الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في الصلاة على الميت
وهي فرض كفاية، لأمره صلى الله عليه وسلم بها في غير حديث، كقوله:"صلوا على أطفالكم فإنهم أفراطكم"(1). وقوله في الغالِّ: "صلوا على صاحبكم"(2)، وقوله:"إن صاحبكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه"(3)، وقوله:"صلوا على من قال: لا إله إلا اللَّه"(4) والأمر للوجوب، فإن لم يعلم به إلا واحد تعين عليه، وعلم منه: أنه لا يصلى على شهيد معركة، ومقتول ظلمًا في حال لا يغسلان فيها.
(وتسقط الصلاة عليه) أي الميت (بـ) صلاة (مكلف) ذكرًا كان أو خنثى أو أنثى حُرًّا أو عبدًا، أو مبعضًا، كغسله، وتكفينه، ودفنه، وظاهره: لا تسقط بمميز، لأنه ليس من أهل الوجوب، وقدم في "المحرر" تسقط، كما لو غسله.
(وتسن) الصلاة عليه (جماعة) كفعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه (5)، واستمر
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول (3/ 155)، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب الغلول (2/ 950) عن زيد بن خالد الجهني. إسناده ضعيف. ينظر:"إرواء الغليل".
(2)
البخاري، كتاب الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت نفسه، وباب الصفوف على الجنازة، وغيرها (2/ 71، 88). ومسلم، كتاب الجنائز (2/ 656).
(3)
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(12/ 447) والدارقطني في باب صفة من تجوز الصلاة معه والصلاة عليه (2/ 56) عن ابن عمر. قال الهيثمي في "المجمع"(2/ 67): وفيه محمد بن الفضل بن عطية، وهو كذاب. اهـ وبذلك أعله ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (1/ 312). ينظر:"إرواء الغليل"(2/ 355).
(4)
ذكره الألباني في "إرواء الغليل"(2/ 305) وبين ضعفه.
(5)
ينظر حديث النجاشي السابق في نفس هذه الصفحة.
الناس عليه، إلا على النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يصلوا عليه بإمام، احترامًا له، قال ابن عباس: دخل الناس على النبي صلى الله عليه وسلم أرسالًا يصلون عليه، حتى إذا فرغوا، أدخلوا النساء حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناسَ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحد (1). رواه ابن ماجه، وفي البزار والطبراني (2): أن ذلك كان بوصية منه صلى الله عليه وسلم.
ويسن أن لا تنقص الصفوف عن ثلاثة، لحديث مالك بن هبيرة: كان إذا صلى على ميت جزأ الناس ثلاثة صفوف، ثم قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من صلى عليه ثلاثة صفوف من الناس فقد أوجبت له الجنة"(3). رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. فإن كانوا ستة أو أكثر، جعل كل اثنين صفًا، وإن كانوا أربعة جعلهم صفين.
ولا تصح صلاة الفذ فيها، والأولى بالصلاة على الميت إمامًا: وصيّه العدل، لأن الصحابة ما زالوا يوصون بها، ويقدمون الوصي، فأوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر (4)، وأوصى عمر أن يصلي عليه صهيب (5)، وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد (6)، وأوصى أبو بكرة أن
(1) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه صلى الله عليه وسلم (1/ 525).
(2)
البزار في "مسنده"(5/ 394، 395) والطبراني في "الأوسط"(5/ 9) عن ابن مسعود في حديث طويل. ينظر: "مجمع الزوائد"(9/ 25).
(3)
أبو داود، كتاب الجنائز، باب في الصفوف على الجنازة (3/ 515)، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الجنازة والشفاعة للميت (3/ 338)، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن صلى عليه جماعة من المسلمين (1/ 478)، قال الترمذي: حديث مالك بن هبيرة حديث حسن. اهـ وقال الحاكم في "المستدرك"(1/ 363): صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
(4)
قاله أحمد. كما في "المغني"(3/ 405).
(5)
عبد الرزاق في "المصنف" كتاب الجنائز، باب من أحق بالصلاة على الميت (3/ 471).
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، ما قالوا فيمن أوصى أن يصلي عليه الرجل =
يصلي عليه أبو برزة (1)، ذكره كله أحمد (2)، وإن أوصى بها لفاسق لم تصح، فإن لم يكن وصي، فالسلطان، فنائبه، فالأولى بغسل رجل، فزوج بعد ذوي الأرحام، ثم مع تساوٍ الأولى بإمامةٍ، ثم يقرع.
وتباح صلاة على ميت في المسجد إن أمن تلويثه، لصلاته صلى الله عليه وسلم على سهل بن بيضاء فيه (3). رواه مسلم، وجاء أن أبا بكر (4) وعمر (5) صُلي عليهما في المسجد، فإن خيف تلويث المسجد، بنحو انفجاره، حرم إدخاله إياه، صيانة له عن النجاسة.
(و) يسن (قيام إمام و) قيام (منفرد عند صدر رجل) أي ذكر، (ووسط امرأة) أي أنثى، نصًّا (6)، وقيامهما بين ذلك من خنثى مشكل، لتساوي الاحتمالين فيه.
ويسن أن يلي إمامٌ -إذا اجتمع موتى- من كل نوع أفضل، وكان صلى الله عليه وسلم يقدم في القبر من كان أكثر قرآنًا (7)، فيقدم حر مكلف، الأفضل فالأفضل، فعبد كذلك، فصبي كذلك، ثم خنثى، ثم امرأة كذلك، فأسن فأسبق، ثم يقرع مع الاستواء في الكل.
= (3/ 285)، والبيهقي، كتاب الجنائز، باب من قال الوصي بالصلاة عليه أولى. . . (4/ 29)، وابن المنذر في "الأوسط"(5/ 403).
(1)
أورده المزي في "تهذيب الكمال"(5/ 35)، في ترجمة أبي بكرة نفيع بن الحارث.
(2)
"معونة أولي النهى"(2/ 433).
(3)
مسلم، كتاب الجنائز، (2/ 668، 669).
(4)
أخرجه البيهقي، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد (4/ 52).
(5)
أخرجه مالك في "الموطأ"، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنائز في المسجد (1/ 230).
(6)
"الإنصاف"(6/ 137، 138).
(7)
البخاري، كتاب الجنائز، باب من يقدم في اللحد (2/ 94) عن جابر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن، فإذا أشير له إلى أحدهما، قدَّمه في اللحد. . الحديث.
وجمع الموتى بصلاة واحدة مع التعدد أفضل، ويجعل وسط أنثى حذاء صدر رجل، وخنثى بينهما، ليقف الإمام أو المنفرد موقفه مع كل واحد منهم (ثم يكبر) مصل (أربعًا) رافعًا يديه مع كل تكبيرة (يقرأ بعد) التكبيرة (الأولى و) بعد (التعوذ) والبسملة (الفاتحة بلا استفتاح) لأن مبناها على التخفيف، ولذلك لم تشرع فيها السورة بعد الفاتحة (ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد) التكبيرة (الثانية) كما يصلي عليه في تشهد، لأنه صلى الله عليه وسلم لما سئل كيف نصلي عليك؟ علمهم ذلك (1)(ويدعو بعد) التكبيرة (الثالثة) مخلصًا، لحديث:"إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء"(2) رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبان (والأفضل) دعاؤه (بشيء مما ورد، ومنه) أي الوارد: ("اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا) أي حاضرنا (وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا) أي منصرفنا، (ومثوانا) أي مأوانا وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحْيهِ على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما" (3) رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة زاد ابن ماجه: "اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده" (4)، وفيه: ابن إسحاق (5). قال. . . .
(1) تقدم (ص 194).
(2)
أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت (3/ 538) وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة (1/ 480). وهو في "صحيح ابن حبان" (كما في الإحسان (7/ 346) -عن أبي هريرة رضي الله عنه وإسناده جيد. ينظر: أحكام الجنائز" (ص 123).
(3)
الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يقول في الصلاة على الميت (3/ 343)، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة (1/ 480) وأحمد في "المسند" (2/ 368). قال الحاكم في "المستدرك" (1/ 358): صحيح على شرطهما. وأقره الذهبي.
(4)
ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة (1/ 480). وفيه:(ولا تضلنا. .).
(5)
محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي مولاهم، المدني، نزيل، إمام المغازي: =
الحاكم (1): حديث أبي هريرة صحيح على شرط الشيخين. لكن زاد فيه الموفق (2): وأنت على كل شيء قدير.
ولفظ السنة: ("اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُلَه) بضم الزاي، وقد تسكن (وأوسع مَدخله) بفتح الميم موضع الدخول، وبضمها الإدخال (واغسله بالماء والثلج والبرد) بالتحريك، المطر المنعقد (ونقِّه من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأجره (3) من عذاب القبر وعذاب النار (4)") رواه مسلم (5)، من حديث عوف بن مالك أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك على جنازة، حتى تمنى أن يكون ذلك الميت، وفيه: "وأبدله أهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة". زاد الموفق (6) لفظ:"من الذنوب"، (وافسَح له في قبره، ونوِّر له فيه) لأنه لائق بالحال، زاد الخِرقي (7)، وابن عقيل (8)، والمجد (9) وغيرهم: "اللهم إنه عبدك، وابن
= صدوق يدلّس، ورمي بالتشيع والقدر. مات سنة (150 هـ) اهـ من "تقريب التهذيب"(453).
(1)
"المستدرك"(1/ 358).
(2)
"المقنع"(ص 48).
(3)
في "أخصر المختصرات"(ص 135): وأعذه.
(4)
مسلم، كتاب الجنائز (2/ 662).
(5)
"المقنع"(ص 48) فقوله: (من الذنوب) ليست في نص الحديث الذي في "صحيح مسلم"(2/ 662، 663).
(6)
انظر المغني 3/ 414.
(7)
عمر بن الحسين بن عبد اللَّه أبو القاصم أحد أئمة المذهب، توفي سنة 334 هـ، السير 15/ 363.
(8)
أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي، كان واسع العلم، توفي سنة 513 هـ. ذيل طبقات الحنابلة 1/ 142 - 163.
(9)
عبد السلام بن عبد اللَّه بن الخضر ابن تيمية الحراني أبو البركات. توفى سنة 652 هـ. السير=
أمتك نزل بك، وأنت خير منزول به. إن كان الميت رجلًا، فإن كانت امرأة قال: اللهم إنها أمتك، بنت أمتك، نزلت بك، وأنت خير منزول" زاد بعضهم:"ولا نعلم إلا خيرًا". قال ابن عقيل وغيره: ولا يقوله إلا إن علم خيرًا، وإلا أمسك عنه حذرًا من الكذب (1).
(وإن كان) الميت (صغيرًا أو مجنونًا) واستمر على جنونه حتى مات، (قال) بعد "ومن توفيته منا فتوفه عليهما":("اللهم اجعله ذُخْرًا لوالديه وفرطًا) أي سابقًا مهيئًا لمصالح أبويه في الآخرة، سواء مات في حياتهما أو بعد موتهما (وأجرًا وشفيعًا مجابًا، اللهم ثقِّل به موازينهما، وعظِّم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقِهِ برحتمك عذاب الجحيم") لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "السقط يصلى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة"(2) وفي لفظ: "بالعافية والرحمة"(3) رواهما أحمد، وإنما عدل عن الدعاء له بالمغفرة إلى الدعاء لوالديه بذلك، لأنه شافع غير مشفوع فيه، ولم يجر عليه قلم.
وإن لم يعلم مصل إسلام والديه دعا لمواليه، لقيامهم مقامهما في المصاب به، ولا بأس بإشارة بنحو أصبع لميت حال دعائه له، نصًّا، ويؤنث الضمير في حال دعائه لأنثى، فيقول: اللهم اغفر لها وارحمها. . . إلخ. ولا يقول في ظاهر كلامهم: وأبدلها زوجًا خيرًا من زوجها.
(ويقف بعد) التكبيرة (الرابعة قليلًا) لحديث زيد بن أرقم مرفوعًا: كان يكبر أربعًا، ثم يقف ما شاء اللَّه، فكنت أحسب هذه الوقفة ليكبر آخر
= 23/ 291.
(1)
ذكره في "معونة أولي النهى"(2/ 440).
(2)
أحمد (4/ 249)، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب المشي أمام الجنازة (3/ 523) والترمذي، الجنائز، باب في الصلاة على الأطفال (3/ 341)، النسائي، الجنائز (4/ 56 و 58). وتقدم.
(3)
أحمد في "المسند"(4/ 249).
الصفوف، رواه الجوزجاني (1)، ولا يدعو بعد الرابعة لظاهر الخبر (ويسلِّم) تسليمة واحدة عن يمينه، نصًّا (2)، لأنه أشبه بالحال، وأكثر ما روي في التسليم، (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) نصًّا (3)، رواه الشافعي (4) عن ابن عمر، وسعيد عن ابن عباس، والأثرم عن عمر، وزيد بن ثابت (5).
وسن وقوف المصلي على الجنازة حتى ترفع، نصًّا (6)، قال مجاهد (7): رأيت عبد اللَّه بن عمر لا يبرح من مصلاه حتى يراها على أيدي الرجال (8). وروي عن أحمد -أيضًا- أنه صلى ولم يقف (9).
(1) ذكره ابن قدامة في "المغني"(3/ 417) فقال: وقد روى الجوزجاني بإسناده عن زيد بن أرقم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يكبِّر أربعًا، ثم يقول ما شاء اللَّه، ثم ينصرف. قال الجوزجاني: وكنت أحسب أن هذه الوقفة ليكبر آخر الصفوف، فإن الإمام إذا كبر ثم سلم، خفت أن يكون تسليمه قبل أن يكبر آخر الصفوف، فإن كان هكذا فاللَّه عز وجل الموفق له، وإن كان غير ذلك فإني أبرأ إلى اللَّه عز وجل من أن أتاول على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمرًا لم يرده، أو أراد خلافه. اهـ
ففي ذلك: تصحيح ما ورد عند المؤلف تبعًا لشرح المنتهى، و"معونة أولي النهى" (2/ 442):(ثم يقف) وفيه: عدم استقامة الاستدلال به على ما ذكره المؤلف بقوله: (ولا يدعو. . لظاهر الخبر). وفيه: بيان أن صاحب قول: (وكنت أحسب. .) هو الجوزجاني.
(2)
"الإنصاف"(6/ 157).
(3)
"الفروع"(2/ 241).
(4)
"مسند الشافعي"(ص 359).
(5)
لم أقف على مصادر هذه الآثار. ينظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(3/ 296) و"سنن البيهقي"(4/ 44).
(6)
"معونة أولي النهى"(2/ 242).
(7)
مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المخزومي مولاهم. ثقة إمام في التفسير وفي العلم، مات سنة (101 هـ) أو بعدها. "تقريب التهذيب"(ص 453).
(8)
ذكره في "المغني"(3/ 419).
(9)
"معونة أولي النهى"(2/ 443).
وأركان صلاة جنازة ستة: قيام قادر في فرضها، والتكبيرات الأربع، وقراءة الفاتحة، والصلاة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والدعاء للميت، والسلام.
وشرط لها ما شرط لمكتوبة، إلا الوقت، وحضور الميت بين يديه، إلا إذا صلى على غائب عن البلد، إلى شهر من موته بالنية، لأنه لا يعلم بقاؤه بعد ذلك.
والثاني: إسلام الميت.
والثالث: تطهيره ولو بتراب لعذر.
وللمصلي على جنازة قيراط من الأجر، وله بتمام دفنها قيراط آخر، لحديث:"من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان". قيل: وما القيراطان؟ قيل: "مثل الجبلين العظيمين" ولمسلم: "أصغرهما مثل أحد"(1). بشرط أن لا يفارقها من الصلاة عليها حتى تدفن لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: "فكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها"(2).
(وسنّ تربيع في حملها) أي يسن أن يحملها أربعة، لقول ابن مسعود: إن اتبع أحدكم جنازة فليأخذ بقوائم السرير الأربع، ثم ليتطوع بعد، أو ليذر (3). رواه سعيد. فيضع قائمة السرير اليسرى المقدّمة حال السير لأنها تلي يمين الميت من عند رأسه على كتفه اليمنى، ثم يدعها لغيره، وينتقل إلى قائمة السرير اليسرى المؤخرة فيضعها على كتفه اليمنى -أيضًا- ثم يضع قائمة السرير اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى، ثم يدعها لغيره، وينتقل إلى
(1) البخاري، الجنائز، باب فضل اتباع الجنائز وباب من انتظر حتى تدفن وغيرهما (2/ 89، 90)، ومسلم، كتاب الجنائز، (2/ 654) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
مسلم، الجنائز (2/ 653، 654).
(3)
ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في شهود الجنائز (1/ 474)، والبيهقي، جماع أبواب حمل الجنازة، باب من حمل الجنازة فدار على جوانبها الأربع (4/ 19)، قال في "الزوائد": منقطع، فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. قاله أبو حاتم وأبو زرعة وغيرهما. اهـ
قائمة السرير اليمنى المؤخرة فيضعها على كتفه اليسرى أيضًا، فيكون البدء من الجانبين بالرأس، والختم منهما بالرجلين، كالغسل.
ويقول: بسم اللَّه، وعلى ملة رسول اللَّه، ويذكر اللَّه إذا تناول السرير، نصًّا (1).
ولا يكره حمل جنازة بين عمودين نصًّا كل واحد على عاتق. نصًّا (2)، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين (3)، وأن سعد بن أبي وقاص حمل جنازة عبد الرحمن بن عوف بين العمودين (4).
ولا يكره حملٌ بأعمدة للحاجة، كجنازة ابن عمر (5)، ولا الحمل على دابة لغرض صحيح، كبعد قبره. ولا يكره حمل طفل على يديه.
(و) سن (إسراع) بها أي الجنازة، لحديث:"أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم"(6). متفق عليه، ويكون الإسراع دون الخبب، نصًّا (7)، لحديث أبي سعيد مرفوعًا:"أنه مر عليه بجنازة تمخض مخضًا، فقال: "عليكم بالقصد في جنائزكم" (8) رواه أحمد.
(1)"معونة أولي النهى"(2/ 446).
(2)
المصدر السابق.
(3)
أخرجه ابن سعد في "الطبقات"(3/ 431) عن شيوخ من بني عبد الأشهل أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ..
(4)
البيهقي، الجنائز، باب من حمل الجنازة فوضع السرير على كاهله بين العمودين المقدمين (4/ 20).
(5)
لم أستطع الوقوف عليه.
(6)
البخاري، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة (2/ 87)، ومسلم، كتاب الجنائز (2/ 652) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(7)
"معونة أولي النهى"(2/ 469).
(8)
أحمد في "المسند"(4/ 406) عن أبي موسى.
(و) سن (كون ماش) معها (أمامها) لحديث ابن عمر، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر -رضي اللَّه تعالى عنهما- يمشون أمام الجنازة (1). رواه أبو داود، والترمذي. وعن أنس، نحوه (2)، رواه ابن ماجه، ولأنهم شفعاؤه.
(و) سن كون (راكب لحاجة خلفها) لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "الراكب خلف الجنازة"(3). رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
(وقُرب) متبع الجنازة (منها) أفضل، لأنها كالإمام، وكره لمتبع جنازة ركوب، لحديث ثوبان قال: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأى ناسًا ركبانًا فقال: "ألا تستحيون؟ إن ملائكة اللَّه على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب"(4). رواه الترمذي. إلا لحاجة، كمرض، وإلا لعود، فلا يكره، لحديث جابر بن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم تبع جنازة ابن الدحداح ماشيًا، ورجع على فرس (5)، قال الترمذي: صحيح.
وكره تقدمها إلى موضع الصلاة، لا إلى المقبرة.
وكره جلوس من يتبعها حتى توضع بالأرض للدفن، نصًّا (6)،
(1) أبو داود، كتاب الجنائز، باب المشي أمام الجنازة (3/ 522)، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في المشي أمام الجنازة (3/ 320، 322). قال أحمد: إنما هو عن الزهري مرسل اهـ وقال الترمذي: أهل العلم يرون المرسل أصح. . ينظر "التلخيص الحبير"(2/ 118).
(2)
ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في المشي أمام الجنازة (1/ 475).
(3)
الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الأطفال (3/ 340، 341).
(4)
الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية الركوب خلف الجنازة (3/ 324) وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في شهود الجنائز (1/ 475). قال الترمذي: حديث ثوبان قد روي عنه موقوفًا، قال محمد: الموقوف منه أصح. اهـ
(5)
الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في ذلك (3/ 325) وقال: حسن صحيح.
(6)
"معونة أولي النهى"(2/ 471).
لحديث مسلم، عن أبي سعيد مرفوعًا:"إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع"(1).
وكره قيام لها إن جاءت، أو مرت به وهو جالس، لحديث علي قال: رأينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قام، فقمنا تبعًا له، وقعد وقعدنا تبعًا له (2). يعني في الجنازة. رواه مسلم وغيره. وعن ابن عباس مرفوعًا:"قام ثم قعد"(3) رواه النسائي.
وكره رفع الصوت معها، ولو بقراءة، أو تهليل، لأنه بدعة، وقول القائل مع الجنازة: استغفروا له، ونحوه بدعة، وروى سعيد أن ابن عمر وسعيد بن جبير قالا لقائل ذلك: لا غفر اللَّه لك (4).
وكره أن يتبعها امرأة، لحديث أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا (5). متفق عليه. أي لم يحتم علينا ترك اتباعها. وحرم أن يتبعها مع منكر، من نحو نوح، ولطم خد، عاجز عن إزالته، لما فيه من الإقرار على المعصية، ويلزم القادر على إزالته أن يزيله ولا يترك اتباعها.
ودفن الميت فرض كفاية لقوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} (6) قال ابن عباس: أكرمه بدفنه (7). وقال: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} (8) أي جامعة للأحياء في ظهرها بالمساكن، وللأموات في بطنها
(1) مسلم، كتاب الجنائز (2/ 660).
(2)
مسلم، كتاب الجنائز (2/ 662) وأحمد (1/ 83).
(3)
النسائي، كتاب الجنائز، الرخصة في ترك القيام (4/ 46).
(4)
ذكره في "الشرح الكبير"(6/ 209) و"الفروع"(2/ 264).
(5)
البخاري، كتاب الجنائز، باب اتباع النساء الجنائز (2/ 78)، ومسلم، كتاب الجنائز (2/ 646).
(6)
سورة عبس، الآية:21.
(7)
لم أقف عليه في الدر المنثور ونحوه. وقد ذكره في "معونة أولي النهى"(2/ 475).
(8)
سورة المرسلات، الآيتان: 25، 26.
بالقبور (1)، والكفت الجمع (2)، وهو إكرام للميت، لأنه لو ترك لأنتن، وتأذى الناس بريحه، وقد أرشد اللَّه قابيل إلى دفن أخيه هابيل (3)، {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} (4).
ويسقط دفن وتكفين وحمل بفعل كافر، لأن فاعلها لا يختص أن يكون من أهل القربة، ويقدم بدفن ذكر وأنثى من يقدم بغسله، ونائبه كهو، ويقدم بدفن امرأة، محارمها الرجال، فزوج، فأجانب، لأن النساء يضعفن عن إدخال الميت القبر (5).
(وكون قبر لحدًا) أفضل من كونه شقًّا -وهو بفتح اللام والضم لغة- أن يحفر في أسفل حائط القبر حفرة تسع الميت، وأصله الميل (6). وكون اللحد مما يلي القبلة أفضل، ونصب لبن عليه أفضل من نصب حجارة أو غيرها، لحديث مسلم، عن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي مات فيه: ألحدوا لي لحدًا، وأنصبوا علي اللبن نصبًا، كما فُعل برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (7).
وكره شق بلا عذر، قال أحمد (8): لا أحب الشق لحديث: "اللحد لنا
(1)"الدر المنثور"(6/ 494) عن مجاهد بنحوه. و"جامع البيان"(12/ 386) عن قتادة بمعناه.
(2)
"القاموس"(ص 203).
(3)
"الدر المنثور"(3/ 54 وما بعدها).
(4)
سورة المائدة، الآية:31.
(5)
بل يقال: إن تولي النساء لذلك لو كان مشروعًا لفعل في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر خلفائه. ينظر: "معونة أولي النهى"(2/ 476) حيث ذكر تعليلات كثيرة للمنع من ذلك، الذي نقلته أقواها.
(6)
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة"(3/ 170): الشين والقاف أصلٌ واحد صحيح يدل على انصداع في الشيء. . اهـ.
(7)
مسلم، كتاب الجنائز (2/ 665).
(8)
"الشرح الكبير"(6/ 220).
والشق لغيرنا" (1) رواه أبو داود وغيره، لكنه ضعيف، والشق أن يحفر وسط القبر كالحوض، ثم يوضع الميت فيه، ويسقف عليه ببلاط أو غيره، أو يبنى جانباه بلبن أو غيره، فإن تعذر اللحد لكون التراب ينهال، ولا يمكن دفعه بنصب لبن ولا حجارة ونحوها، لم يكره الشق.
وكره دفن في تابوت ولو امرأة، لأن الأرض أنشف لفضلاته، ولأن التابوت خشب، وتفاؤلًا أن لا يمس الميت نار.
وسن أن يعمق قبر، ويوسع بلا حد، لقوله صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد:"احفروا، ووسعوا، وأعمقوا"(2). قال الترمذي: حسن صحيح. ولأن التعميق أبعد لظهور الرائحة وأمنع للوحش، والتعميق -بالعين المهملة- الزيادة في النزول، ويكفي ما يمنع السباع، والرائحة، لأنه يحصل به المقصود، وسواء الرجل والمرأة.
(و) سن (قول مدخل) للميت القبر: (بسم اللَّه، وعلى ملة رسول اللَّه) لحديث ابن عمر مرفوعًا: "إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا: بسم اللَّه وعلى ملة رسول اللَّه"(3) رواه أحمد، وإن قرأ {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} (4) أو أتى بذكر أو دعاء لائق عند وضعه وإلحاده، فلا بأس.
(و) سن (لحده على شقه الأيمن) لأنه يشبه النائم، وهذه سنته، وأن يجعل تحت رأسه لبنة، فإن لم يوجد فحجر، فإن لم يوجد فقليل من تراب،
(1) أبو داود، كتاب الجنائز، باب في اللحد (3/ 544) والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم"اللحد لنا والشق لغيرنا"(3/ 354)، والنسائي، كتاب الجنائز، باب اللحد والشق (4/ 80). قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. قال الحافظ: في إسناده عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف، وصححه ابن السكن. . "التلخيص الحبير"(2/ 135).
(2)
الترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء في دفن الشهداء (4/ 213) عن هشام بن عامر، وهو كما قال الترمذي. ينظر:"أحكام الجنائز" للألباني (ص 142، 143).
(3)
أحمد في "المسند"(2/ 27) وهو صحيح. ينظر: "أحكام الجنائز"(ص 152).
(4)
سورة طه، الآية:55.
لأنه شبه بالمخدة للنائم، ولئلا يميل رأسه، ويزال الكفن عن خده، ويلصق بالأرض، لأنه أبلغ في الاستكانة. قال عمر: إذا أنا مت فأفضوا بخدي إلى الأرض (1). ويكره جعل مخدة تحت رأسه، نصًّا (2)، لأنه غير لائق بالحال، ولم ينقل عن السلف، ويكره جعل مضرَّبة (3) وقطيفة تحته، روي عن ابن عباس أنه كره أن يُلقى تحت الميت في القبر شيء (4). ذكره الترمذي. وعن أبي موسى: لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئًا (5). والقطيفة التي وضعت تحته صلى الله عليه وسلم إنما وضعها شقران (6) ولم يكن عن اتفاق من الصحابة.
(ويجب استقباله) أي الميت (القبلة) لقوله صلى الله عليه وسلم في الكعبة: "قبلتكم أحياء وأمواتًا"(7) ولأنه طريقة المسلمين بنقل الخلف عن السلف، وينبغي أن يدنى من الحائط، لئلا ينكب على وجهه، ويتعاهد خلال اللبن بسده بالمدر ونحوه، ثم يطيَّن فوقه، لئلا ينتخل عليه التراب.
وسن حثو التراب عليه ثلاثًا باليد، ثم يهُال عليه التراب، لحديث أبي هريرة قال فيه: "فحثي عليه من قبل رأسه
(1) ذكر في "معونة أولي النهى"(2/ 484).
(2)
المصدر السابق (2/ 484).
(3)
المضرَّبة: كساء أو غطاء كاللحاف ذو طاقين مخيطين خياطة كثيرة بينهما قطن ونحوه. "المعجم الوسيط"(1/ 537).
(4)
الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الثوب الواحد يُلقى تحت الميت في القبر (3/ 357). ضعيف. ينظر:"إرواء الغليل"(3/ 196).
(5)
قال في "إرواء الغليل"(3/ 197): لم أقف على سنده. اهـ
(6)
الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر (3/ 356).
وفي صحيح مسلم، كتاب الجنائز (2/ 666) عن ابن عباس: جعل في قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء.
(7)
أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم (3/ 295)، حديث حسن. ينظر:"إرواء الغليل"(3/ 154).
ثلاثًا" (1) رواه ابن ماجه.
ولا يجوز أن يوضع الميت على الأرض، ويوضع فوقه حبال (2) من تراب، أو يبنى عليه بناء، لأنه ليس بدفن.
وسن تلقينه بعد الدفن عند القبر، لحديث أبي أمامة الباهلي قال:"قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب، فليقم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قائمًا، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك اللَّه، ولكن لا تسمعون، فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا. شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا. فإن منكرًا ونكيرًا يقولان: ما يقعدنا عنده وقد لُقِّنَ حجته. قال رجل: يا رسول اللَّه فإن لم يعرف اسم أمه؟ قال: فلينسبه إلى حواء" (3) رواه أبو بكر عبد العزيز في "الشافي" ويؤيده حديث: "لقنوا موتاكم لا إله إلا اللَّه" (4) وظاهره: لا فرق بين الصغير وغيره، بناء على نزول الملكين إليه، ورجحه في "الإقناع" (5) وصححه الشيخ تقي الدين (6)، وخصه بعضهم بالمكلف (7).
(1) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في حثو التراب في القبر (1/ 499) صحيح. ينظر:"إرواء الغليل"(3/ 200).
(2)
الحَبْلُ: ما استدق من الرمل. قاله الثعالبي في "فقه اللغة"(ص 432).
(3)
الطبراني في "الكبير"(8/ 298). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 45): في إسناده جماعة لم أعرفهم. اهـ وقال ابن القيم في "الزاد"(1/ 523): حديث لا يصح رفعه. اهـ وقال ابن مفلح في "الفروع"(2/ 275): ضعيف. اهـ
(4)
تقدم تخريجه (ص 380).
(5)
"الإقناع"(1/ 232).
(6)
"الإنصاف"(6/ 231).
(7)
قاله القاضي وابن عقيل. ينظر: "الفروع"(2/ 276).
وسن الدعاء للميت بعد الدفن عند القبر، نصًّا (1)، فعله عليّ (2)، والأحنف بن قيس (3)، لحديث عثمان: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال:"استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل"(4). رواه أبو داود. وفعله أحمد جالسًا (5)، واستحب الأصحاب وقوفه (6).
وسن رش القبر بماء، بعد وضع الحصباء عليه، لما روى جعفر بن محمد، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم على قبر ابنه إبراهيم ماء، ووضع علي الحصباء (7). رواه الشافعي.
وسن رفعه قدر شبر، ليعلم أنه قبر، فيُتوقَّى، ويترحم على صاحبه.
(وكره بلا حاجة جلوس تابعها) أي الجنازة (قبل وضعها) على الأرض للدفن، كما تقدم (8).
(و) كره (تجصيص قبر، وبناء، وكتابة، ومشي وجلوس عليه) أي القبر وكره رفعه فوق شبر، وكره زيادة ترابه، نصًّا (9)، لحديث جابر مرفوعًا: نهي أن يُبنى على القبر أو يزاد
(1)"الفروع"(2/ 274).
(2)
ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، في الدعاء للميت بعدما يدفن ويسوى عليه (3/ 330).
(3)
ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، في الدعاء للميت بعدما يدفن ويسوى عليه (3/ 331).
(4)
أبو داود، كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف (3/ 550). قال الحاكم في "المستدرك" (1/ 370): صحيح. وأقره الذهبي. وقال النووي في "المجموع"(5/ 292): إسناده جيد. اهـ
(5)
"الفروع"(2/ 274).
(6)
المصدر السابق.
(7)
الشافعي في "المسند"(ص 360).
(8)
(ص 408).
(9)
"معونة أولي النهى"(2/ 491).
عليه (1). رواه أبو داود، والنسائي.
(و) كره (إدخاله) أي القبر (شيئًا مسته النار) كآجر، وكحل، وخشب، إلا لضرورة.
(و) كره (تبسُّمٌ، وحديث بأمر الدنيا عنده) أي: القبر، ووطء عليه، ولو بلا نعل، لحديث جابر مرفوعًا: نهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه (2). رواه مسلم والترمذي، وزاد:"وأن يكتب عليه"(3) وقال: حسن صحيح. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا قد اتكأ على قبر، فقال:"لا تؤذوا صاحب القبر"(4)، ولأن الحديث في أمر الدنيا والتبسم عنده غير لائق بالحال.
(وحَرُمَ دفن اثنين فأكثر في قبر) لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدفن كل واحد في قبر، ولا فرق بين المحارم (إلا لضرورة) أو حاجة، ككثرة الموتى بقتل أو غيره، فيجوز دفن اثنين فأكثر بقبر، للعذر.
وسن حجز بينهما بتراب، وأن يقدم إلى القبلة من يقدم إلى الإمام، لحديث هشام بن عامر قال:"شكي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كثرة الجراحات يوم أحد، فقال: احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر، وقدِّموا أكثرهم قرآنًا"(5) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
ويحرم دفن بمسجد، ونحوه، كمدرسة، لأنه لم يبن له، وينبش من
(1) أبو داود، كتاب الجنائز، باب في البناء على القبر (3/ 552)، والنسائي، كتاب الجنائز، الزيادة على القبر (4/ 86).
(2)
مسلم، كتاب الجنائز (2/ 667).
(3)
الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها (3/ 359).
(4)
رواه الطبراني في "الكبير" عن عمارة بن حزم. قال الهيثمي "المجمع"(3/ 61): وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام، وقد وثق. اهـ
(5)
تقدم تخريجه (ص 410).
دفن ويخرج، نصًّا (1)، ويحرم دفن في ملك غيره، ما لم يأذن مالك، ويباح نبش قبر حربي، لأن موضع مسجده صلى الله عليه وسلم كان قبورًا للمشركين، فأمر بنبشها، وجعلها مسجدًا (2)، ولا يباح نبش قبر مسلم مع بقاء رُمَّته (3)، إلا لضرورة، كأن دفن في ملك الغير بلا إذنه، والأولى له تركه إذن، وإن كُفن بغصب، نبش وأخذ مع بقائه، ليرد إلى مالكه، إن تعذر غرمه من تركته، وإلا لم ينبش لهتك حرمته، مع إمكان دفع الضرر بدونها.
ويجب نبش من دفن بلا غسل أمكن، تداركًا للواجب، ويجوز نبش ميت لغرض صحيح، كتحسين كفنه، لحديث جابر، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد اللَّه بن أبي بعدما دفن، فاخرجه، فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه (4). متفق عليه.
ويجوز نبشه، لنقله لبقعة شريفة، ومجاورة صالح، لما في "الموطأ" لمالك: أنه سمع غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة، ودفنا بها (5)، إلا شهيدًا دفن بمصرعه، فلا يجوز نقله، لحديث جابر مرفوعًا:"ادفنوا القتلى في مصارعهم"(6).
وإن ماتت حامل بمن ترجى حياته، حرم شق بطنها للحمل، مسلمة كانت أو ذمية، لأنه هتك حرمة متيقنة، لإبقاء حياة متوهمة، إذ الغالب أن
(1)"الفروع"(2/ 279).
(2)
البخاري، كتاب الصلاة، باب هل تنش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد (1/ 111) من حديث أنس.
(3)
الرمة: العظام البالية، وتجمع على رمم. "المصباح المنير"(1/ 327).
(4)
تقدم (ص 396).
(5)
مالك في "الموطأ"، كتاب الجنائز، باب ما جاء في دفن الميت (1/ 232).
(6)
الترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء في دفن القتيل في مقتله (4/ 215) و"مسند أحمد"(3/ 308).
الولد لا يعيش، واحتج أحمد (1)، بحديث عائشة مرفوعًا:"كسر عظم الميت ككسر عظم الحي"(2) رواه أبو داود، وأخرج النساء من ترجى حياته، فإن تعذر عليهن إخراجه لم تدفن حتى يموت، ولا يوضع عليه ما يموته، وإن خرج بعضه حيًّا شق للباقي، فإن مات قبل إخراجه، أخرج ليغسل ويكفن، ولا يشق بطنها، فإن تعذر إخراجه غسل ما خرج منه، لأنه في حكم السقط، ولا تيمم للباقي، لأنه حمل، وصلي عليه معها، بشرط أن يكون له أربعة أشهر فأكثر.
وإن ماتت كافرة حامل بمسلم لم يصل عليها، ودفنها مسلم مفردة إن أمكن، وإلا فمعنا، وتدفن على جنبها الأيسر، مستدبرة القبلة، ليكون الجنين على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة.
(وأي قُربة فُعلت وجُعل ثوابها لمسلم) لا كافر (حي أو ميت نفعـ) ـتـ (ـه) كالدعاء، والاستغفار، وواجب تدخله النيابة، وصدقة التطوع إجماعًا (3)، وكذا العتق، وحج التطوع، والقراءة، والصلاة، والصيام. قال أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير، من صدقة، أو صلاة، أو غيره، للأخبار (4). ومنها ما روى أحمد، أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك"(5). وروى أبو جعفر عن الحسنين أنهما كانا يعتقان عن علي بعد موته (6)، وأعتقت عائشة عن
(1) معونة أولي النهى (2/ 508).
(2)
أحمد (6/ 58، 168)، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في الحفار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان (3/ 544)، وابن ماجه، الجنائز، باب النهي عن كسر عظم الميت (1/ 516). صحيح. ينظر:"إرواء الغليل"(3/ 214).
(3)
"الإنصاف"(6/ 260).
(4)
"معونة أولي النهى"(2/ 541).
(5)
أحمد في "المسند"(2/ 182).
(6)
ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، ما تبع الميت بعد موته (3/ 388).
أخيها عبد الرحمن بعد موته، ذكره ابن المنذر (1).
ولا يشترط في الإهداء، ونقل الثواب، نيته به ابتداء، بل يتجه حصول الثواب له قبل ابتداء بالنية له قبل الفعل، وظاهره لا يشترط أن يقول: إن كنت أثبتني على هذا فاجعل ثوابه لفلان، ولا يضر كونه أهدى ما لا يتحقق حصوله، لأنه يظنه ثقة بوعد اللَّه، وحسنًا للظن، ولو صلى فرضًا وأهدى ثوابه لميت، لم يصح في الأشهر، وإهداء القرب مستحب، قال في "الفنون" والمجد: حتى للنبي صلى الله عليه وسلم (2).
روى البيهقي، عن ابن مسعود، وعائشة، أن "موت الفجاءة راحة للمؤمن، وأخذة آسفٍ للفاجر"(3) ورواه مرفوعًا -أيضًا-.
(وسن لرجال زيارة قبر مسلم) نصًا (4)، ذكرًا كان أو أنثى، لحديث:"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الموت"(5) وللترمذي:
(1) وذكره السيوطي في "شرح الصدور"(ص 309).
(2)
"الإنصاف"(6/ 262) قال شيخ الإسلام -كما في "الاختيارات"(ص 138): - ولا يستحب إهداء القرب للنبي صلى الله عليه وسلم، بل هو بدعة، هذا الصواب المقطوع به. . اهـ
(3)
أبو داود كتاب الجنائز، باب موت الفجأة (3/ 481) عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والبيهقي، كتاب الجنائز، باب في موت الفجأة (3/ 379).
قال المنذري في "مختصر السنن"(4/ 282): وقد روي هذا الحديث من حديث عبد اللَّه بن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وعائشة. وفي كل منها مقال. وقال الأزدي: ولهذا الحديث طرق، وليس فيها صحيح عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. هذا آخر كلامه.
وحديث عبيد -هذا- الذي أخرجه أبو داود: رجال إسناده ثقات. والوقف فيه لا يؤثر، ؤإن مثله لا يؤخذ بالرأي، فكيف وقد أشده الراوي مرة. واللَّه أعلم. اهـ
وقال الخطابي في "المعالم"(4/ 282): الأسف: الغضبان. ومن هذا قوله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} ومعناه -واللَّه أعلم- أنهم فعلوا ما أوجب الغضب عليهم، والانتقام منهم. اهـ.
(4)
"الإنصاف"(6/ 264).
(5)
البيهقي، جماع أبواب البكاء على الميت، باب سياق أخبار تدل على جواز البكاء بعد =
"فإنها تذكر الآخرة"(1)، وهذا التعليل يرجح أن الأمر للاستحباب، وإن كان واردًا بعد الحظر.
(و) سن (القراءة عنده)(2) أي القبر والذكر (و) فعل (ما يخفف عنه) أي الميت (ولو بجعل جريدة رطبة في القبر) للخبر (3)، وأوصى به بريدة، ذكره البخاري (4). وسن أن يقف زائر قريبًا منه عرفًا.
وتباح زيارة مسلم لقبر كافر، ولا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يقول: أبشر بالنار، وقوله تعالى:{وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} (5) المراد به عند أكثر المفسرين: الدعاء والاستغفار له (6).
= الموت (4/ 70).
وأصله عند مسلم، كتاب الأضاحي (3/ 1563) عن بريدة بن الحصيب بلفظ:"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".
(1)
الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور (3/ 361).
(2)
القراءة الدائمة بعد الدفن لم تكن معروفة عند السلف، ومن قال: إن الميت ينتفع بسماع القرآن ويؤجر على ذلك فقد غلط. قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى"(24/ 317). وينظر: "الاختيارات"(ص 136).
(3)
وهو حديث "أنه صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذبان. . . ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" البخاري، الجنائز، باب الجريدة على القبر (2/ 98) وقد تقدم.
قال ابن تيمية: إن الشجر والنبات يسبح ما دام أخضر، فإذا يبس انقطع تسبيحه، والتسبيح والعبادة عند القبر مما يوجب تخفيف العذاب .. "الاختيارات"(ص 136).
(4)
البخاري، كتاب الجنائز، باب الجريد على القبر (2/ 98) تعليقًا.
(5)
سورة التوبة، الآية:84.
(6)
ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير"(3/ 481): أن المفسرين قالوا: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت، وقف على قبره ودعا له. فنهي عن ذلك في حق المنافقين. وقال ابن جرير: معناه: لا تتولَّ دفنه، وهو من قولك: قام فلان بأمر فلان. اهـ
ينظر: "تفسير ابن جرير"(10/ 204) و"الجامع" للقرطبي (8/ 223) و"غرائب التفسير" =
وتكره زيارة القبور لنساء؛ لحديث أم عطية: نهينا عن زيارة القبور ولم يعزم علينا (1). متفق عليه، فإن علمن أنه يقع منهن محرم حرمت، إلا زيارتهن لقبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبري صاحبيه -رضوان اللَّه عليهما- فتسن، كرجال لعموم "من حج فزارني"(2) ونحوه.
ولا يمنع كافر من زيارة قبر قريبه المسلم، كعكسه.
(و) سن (قول زائر) لقبر (ومارٍّ به) أو بقبور: ("السلام عليكم دار قوم مؤمنين) أو يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين (وإنا إن شاء اللَّه بكم) لـ (لاحقون، يرحم اللَّه المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل اللَّه لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)(3) للأخبار، وقوله: إن شاء اللَّه، للتبرك أو في الموت على الإسلام، أو في الدفن عندهم، ونحوه مما أجيب به، إذ الموت محقق فلا يعلق بأن.
ويخير في السلام على حي بين تعريف وتنكير، لصحة النصوص بهما،
= للكرماني (1/ 461) و"فتح القدير"(2/ 408).
وقد أخرج الطبراني والبزار -كما في "مجمع الزوائد"(1/ 117، 118) -: عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: "حيثما مررت بقبر كافر، فبشره بالنار" قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. اهـ وينظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة"(1/ 56).
(1)
الذي في الصحيحين بلفظ: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا" البخاري، الجنائز، باب اتباع النساء للجنائز (2/ 87) ومسلم، في الجنائز (2/ 646) وفي الباب: حديث ابن عباس مرفوعًا: "لعن اللَّه زوارات القبور" رواه أصحاب السنن وهو صحيح. ينظر: "إرواء الغليل (3/ 232). وعن الإمام أحمد رواية أخرى وهي: لا تكره زيارة القبور للنساء. وعنه ثالثة: تحرم، كما لو علمت أنه يقع منها محرم. وهو ظاهر كلام ابن تيمية رحمه الله ينظر: "الإنصاف" (6/ 266) و"الاختيارات" (ص 139).
(2)
الدارقطني، كتاب الحج (2/ 278) والبيهقي، كتاب الحج، باب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم (5/ 246) وقال: تفرد به حفص -يعني ابن سليمان- وهو ضعيف، ينظر:"الصارم المنكي" لابن عبد الهادي (ص 86).
(3)
مسلم، كتاب الطهارة (1/ 218)، وكتاب الجنازة (2/ 670).
وهو سنة عين من منفرد، ومن اثنين فأكثر سنة كفاية، لحديث:"أفشوا السلام"(1) وما بمعناه، والأفضل أن يسلموا كلهم، ولا يجب إجماعًا (2)، ويكره في الحمام، وعلى من يأكل، أو يقاتل، أو يبول، أو يتغوط، أو يخطب، أو يتلو، أو يذكر، أو يلبي، أو يحدِّث، أو يعظ، أو يستمع لهم، أو يقرر فقهًا، أو يدرس، أو يبحث في العلم، أو يؤذن، أو يقيم، أو يتمتع بأهله، أو يشتغل بالقضاء ونحوهم.
ورده إن لم يكره ابتداؤه: فرض كفاية، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا تعين عليه، ومن سلم في حالة لا يستحب فيها السلام، لم يستحق جوابًا.
ورد السلام سلام حقيقة، لأنه يجوز بلفظ سلام عليكم، ولا تجب زيادة الواو فيه، وفي "الإقناع" (3) تجب. ولا تسن زيادة على: ورحمة اللَّه وبركاته، في ابتداء ورد، وتجوز زيادة أحدهما على الآخر، والأولى لفظ الجمع، وإن كان المسلَّم عليه واحدًا، ولا يسقط برد غير المسلم عليه، ومن بُعث معه السلام بلَّغه وجوبًا إن تحمله، ويجب الرد عند البلاغ. ويستحب أن يسلم على الرسول، فيقول: عليك وعليه السلام، كتشميت عاطس حمد اللَّه تعالى، وكإجابته لمن شمته، فكل منهما فرض كفاية، لأن التشميت تحية، فحكمه كالسلام، ولهذا لا يشمت الكافر، كما لا يبتدأ بالسلام، فيقال لعاطس حمد اللَّه: يرحمك اللَّه، أو يرحمكم اللَّه، ويجيب بقوله: يهديكم اللَّه ويصلح بالكم، أو يغفر اللَّه لنا ولكم، فإن لم يحمد لم يشمت، لحديث أبي هريرة:"فإذا عطس أحدكم فحمد اللَّه، فحق على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك اللَّه"(4). ولا يشمت أكثر من ثلاث في مجلس واحد، والاعتبار
(1) مسلم، كتاب الإيمان (1/ 74).
(2)
"معونة أولي النهى"(2/ 534).
(3)
"الإقناع"(1/ 239).
(4)
البخاري، كتاب الأدب، باب إذا تثاوب فليضع يده على فيه (7/ 125). وفي "صحيح مسلم" كتاب الزهد والرقائق (4/ 2292) عن أبي موسى، نحوه.
بفعل التشميت، لا بعدد العطسات، ويعلَّم صغير الحمد للَّه إذا عطس، ثم يقال له: يرحمك اللَّه، أو بورك فيك، ومن عطسى فلم يحمد، فلا بأس بتذكيره.
ويسمع الميت الكلام، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالسلام عليهم (1)، ولم يكن ليأمر بالسلام على من لا يسمع. وقال الشيخ تقي الدين: استفاضت الآثار بمعوفة الميت بأحوال أهله، وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الآثار بأنه يرى -أيضًا- وبأنه يدريَ بما فعل عنده، ويُسَرُّ بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا (2). ويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس (3). وفي "الغنية" (4): يعرفه كل وقت وهذا الوقت آكد. وقال ابن القيم: الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء علم به المزور، وسمع سلامه وأنس به ورد عليه، وهذا عام في حق الشهداء وغيرهم، وأنه لا توقيت في ذلك، وهو أصح من أثر الضحاك الدال على التوقيت (5)، انتهى.
يشير إلى ما روي عن الضحاك قال: من زار قبرًا يوم السبت، قبل طلوع الشمس، علم الميت بزيارته، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: [لمكان يوم الجمعة. و](6) لما روى ابن أبي الدنيا، عن محمد بن واسع قال: بلغني أن الموتى يعلمون من زارهم يوم الجمعة، ويومًا قبله، ويومًا بعده (7).
(1) ينظر الصفحة السابقة.
(2)
"الاختيارات"(ص 135، 136)"مجموع الفتاوى"(24/ 362 - 365 و 368 - 370 و 374 - 376).
(3)
قاله أحمد. كما في "الفروع"(2/ 301).
(4)
نقله عنه في "الفروع"(2/ 301).
(5)
رواه ابن أبي الدنيا -كما في "الروح" لابن القيم (1/ 172).
(6)
ما بين معقوفين سقط من الأصل، والمثبت من "زاد المعاد" و"الروح" (1/ 173) ينظر إسناده في:"زاد المعاد"(1/ 415).
(7)
ساقه بإسناد ابن أبي الدنيا: ابن القيم في "زاد المعاد"(1/ 416) وأخرجه البيهقي في =
وسن لمصاب بموت نحو قريب أن يسترجع، فيقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها. وقال الآجري وجماعة: ويصلي ركعتين (1)، قال في "الفروع" (2): وهو متجه فعله ابن عباس وتلى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} (3).
(وتعزية) المسلم (المصاب بالميت سنة) ولو كان صغيرًا، قبل دفن، وبعده، لحديث:"ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه اللَّه عز وجل من حلل الجنة"(4). رواه ابن ماجه، وعن ابن مسعود مرفوعًا: "من عزى مصابًا فله كمثل أجره (5). رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: غريب.
وتحرم تعزية كافر، والتعزية: التسلية، والحث على الصبر، والدعاء للميت والمصاب (6). وتكره تعزية رجل لشابة، مخافة الفتنة.
والتعزية إلى ثلاثة أيام بلياليهن، فلا يعزى بعدها، لأنها مدة الإحداد المطلق. قال المجد (7): إلا إذا كان غائبًا، فلا بأس بتعزيته إذا حضر. فيقال في تعزية مسلم مصاب بمسلم: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاك، وغفر
= "الشعب".
(1)
نقله عنه في "الفروع"(2/ 286).
(2)
"الفروع"(2/ 286).
(3)
سورة البقرة، الآية:45.
رواه ابن جرير في "التفسير"(1/ 260).
(4)
ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عزى مصابًا (1/ 511). قال في "الزوائد" هذا إسناد فيه مقال. . . اهـ
(5)
الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في أجر من عزى مصابا (3/ 376)، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عزى مصابًا (1/ 511) وقال الترمذي: حديث غريب. ينظر: "إرواء الغليل"(3/ 217).
(6)
"المصباح المنير"(2/ 559) و"معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية"(1/ 473).
(7)
نقله في "الفروع"(2/ 293).
لميتك. ولمسلم مصاب بكافر: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاك، لأن الغرض الدعاء للمصاب وميته، إلا إذا كان كافرًا فيمسك عن الدعاء له، والاستغفار، لأنه منهي عنه (1)، وكره تكرار التعزية، نصًّا (2)، وكره جلوس لها (3)، ويَرُدُّ معزى على من ىاه بقوله: استجاب اللَّه دعاءك، ورحمنا وإياك.
وسن أن يصلح لأهل الميت طعام، يبعث به إليهم، ثلاثًا، لحديث:"اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم"(4). رواه أبو داود، والترمذي، وحسنه. ولا يصلح الطعام لمن يجتمع عند أهل الميت، فيكره، لأنه إعانة على مكروه، وهو الاجتماع عندهم. قال أحمد: هو من أفعال الجاهلية، وأنكره شديدًا (5). ولأحمد وغيره وإسناده ثقات عن جرير: كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة (6). كما يكره فعل أهل الميت ذلك للناس.
(1) قال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} التوبة: 113.
(2)
"الفروع"(2/ 294).
(3)
قال المجد ابن تيمية في "شرح الهداية": وعندي أن جلوس أهل المصيبة من الرجال والنساء بالنهار في مكان معلوم، ليأتيهم من يعزيهم مدة الثلاث، لا بأس به. اهـ نقلًا عن "النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر لمجد الدين ابن تيمية" لشمس الدين ابن مفلح (1/ 208).
(4)
أبو داود، كتاب الجنائز، باب صنعة الطعام لأهل الميت (3/ 497)، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يصنع لأهل الميت (3/ 314) عن عبد اللَّه بن جعفر. قال الترمذي: حسن صحيح.
(5)
"الفروع"(2/ 296).
(6)
أحمد في "المسند"(2/ 204) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت (1/ 514) وصححه النووي في "المجموع" (5/ 271). وقال ابن مفلح في "الفروع" (2/ 296): إسناده ثقات.
ويكره ذبح عند قبر، وأكل منه، لحديث أنس:"لا عقر في الإسلام"(1). رواه أحمد، وأبو داود، قال أحمد: كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورًا، فنهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك (2). وفي معنى الذبح عنده: الصدقة عنده، فإنه محدث، وفيه رياء، قاله الشيخ منصور في "شرح المنتهى"(3)، انتهي.
(ويجوز البكاء عليه) أي الميت قبل موته، وبعده، للأخبار، وأخبار النهي محمولة على بكاء معه ندب أو نياحة (4). قال المجد (5): أو أنه كره كثرة البكاء والدوام عليه.
(1) أحمد في "المسند"(3/ 197)، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب كراهية الذبح عند القبر (3/ 216). قال ابن مفلح في "الفروع" (2/ 296): صحيح. اهـ
(2)
"الفروع"(2/ 297).
(3)
"شرح منتهى الإرادات"(1/ 359).
(4)
الأخبار الدالة على الجواز كثيرة، منها ما رواه البخاري في "صحيحه" كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض (2/ 85) ومسلم، كتاب الجنائز (2/ 636) أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على سعد بن عبادة، وهو في غاشيته، فبكى، وبكى أصحابه، وقال:"ألا تسمعون؟ إن اللَّه لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه، أو يرحم".
وفي البخاري (2/ 93) عن أنس قال: شهدنا بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جالس على القبر، فرأيت عيناه تدمعان.
وروى أصحاب السنن عن عائشة: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل. صححه في "الشرح الكبير"(6/ 133).
وأخبار النهي، منها: عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الميت يعذب في قبره بما نيح عليه". أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة (2/ 82) ومسلم، الجنائز (2/ 639).
(5)
"الفروع"(2/ 289).