صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله، من مزدلفة إلى منى (5). متفق عليه. وعن عائشة، قالت: أرسل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة، قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت (6). رواه أبو داود.
ومن دفع من مزدلفة إلى منى قبل نصف الليل غير سقاة زمزم ورعاة، فعليه دم، علم الحكم أو جهله، نسيه أو ذكره، لأنه ترك واجبًا، والنسيان إنما يؤثر في جعل الموجود كالمعدوم، لا في جعل المعدوم كالموجود، وأما السقاة والرعاة فلا دم عليهم، لأنه صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة في ترك البيتوتة، في
(1) البخاري في الوضوء باب إسباغ الوضوء (1/ 44) وفي الحج، باب النزول بين عرفة وجمع وباب الجمع بين الصلاتين بمزدلفة (2/ 176، 177) ومسلم، في الحج (2/ 931).
(2)
المتقدم عن أسامة.
(3)
ابن أبي شيبة (الجزء المفقود ص 276) عن ابن عمر أنه كان إذا فاتته الصلاة بعرفة جمع بين الظهر والعصر في رحله.
(4)
في حديث جابر عند مسلم (2/ 891) ثم اضطجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر.
(5)
البخاري، في الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل. . . (2/ 170) ومسلم، في الحج (2/ 941).
(6)
أبو داود، المناسك، باب التعجيل من جمع (2/ 481).
حديث عدي (1)(2)، ورخص للعباس في ترك البيتوتة، لأجل سقايته (3)، وللمشقة عليهم بالمبيت.
فإن عاد إليها قبل الفجر، مَنْ دفع منها قبل نصف الليل، فلا دم عليه، كمن لم يأتها إلا في نصف الليل الثاني، ومن أصبح بها، صلى الصبح بغلس، لحديث جابر يرفعه: صلى الصبح بها حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة (4). وليتسع وقت وقوفه بالمشعر الحرام.
(فإذا صلى الصبح، أتى المشعر الحرام) سمي به، لأنه من علامات الحج، واسمه في الأصل قُزَح، وهو جبل صغير بمزدلفة (5)(فرقاه) إن سهل أ (ووقف عنده، وحمد اللَّه) تعالى (وكبَّر) وهلل، (وقرأ {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ. . .} الآيتين) إلى {غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)} (6)، (ويدعو) فيقول: اللهم كما أوقفتنا فيه، وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك، كما هديتنا، واغفر لنا، وارحمنا، كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد. يكرره (حتى يسفر) لحديث
(1) كذا في الأصل، و"شرح المنتهى" (2/ 60) والصحيح عاصم بن عدي. ينظر:"تهذيب الكمال"(13/ 507).
(2)
أبو داود، في المناسك، باب في رمي الجمار (2/ 498)، والترمذي، في الحج (3/ 280) والنسائي، في الحج، باب رمي الرماة (5/ 273) وابن ماجه، في المناسك، باب تأخير رمي الجمار من عذر (2/ 1010) عن عاصم بن عدي، قال: رخص رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(3)
البخاري، في الحج، باب سقاية الحاج، وباب هل يبيت أصحاب السقاية وغيرهم بمكة ليالي منى (2/ 167، 192) ومسلم، في الحج (2/ 953) عن ابن عمر، أن العباس بن عبد المطلب استأذن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له.
(4)
أخرجه مسلم (2/ 891) وتقدم.
(5)
"المصباح المنير"(2/ 429).
(6)
سورة البقرة، الآيتان: 198، 199.
جابر مرفوعًا: لم يزل واقفًا عند المشعر الحرام حتى أسفر جدًا (1).
(ثم يدفع إلى منى) قبل طلوع الشمس، قال عمر: كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، وأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خالفهم "فأفاض قبل أن تطلع الشمس"(2) رواه البخاري. ويسير بسكينة، لحديث ابن عباس:"إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة"(3). (فإذا بلغ محسِّرًا أسرع رمية حجر) إن كان ماشيًا، وإلا حرّك دابته، لقول جابر: حتى إذا أتى بطن محسر فحرك قليلًا (4)، وعن ابن عمر أنه لما أتى محسرًا أسرع، وقال:
إليك تعدو قلِقًا وضينها
…
مخالفًا دين النصارى دينها
معترضًا في بطنها جنينها (5).
(1) مسلم (2/ 891) تقدم.
(2)
البخاري، الحج، باب متى يدفع من جمع (2/ 179) وفي فضائل الصحابة باب أيام الجاهلية (4/ 235) دون قوله:"كيما نغير" فأخرجه ابن ماجه، في المناسك، باب الوقوف بجمع (2/ 1006).
(3)
أبو داود، في المناسك، باب الدفعة من عرفة (2/ 470، 471) وأخرج نحوه البخاري، في الحج، باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسكينة عند الإفاضة (2/ 176) ومسلم، في الحج (2/ 932).
(4)
مسلم (2/ 891).
(5)
أورد هذه الأبيات في "لسان العرب"(13/ 450) وقال: يروى أن ابن عمر أنشدها لما اندفع من جمع، ووردت في حديثه. أراد أنها قد هزلت ودقَّت للسير عليها. قال ابن الأثير: أخرجه الهروي، والزمخشري عن ابن عمر. وأخرج الطبراني في المعجم عن سالم عن أبيه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أفاض من عرفات، وهو يقول: إليك تعدو قلقًا وضينها. اهـ
وقد أخرج ابن أبي شيبة، في الحج، في الإبضاع في وادي محسِّر (3/ 80) عن ابن عمر: لما أتى وادي محسر ضرب راحلته. ولم يذكر الأبيات.
وأخرجه (3/ 81) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ذكر الأبيات، وصورتها:
إليك تعدو قلقًا وضينها
…
معترض في بطنها جنينها =
(وأخذ حصى الجمار سبعين) حصاة، كان ابن عمر يأخذه من جمع (1)، وفعله سعيد بن جبير، وقال: كانوا يتزودون الحصى من جمع. وذلك لئلا يشتغل عند قدومه منى بشيء قبل الرمي، وهو تحيتها. وتكون الحصاة (أكبر من الحمص ودون البندق) كحصى الخذف -بالخاء والذال المعجمتين- أي الرمي بنحو حصاة، أو نواة بين السبابتين، تخذف بها (2).
ومن حيث شاء أخذ حصى الجمار، لحديث ابن عباس قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم غداة العقبة: "القُط لي حصًى". فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل يقبضهن في كفه ويقول:"أمثال هؤلاء فارموا". ثم قال: "أيها الناس، إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين"(3) رواه ابن ماجه. وكان ذلك بمنى.
قال في "الشرح"(4): وكره أخذ الحصى من الحرم -يعني المسجد- لما تقدم من جواز أخذه من جمع ومنى وهما من الحرم. وكره تكسيره. ولا يسن غسله. قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله (5).
= مخالف دين النصارى دينها
وهي كذلك في "لسان العرب".
والمرفوع عن ابن عمر، أخرجه الطبراني في "الكبير"(12/ 308، 309) قال الطبراني عقبه: وهم عندي أبو الربيع السمان في رفع هذا الحديث، لأن المشهور في الرواية عن ابن عمر من عرفات، وهو يقول، ثم ذكر الرجز. اهـ وقال الهيثمي في "المجمع" (3/ 256): وفيه عاصم بن عبيد اللَّه، ضعيف. اهـ
(1)
رواه البيهقي، الحج، باب أخذ الحصى لرمي جمرة العقبة وكيفية ذلك (5/ 128).
(2)
"الشرح الكبير"(9/ 188).
(3)
"الزاهر"(ص 274).
(4)
لم أقف على هذه العبارة في "الشرح الكبير"، لكن في "الإنصاف" (9/ 188): ويكره من الحرم. اهـ
(5)
"الشرح الكبير"(9/ 190).
وتجزئ مع الكراهة حصاة نجسة، وتجزئ حصاة غير معهودة، كحصاة مرمر، وبرام (1)، ونحوهما، ولا تجزئ حصاة صغير جدًّا، أو كبيرة، لظاهر الخبر (2)، ولا ما رمي بها، لأخذه صلى الله عليه وسلم الحصى من غير المرمى، ولأنها استعملت في عبادة، فلا تستعمل فيها ثانيًا، كماء وضوء. ولا يجزئ بغير الحصى، كجوهر، وذهب، ونحوهما.
فإذا وصل منى، وهو ما بين وادي محسر وجمرة العقبة، بدأ بالرمي (فيرمي جرة العقبة وحدها بسبع) حصيات، واحدة بعد أخرى، فلو رمى أكثر من حصاة دفعة فلا يحسب إلا واحدة، لأنه عليه السلام رمى سبع رميات، وقال:"خذوا عني مناسككم"(3) ويؤدب، لئلا يقتدى به.
ويشترط علم الوصول بالمرمى، فلا يكفي ظنه، لأن الأصل بقاؤه بذمته، فلا يبرأ إلا بيقين، فلو رمى حصاة، فطارت بها الريح، أو نحو ذلك، قبل وقوعها بالمرمى لم يجزئه، وإن وقعت خارج المرمى، ثم تدحرجت فيه، أجزأ.
ووقت الرمي من نصف ليلة النحر لمن وقف قبله، لحديث عائشة ترفعه: أمر أم سلمة ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت (4). رواه أبو داود. وروي: أنه أمرها [أن](5) تعجل الإفاضة، وتوافي مكة مع صلاة الفجر (6)، احتج به أحمد. ولأنه وقت للدفع من مزدلفة، أشبه ما بعد الشمس، وندب بعد الشروق، لقول جابر: رأيت
(1) وبرام. لعلها: جمع برمة، وهي القدر من الحجر، فإذا تكسرت هل يرمى بحجرها؟ ينظر:"المصباح المنير"(1/ 63).
(2)
المتقدم عن ابن عباس.
(3)
في حديث جابر المتقدم 581.
(4)
تقدم تخريجه (ص 595).
(5)
ما بين المعقوفين من "سنن البيهقي" و"شرح منتهى الإرادات"(2/ 62) وليس بالأصل.
(6)
أخرجه البيهقي، الحج، باب من أجاز رميها بعد نصف الليل (5/ 133).
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده (1). رواه مسلم. وحديث أحمد، عن ابن عباس مرفوعًا:"لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"(2) محمول على وقت الفضيلة، فإن غربت شمس يوم النحر، ولم يرم جمرة العقبة، رماها من غده بعد الزوال، لقول ابن عمر: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس، فلا يرمي حتى تزول الشمس من الغد (3).
و(يرفع يمناه) عند الرمي (حتى يُرى بياض إبطه) لأنس معونة على الرمي. (و) يسن أن (يكبر مع كل حصاة) لحديث جابر (4)، وأن يقول مع كل حصاة: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، لما روى حنبل، عن زيد بن أسلم قال: رأيت سالم بن عبد اللَّه استبطن الوادي، ورمى الجمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر. ثم قال: اللهم اجعله. . إلخ فسألته عما صنع؟ فقال حدثني أبي، أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة من هذا المكان، ويقول كلما رمى مثل ذلك (5).
وندب أن يستبطن الوادي، وأن يستقبل القبلة، وأن يرمي على جانبه
(1) مسلم (2/ 945) ولفظه: رمى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس. وأخرجه البخاري، يا الحج، باب رمي الجمار (2/ 192) تعليقًا، وليس فيه لفظ:"وحده" بل ليس في شيء من السنن. ينظر: "حجة النبي صلى الله عليه وسلم كما رواها عنه جابر" للألباني (ص 79، 80)، وقد أخرج البيهقي (5/ 131) عنه بلفظ:"رمى جمرة العقبة أول يوم ضحى، وهي واحدة. . . "
(2)
مسند أحمد (1/ 234، 311، 343) وأخرجه -أيضًا- أبو داود، في المناسك، باب التعجيل من جمع (2/ 480) والنسائي، في الحج، باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس (5/ 272) وابن ماجه، في المناسك، باب من تقدم من جمع إلى منى (2/ 1007).
(3)
البيهقي، في الحج، باب من غربت له الشمس يوم النفر الأول بمنى (5/ 152).
(4)
مسلم (2/ 892).
(5)
البيهقي، في الحج، باب رمي الجمرة من بطن الوادي، (5/ 129) قال البيهقي عقبه: عبد اللَّه بن حكيم ضعيف. اهـ
الأيمن، لحديث عبد اللَّه بن يزيد: لما أتى عبد اللَّه جمرة العقبة، استبطن الوادي، واستقبل القبلة، وجعل يرمي الجوة على جانبه الأيمن، ثم رمى سبع حصيات، ثم قال: والذي لا إله غيره من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة (1). قال الترمذي: حديث صحيح.
ولا يقف عندها، لحديث ابن عمر، وابن عباس، مرفوعًا: كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف (2). رواه ابن ماجه. وللبخاري (3) من حديث ابن عمرو، لضيق المكان. وله رميها من فوقها، لفعل عمر لما رأى من الزحام عندها (4).
ويقطع التلبية بأول الرمي، لحديث الفضل بن عباس مرفوعًا: لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة (5). متفق عليه.
(ثم ينحر) هديًا إن كان معه، واجبًا كان، أو تطوعًا، لقول جابر: ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًّا، فنحر ما بقي، وأشركه في هديه (6). فإن لم يكن معه هدي، وعليه واجب، اشتراه، وإذا نحره، فرقه لمساكين الحرم، أو أطلقه لهم.
(ويحلق أو يقصِّر) لقوله تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} (7).
(1) الترمذي، الحج، باب ما جاء كف ترمي الجمار (3/ 236) وابن ماجه، في المناسك، باب من أين ترمى جمرة العقبة (2/ 1008) قال الترمذي: حسن صحيح. اهـ
(2)
ابن ماجه، المناسك، باب إذا رمى جمرة العقبة لم يقف عندها (2/ 1009).
(3)
البخاري، الحج، باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويسهل، وباب رفع اليدين عند جمرة الدنيا، وباب الدعاء عند الجمرتين (2/ 194).
(4)
لم أقف عليه.
(5)
البخاري، في الحج، باب التلبية والتكبير غداة النحر (2/ 179) ومسلم، في الحج (2/ 931، 932).
(6)
مسلم (2/ 892).
(7)
سورة الفتح، الآية:27.
وسن استقبال محلوق رأسه القبلة، كسائر المناسك، وبدأة بشقه الأيمن، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في شأنه كله (1)، وأن يبلغ بالحلق العظم الذي عند مقطع الصُّدغ من الوجه، لأن ابن عمر كان يقول للحالق: ابلغ العظمين، افصل الرأس من اللحية (2)، وكان عطاء يقول: من السنة إذا حلق أن يبلغ العظمين (3). قال جماعة: ويدعو (4). قال الموفق وغيره: ويكبر وقت الحلق، لأنه نسك (5)، وإن قصَّر، قصَّر (من جميع شعره) لا من كل شعرة بعينها، لأنه مشقة، ولا يكاد يعلم إلا بحلقه. ولا يجزئ حلق بعض الرأس، أو تقصيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق جميع رأسه، فكان تفسيرًا لمطلق الحلق، أو التقصير، فوجب الرجوع إليه، ومن لبَّد رأسه، أو ظفره، أو عقصه (6)، فكغيره.
(والمرأةُ) تقصر من شعرها كذلك (قدر أنملة) فأقل، لحديث ابن عباس مرفوعًا:"ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير"(7). رواه أبو داود، ولأن الحلق مُثْلة في حقهن. فتقصر من كل شعرها قدر أنملة. ونقل أبو داود: تجمع شعرها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من أطرافه قدر أنملة (8).
(1) البخاري، في الوضوء، باب التيمن في الوضوء والغسل (1/ 50) وفي مواضع أخرى، ومسلم، في الطهارة (1/ 226) من حديث عائشة.
(2)
ابن أبي شيبة، الحج، في الحلق أين هو؟ (ص 354) دون قوله: افصل الرأس من اللحية.
(3)
المصدر السابق.
(4)
"الفروع"(3/ 513).
(5)
"الفروع"(3/ 513) و"الإنصاف" مع الشرح الكبير (9/ 204، 205).
(6)
عقص شعره يعقصه: ضفره، وفتله. "القاموس"(ص 804).
(7)
أبو داود، المناسك، باب الحلق والتقصير (2/ 552)، قال ابن حجر في "تلخيص الحبير" (2/ 261): وإسناده حسن، وقواه أبو حاتم في العلل، والبخاري في التاريخ، وأعله ابن القطان، ورد عليه ابن المواق فأصاب. اهـ
(8)
"الشرح الكبير"(9/ 210).
وسن لمن حلق أو قصر أخذ ظفر وشارب ونحوه. قال ابن المنذر: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه، قلم أظفاره (1). وكان ابن عمر يأخذ من شاربه، وأظفاره (2).
وسن أن لا يشارط الحلاق على أجرة، لأنه دناءة.
وسن إمرار الموسى على من عدم الشعر. وإن نتف الشعر، أو أزاله بنورة، أجزأ، لكن السنة الحلق أو التقصير.
(ثم) بعد رمي وحلق أو تقصير (قد حل له كل شئ) قد حرم بالإحرام (إلا النساء) وطئًا ومباشرة، وقُبلة ولمسًا لشهوة، وعقد نكاح، لحديث عائشة مرفوعًا:"إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم الطيب، والثياب، وكل شيء إلا النساء"(3). رواه سعيد. وقالت عائشة: طيبت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت (4). متفق عليه.
والحلق والتقصير نسك، في تركهما دم، لأنه تعالى وصفهم بذلك، وامتن به عليهم، فدل على أنه من العبادة، ولأمره صلى الله عليه وسلم بقوله:"فليقصر، ثم ليحلل"(5)، ولو لم يكن نسكًا لم يتوقف الحل عليه، ولا دم عليه إن أخرهما
(1) أخرجه أحمد (4/ 42).
(2)
الشافعي (ترتيب مسنده 1/ 361).
(3)
وأخرجه -أيضًا- الإمام أحمد (6/ 143) وأخرجه أبو داود، في المناسك، باب في رمي الجمار (2/ 499) بلفظ:"إذا رمى أحدكم جمرة العقة فقد حل له كل شيء إلا النساء"، وقال: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم ير الزهري، ولم يسمع منه. اهـ وقال البيهقي (5/ 136): هو من تخليطات الحجاج بن أرطاة. اهـ
(4)
البخاري، في الحج، باب الطيب عند الإحرام، وباب الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة (2/ 145، 195) ومسلم، في الحج (2/ 846).
(5)
قطعة من حديث ابن عمر، أخرجه البخاري، في الحج، باب من ساق البدن معه (2/ 181) ومسلم، في الحج (2/ 901).
عن أيام منى، لقوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (1)، فبين أول وقته دون آخره، فمتى أتى به أجزأه، كالطواف، لكن لابد من نيته نسكًا.
وكذا إن قدَّم الحلق على الرمي، أو قدَّم الحلق على النحر، أو نحر قبل رميه، أو طاف للإفاضة قبل رميه جمرة العقبة، فلا شيء عليه، لحديث عطاء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: أفضت قبل أن أرمي. قال: "ارم ولا حرج"(2). وعنه مرفوعًا: "من قدم شيئًا قبل شيء فلا حرج". رواه سعيد (3). ولحديث ابن عمرو، قال رجل: يا رسول اللَّه، حلقت قبل أن أذبح. قال:"اذبح ولا حرج"، فقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي. قال: "ارم ولا حرج"(4). متفق عليه، وفي لفظ، قال: فجاء رجل فقال: يا رسول اللَّه، لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح. وذكر الحديث، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء، أو يجهل، من تقديم بعض الأمور على بعضها، وأشباهها، إلا قال:"افعلوا ولا حرج"(5) رواه مسلم.
ويحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: رمي، وحلق، وطواف إفاضة. فلو حلق وطاف، ثم وطئ ولم يرم، فعليه دم لوطئه، ودم لتركه الرمي، وحجه صحيح.
ويحصل التحلل الثاني بما بقي من الثلاثة، مع السعي من متمتع مطلقًا، ومفرد وقارن لم يسعيا مع طواف قدوم، لأنه ركن.
(1) سورة البقرة، الآية:196.
(2)
ذكره ابن قدامة في "المغني"(5/ 323) وعزاه إلى سعيد في "سننه".
(3)
ذكره ابن قدامة -أيضًا- في "المغني"(5/ 323) وعزاه إلى سعيد.
(4)
البخاري، في العلم، باب الفتيا وهو: اقف على الدابة وغيرها. وباب السؤال والفتيا عند رمي الجمار (1/ 29، 40) وفي الحج، باب الفتيا على الدابة (2/ 190) ومسلم، في الحج (2/ 948، 950).
(5)
مسلم، الحج (2/ 948).
ثم يخطب الإمام أو نائبه بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير، يعلمهم فيها النحر، والإفاضة، والرمي للجمرات كلها أيامه، لحديث ابن عباس مرفوعًا: خطب الناس يوم النحر (1). -يعني بمنى- أخرجه البخاري. وقال أبو أمامة: سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر (2). رواه أبو داود.
(ثم يُفيض إلى مكة فيطوف) مفرد وقارن لم يدخلا مكة قبل وقوفهما بعرفة طوافًا للقدوم، نصًّا (3)، برمل واضطباع، ثم للزيارة، وأما المتمتع الذي دخلها قبل فيطوف (طواف الزيارة) وهي الإفاضة، لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، ولما كان يزور البيت ولا يقيم بمكة بل رجع إلى منى سمي -أيضًا- طواف الزيارة (الذي هو ركن) لا يتم حج إلا به إجماعًا (4) لقوله تعالى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)} (5)، ولحديث عائشة في حيض صفية (6). متفق عليه.
وأول وقته من نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبل، وإلا فبعد الوقوف، وفعله يوم النحر أفضل، لحديث ابن عمر: أفاض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم النحر (7). متفق عليه، وإن أخره عن أيام منى جاز، لأنه لا آخر لوقته،
(1) البخاري، في الحج، باب الخطبة أيام منى (2/ 191).
(2)
أبو داود، المناسك، باب من قال: خطب يوم النحر (2/ 489).
(3)
"شرح منتهى الإرادات"(2/ 64).
(4)
نقل الإجماع على هذا ابن المنذر في "الإجماع"(ص 75).
(5)
سورة الحج، الآية:29.
(6)
البخاري، في الحج، باب الزيارة يوم النحر، وباب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت (2/ 189، 195) ومسلم، في الحج (2/ 964).
(7)
لم أقف عليه في صحيح البخاري مرفوعًا، وإنما هو موقوف عنده في الحج، باب الزيارة يوم النحر (2/ 189) ولفظه: أنه طاف طوافًا واحدًا، ثم يقبل، ثم يأتي منى يعني يوم النحر، وقال: رفعه عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد اللَّه. وأخرجه مسلم، في الحج =
ولا شيء في تأخيره، كالسعي.
(ثم يسعى) متمتع لحجه، لأن سعيه الأول كان لعمرته، وأما المفرد والقارن فيسعى أيضًا (إن لم يكن سعى) قبل، ومن سعى منهما، لم يعده، لأنه لا يستحب التطوع به، كسائر الأنساك، إلا الطواف، لأنه صلاة (وقد حل له كل شيء) حتى النساء.
(وسن أن يشرب من ماء زمزم، لما أحب، ويتضلع منه) ويرش على بدنه، وثوبه، لحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنت جالسًا عند ابن عباس، فجاء رجل، فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم. قال. فشربت منها كما ينبغي؟ قال: كيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر اسم اللَّه، وتنفس ثلاثًا، وتضلع منها. فإذا فرغت، فاحمد اللَّه تعالى، فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم"(1). رواه ابن ماجه.
(ويدعو بما ورد) فيقول: بسم اللَّه، اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا وريًّا وشبعًا، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك. زاد بعضهم: وحكمتك (2)؛ لحديث جابر: "ماء زمزم لما شرب له"(3). رواه ابن ماجه.
(ثم يرجع) من أفاض يوم النحر إلى مكة بعد طوافه وسعيه على ما سبق (فيبيت بمنى ثلاث ليال) إن لم يتعجل، وإلا فليلتين، وجوبًا (ويرمي
= (2/ 950).
(1)
ابن ماجه، الناسك، باب الشرب من زمزم (2/ 1017) وقال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح، رجاله موثقون.
(2)
أخرج الدارقطني، كتاب الحج (2/ 288) عن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء.
(3)
ابن ماجه، المناسك، باب الشرب من زمزم (2/ 1018) ينظر لتصحيح الحديث:"الخلاصة" لابن الملقن (2/ 26، 27).
الجمار) الثلاث (في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال) فإن رمى ليلًا، أو قبل الزوال، لم يجزئه، لحديث جابر: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس (1).
(و) سن رميه (قبل الصلاة) أي صلاة الظهر يرمي كل واحدة بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، كما تقدم، لحديث ابن عباس مرفوعًا: كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر (2). رواه ابن ماجه.
وأن يحافظ على الصلوات مع الإمام في مسجد الخيف، وإلا فيصلي مع رفقته، ويبتدئ برمي الجمرة الأولى، وهي أبعدهن مما يلي مكة، وتلي مسجد الخيف، فيجعلها عن يساره، ويرميها بسبع، ثم يتقدم قليلًا، بحيث لا يصيبه الحصى، فيقف يدعو، ويطيل، رافعًا يديه، نصًّا (3). ثم يأتي الجمرة الوسطى، فيجعلها عن يمينه، ويرميها بسبع، ويقف عندها فيدعو، رافعًا يديه، ويطيل. ثم يأتي جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ويرميها بسبع، ولا يقف عندها، لضيق المكان.
ويستقبل القبلة في رمي الجمرات كلها، لخبر عائشة مرفوعًا: فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، والثانية، ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها (4). رواه أبو داود. وقال ابن المنذر: كان عمر، وابن مسعود يقولان عند الرمي: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا
(1) تقدم تخريجه (ص 600).
(2)
ابن ماجه، المناسك، باب رمي الجمار أيام التشريق (2/ 1014).
(3)
"شرح منتهى الإرادات"(2/ 66).
(4)
أبو داود، المناسك، باب في رمي الجمار (2/ 497) وقال الحاكم في "المستدرك" (1/ 477): صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
مغفورًا (1).
وترتيب الجمرات كما ذكر شرط، لأنه صلى الله عليه وسلم رماها كذلك، وقال:"خذوا عني مناسككم" فإن أخل بحصاة من الأولى، لم يصح رمي الثانية، ولا الثالثة، وإن أخل بحصاة من الثانية، لم يصح رمي الثالثة، لإخلاله بالترتيب.
وإن أخر رمي يوم، ولو يوم النحر، إلى غده، أو أكثر، أجزأه، أو أخر رمي الكل، إلى آخر أيام التشريق، ورماها بعد الزوال، أجزأه أداءً، لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، ويجب ترتيبه بالنية، كفوائت الصلوات، فإذا أخر الكل مثلًا، بدأ بجمرة العقبة، فينوي رميها ليوم النحر، ثم يأتي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ناويًا عن أول يوم من أيام التشريق، ثم عن اليوم الثاني، والثالث كذلك.
وفي تأخير الرمي عن أيام التشريق: دم، لفوات وقت الرمي، فيستقر الفداء، لقول ابن عباس: من ترك نسكًا، أو نسيه، فإنه يهريق دمًا (2)، كترك مبيت ليلة غير الثالثة، لمن تعجل بمنى.
وفي ترك حصاة واحدة، ما في إزالة شعرةٍ، وفي ترك حصاتين، ما في إزالة شعرتين، وهذا إنما يتصور في آخر جرة من آخر يوم، وإلا لم يصح رمي ما بعدها، كما تقدم، وفي أكثر من حصاتين: دم.
ومن له عذر من نحو مرض، وحبس، جاز أن يستنيب من يرمي عنه، والأولى أن يشهده إن قدر، وإن أغمي على المستنيب، لم تبطل النيابة، فله الرمي عنه، كما لو استنابه في الحج، ثم أغمي عليه.
(1) أثر ابن مسعود: أخرجه الإمام أحمد (1/ 427) وأثر عمر لم أقف عليه. وجاء في "جامع الأصول"(3/ 288) عن عبد اللَّه بن عمر: كان يقول حين يرمي الجمار: اللهم حج مبرور، وذنب مغفور. ولم يذكر من خرَّجه، وقد ذكر أثر ابن مسعود: ابن جماعة الكناني في "هداية السالك"(3/ 1111) ثم قال: وكذلك روي عن ابن عمر.
(2)
تقدم تخريجه (ص 540).
ولا مبيت بمنى على سقاة ورعاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى، لأجل سقايته (1). ولحديث مالك: رخص رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لرعاة الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، يرمونه في أحدهما (2). قال مالك: ظننت أنه قال في أول يوم، فإن غربت الشمس وهم بها، لزم الرعاة فقط المبيت.
ويخطب الإمام أو نائبه ثاني أيام التشريق خطبة، يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير، وحكم توديعهم. لحديث أبي داود، عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته (3).
(ومن تعجل في يومين إن لم يخرج قبل الغروب لزمه المبيت والرمي من الغد) بعد الزوال، قال ابن المنذرة ثبت أن عمر قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلى الغد، حتى ينفر مع الناس (4)، ولأنه بعد إدراكه الليل لم يتعجل في يومين، وأما من تعجل قبل الغروب، فيسقط عنه المبيت الليلة الثالثة، وكذا رمى اليوم الثالث، نصًّا (5)، ويدفن متعجل بقية حصاه (6)، زاد بعضهم (7): في المرمى.
(1) تقدم تخريجه (ص 596).
(2)
الموطأ، كتاب الحج، باب الرخصة في رمي الجمار (1/ 408).
(3)
أبو داود، المناسك، باب أي يوم يخطب بمنى (2/ 488).
(4)
مالك، في الموطأ، باب رمي الجمار (1/ 407) وابن أبي شيبة، الحج، في الرجل يدركه المساء في اليوم الثاني من أيام التشريق فينفر أم لا؟ (ص 97 من الجزء المفقود).
(5)
"الإنصاف"(9/ 253).
(6)
قال في "الإنصاف"(9/ 253): على الصحيح من المذهب. وقيل: لا. قال في "الفائق" بعد أن قدم الأول، قلت: لا يتعين، بل له طرحه، ودفعه إلى غيره. انتهى.
ورجح ابن قاسم في "الحاشية"(4/ 181) أنه لا حاجة لدفنه.
(7)
كصاحب "الرعايتين" و"الحاويين" ذكره في "الإنصاف"(9/ 253).
فإذا أتى متعجل أو غيره مكة، لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف.
(وطواف الوداع واجب) إذا فرغ من جميع أموره، لحديث ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (1). متفق عليه، ويسمى طواف الصدر، لأنه عند صدور الناس من مكة (يفعله) أي طواف الوداع (ثم يقف في الملتزم) وهو أربعة أذرع، بين الركن الذي به الحجر والباب (داعيًا بما ورد).
فيلصق به جميع بدنه: وجهه، وصدره، وذراعيه، وكفيه مبسوطتين. لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: طفت مع عبد اللَّه، فلما جاء دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: أعوذ باللَّه من النار. ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره، وذراعيه، وكفيه، وبسطهما بسطًا، وقال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل (2). رواه أبو داود.
ويقول وهو على هذه الحالة: اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فَمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي، إن أذنت لي، غير مستبدل بك، ولا ببيتك ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك، ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. ويدعو بعد ذلك بما أحب، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم (3).
(1) البخاري، في الحج، باب طواف الوداع (2/ 195) ومسلم، في الحج (2/ 963).
(2)
أبو داود، المناسك، باب الملتزم (2/ 452) ابن ماجه، في احج، باب الملتزم (2/ 987).
(3)
قال النووي في "المجموع"(8/ 258): هذا الدعاء ذكره الشافعي رحمه الله في الإملاء، وفي مختصر الحج. واتفق الأصحاب على استحبابه. اهـ
ويأتي الحطيم -أيضًا- وهو تحت الميزاب (1) فيدعو ثم يشرب من ماء زمزم، قاله (2) الشيخ (3). ويستلم الحجر الأسود، ويقبله، ثم يخرج. قال أحمد: فإذا ولىّ لا يقف ولا يلتفت، فإن التفت رجع فودع أي استحبابًا (4). ولا يستحب له المشي قهقرى بعد وداعه. قال الشيخ تقي الدين: هو بدعة مكروهة (5).
فإن ودَّع، ثم اشتغل بغير شد رحل، أو اتَّجر، أو أقام، أعاد الوداع وجوبًا، لأن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه، ليكون آخر عهده بالبيت، ولا يعيد إن اشترى حاجة في طريقه، أو اشترى زادًا، أو شيئًا لنفسه، أو صلى، لأن ذلك لا يمنع أن آخر عهده بالبيت الطواف.
(وتدعو الحائض والنفساء على باب المسجد) ندبًا.
وسن دخول البيت بلا خُف، وبلا نعل، وبلا سلاح، نصًّا (6)، فيكبر في نواحيه، ويصلي فيه ركعتين، ويدعو، والنظر إلى البيت عبادة نصًّا (7)، قال ابن عمر: دخل النبي صلى الله عليه وسلم، وبلال، وأسامة بن زيد. فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قلت: أين؟ قال: بين العمودين، تلقاء وجهه، قال: ونسيت أن أسأله: كم صلى (8)؟ متفق عليه.
(1) قال في "المصباح المنير"(1/ 194): والحطيم: حجر مكة. اهـ
(2)
في الأصل: (قال) والمثبت من "شرح المنتهى"(2/ 69).
(3)
"الفروع"(3/ 522، 523) و"شرح المنتهى"(2/ 69).
(4)
"الفروع"(3/ 523).
(5)
المصدر السابق.
(6)
"الفروع"(3/ 523).
(7)
"الفروع"(3/ 522).
(8)
البخاري، في الصلاة، باب قول اللَّه: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. . (1/ 103) وفي المغازي، باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم وباب حجة الوداع (5/ 93، 125) وفي مواضع أخرى، ومسلم، في الحج (2/ 966).
وإن لم يدخل البيت، فلا بأس، لحديث عائشة مرفوعًا: خرج من عندها وهو مسرور، ثم رجع، وهو كئيب. فقال: إني دخلت الكعبة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي (1).
(وسن زيارة قبر (2) النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه) رضي الله عنهما، لحديث الدارقطني عن ابن عمر مرفوعًا:"من حج فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي"(3)، وفي رواية:"من زار قبري، وجبت له شفاعتي"(4)، وعن أبي هريرة مرفوعًا:"ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد اللَّه علي روحي حتى أرد عليه السلام"(5).
وإذا دخل مسجده صلى الله عليه وسلم قال ما ورد لدخول غيره من المساجد،
(1) أبو داود، في المناسك، باب في دخول الكعبة (2/ 526) والترمذي، في الحج، باب دخول الكعبة (3/ 214) وابن ماجه، في الحج، باب دخول الكعبة (2/ 1018) قال الترمذي: حسن صحيح. اهـ
(2)
يعني أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم تأتي تبعًا لزيارة مسجده صلى الله عليه وسلم لا قصدًا. ينظر: "الإخنائية" لشيخ الإسلام (ص 251) حيث قال: ". . . من قال من العلماء: إنه يستحب زيارة قبره، ومرادهم بذلك: السفر إلى مسجده، وفي مسجده يسلم عليه ويصلى عليه ويدعى له ويثنى عليه. . ".
(3)
الدارقطني، الحج (2/ 278) وأخرجه أيضًا البيهقي، الحج، باب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم (5/ 246) وقال: تفرد به حفص بن سليمان، وهو ضعيف. اهـ بل قال البخاري: تركوه. ينظر: "ميزان الاعتدال"(1/ 558).
(4)
الدارقطني، الحج (2/ 278) وفيه موسى بن هلال العبدي. قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (4/ 226) أنكر ما عنده حديثه عن عبد اللَّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: من زار قبري وجبت له شفاعتي. اهـ قال شيخ الإسلام في "الإخنائية"(ص 252): وليس في الأحاديث التي رويت بلفظ زيارة قبره حديث صحيح عند أهل المعرفة. اهـ
(5)
أبو داود، في المناسك، باب زيارة القبور (2/ 534). احتج به أحمد وغيره. ينظر:"الصارم المنكي"(ص 203).
وتقدم (1)، وصلى تحية المسجد، والأولى في الروضة، ثم يستقبل وسط القبر الشريف فيسلم عليه صلى الله عليه وسلم، مستقبلًا له، موليًا ظهره القبلة، فيقول: السلام عليك يا رسول اللَّه. كان ابن عمر لا يزيد على ذلك (2)، وإن زاد فحسن.
قال في شرح "الإقناع"(3): قال في "الشرح"(4) و"شرح المنتهى"(5) أي لمصنفه، ويقول: السلام عليك يا أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، السلام عليك يا نبي اللَّه وخيرته من خلقه وعباده. أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أشهد أنك بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت اللَّه حتى أتاك اليقين، صلى اللَّه عليك كثيرًا، كما يحب ربنا ويرضى، اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدًا من النبيين والمرسلين، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنك قلت وقولك الحق:{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} (6) وقد أتيتك مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى
(1)(ص 167).
(2)
روى ابن أبي شيبة في الجنائز (3/ 341) وعبد الرزاق، الجنائز، باب السلام على قبر النبي صلى الله عليه وسلم (3/ 576) والبيهقي، الحج، باب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم (5/ 245) عن نافع أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر دخل المسجد، ثم أتى القبر، فقال: السلام عليك يا رسول اللَّه، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.
(3)
(2/ 515).
(4)
"الشرح الكبير"(9/ 275).
(5)
"معونة أولي النهى".
(6)
سورة النساء، الآية:64.
ربي (1)، فأسألك يا ربي أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم اجعله أول الشافعين، وأنجح السائلين، وأكرم الأولين والآخرين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ثم يدعو لوالديه، ولإخوانه، وللمسلمين أجمعين، ولا يرفع صوته عنده، لقوله تعالى:{لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} (2) وحرمته ميتًا، كحرمته حيًّا.
ثم يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، لئلا يستدبر قبره صلى الله عليه وسلم، ويدعو بما أحب، ثم يتقدم قليلًا من مقام سلامه على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نحو ذراع على يمينه، فيسلم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق. ثم يتقدم نحو ذراع على يمينه -أيضًا- فيسلم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول: السلام عليك يا عمر الفاروق. ويقول: السلام عليكما يا صاحبي رسول اللَّه، وضجيعيه، ووزيريه، اللهم اجزهما عن نبيهما، وعن الإسلام خيرًا، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، اللهم لا تجعله آخر العهد بقبر نبيك صلى الله عليه وسلم (3)، ولا بمسجده الشريف يا أرحم الراحمين.
ولا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا حائطه، ولا يتمسح به، ولا يلصق به صدره، ولا يقبله، لما في ذلك من إساءة الأدب، والابتداع. قال الأثرم: رأيتَ أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي صلى الله عليه وسلم، يقومون من ناحية
(1) هذا مما لا يجوز إلا حال حياته صلى الله عليه وسلم، وقد قرر ذلك العلامة ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي"(ص 425).
(2)
سورة الحجرات، الآية:2.
(3)
زيارة القبر لا يجوز أن تكون مقصودة بإنشاء سفر إليها، بل القصد للمسجد، وتأتي زيارة القبر تبعًا.
ينظر: "الإخنائية"(ص 285)، و"الرد على البكري""المعروف بالاستغاثة" كلاهما لابن تيمية رحمه الله.