الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في صلاة الاستسقاء
(و) تسن صلاة (استسقاء) وهو الدعاء بطلب السُّقيا (1)، وتسن حتى بسفر (إذا أجدبت الأرض) أي أمحلت. يقال: أجدب القوم: إذا أمحلوا (2)(و) ضرهم (قحط المطر) أي احتباسه، أو ضرهم غور ماء عيون أو أنهار، ووقتها كعيد، فتسن أول النهار، وتجوز كل وقت، غير وقت نهي (وصفتها وأحكامها كـ) صلاة (عيد).
قال ابن عباس: الاستسقاء سنة كالعيدين (3)، فتسن قبل الخطبة، بصحراء قريبة عرفًا، بلا أذان ولا إقامة، ويقرأ في الأولى جهرًا بسبح، وفي الثانية بالغاشية، ويكبر في الأولى ستًّا زوائد، وفي الثانية خمسًا قبل القراءة، قال ابن عباس: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، كما يصلي في العيدين. (4) قال الترمذي: حسن صحيح.
(وهي والتي قبلها) أي: صلاة الكسوف (جماعة أفضل) عملًا بالسنة (وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس) أي ذكرهم ما تلين به قلوبهم، وخوَّفهم من عواقب الذنوب (وأمرهم بالتوبة) أي: الرجوع عن المعاصي (و) أمرهم بـ (الخروج من المظالم) بردها إلى مستحقيها، قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. . .} (5) الآية (و) أمرهم بـ (ترك التشاحن) من الشحناء، وهي العداوة، لأنها تحمل على
(1)"المطلع"(ص 110).
(2)
"القاموس"(ص 84).
(3)
أخرجه البيهقي كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدليل على أن السنة في صلاة الاستسقاء السنة في صلاة العيدين (3/ 348).
(4)
الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الاستسقاء (2/ 445).
(5)
سورة الأعراف، الآية:96.
المعصية، وتمنع نزول الخير، بدليل حديث:"خرجت أخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت"(1)(و) أمرهم بـ (الصيام) لخبر "الصائم دعوته لا تُرد"(2) زاد بعضهم: ثلاثة أيام (3). وأنه يخرج صائمًا، (و) أمرهم بـ (الصدقة) لتضمنها الرحمة، فيرحمون بنزول الغيث.
ولا يلزم الصيام ولا الصدقة بأمر الإمام (ويعِدُهم) أي الإمام (يومًا يخرجون فيه) أي: يعينه لهم، ليتهيئوا للخروج فيه على الصفة المسنونة، (ويخرج) إمام وغيره (متواضعًا متخشعًا) خاضعًا (متذللًا) من الذل أي الهون (متضرعًا) مستكينًا، لحديث ابن عباس: خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متذللًا، متواضعًا، متخشعًا، متفرعًا، حتى أتى المصلى (4). قال الترمذي: حسن صحيح (متنظفًا) لها بالغسل، وتقليم الأظفار، وإزالة الرائحة الكريهة، لئلا يؤذي الناس (لا متطيبًا) لأنه يوم استكانة وخضوع (ومعه) أي الإمام (أهل الدين والصلاح والشيوخ) لسرعة إجابة دعوتهم (و) معه (مميز الصبيان) لأنه لا ذنب لهم، فدعاؤهم مستجاب.
وأبيح خروج طفل، وعجوز، وبهيمة؛ لأنهم خلق اللَّه، وعياله، وتوسل بالصالحين (5) رجاء الإجابة، واستسقى عمر
(1) البخاري، الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (1/ 27).
(2)
لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم" أخرجه الترمذي، صفة الجنة، باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها (4/ 672).
(3)
"الإنصاف"(5/ 415).
(4)
أبو داود، كتاب الصلاة، جماع أبواب صلاة الاستسقاء (1/ 688، 689) الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء (2/ 445)، النسائي، كتاب الاستسقاء، باب جلوس الإمام على المنبر للاستسقاء (3/ 156، 157)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء (1/ 403).
(5)
هذا التوسل: توسلٌ بدعاء الصالحين الأحياء. كما توسل عمر رضي الله عنه بالعباس =
بالعباس (1)، ومعاوية بيزيد بن الأسود (2)، واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى (3) ذكره الموفق (4)، (فيصلي) الإمام بمن حضر ركعتين كالعيد، وتقدم (ثم يخطب) خطبة (واحدة) على المنبر، والناس حوله جلوس، لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم غيره (يفتتحها) أي الخطبة (بالتكبير) تسعًا نسقًا (كخطبة عيد) لقول ابن عباس: صنع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالاستسقاء كما صنع بالعيد (5)(ويكثر فيها الاستغفار) لقوله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} (6)، (و) يكثر فيها قراءة (الآيات التي فيها الأمر به) أي الاستغفار كقوله تعالى:{وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ. . .} (7) الآية، (ويرفع يديه) في دعائه، لقول أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فكان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه (8). متفق عليه، (وظهورهما نحو السماء)(9) لحديث مسلم، (فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ومنه: "اللهم) أي يا اللَّه (اسقنا) بوصل الهمزة،
= وهو حي موجود.
ينظر: "قاعدة في التوسل" لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(1)
البخاري، الكسوف، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء (2/ 16).
(2)
أخرجه ابن سعد في "الطبقات"(7/ 444) والفسوي في "المعرفة والتاريخ"(2/ 380) وأبو زرعة في "تاريخه"(1/ 602)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(65/ 112) والذهبي في "سير أعلام النبلاء"(4/ 137).
(3)
المصادر السابقة.
(4)
"المغني"(3/ 347).
(5)
تقدم (ص 368).
(6)
سورة نوح، الآيتان: 10، 11.
(7)
سورة هود، الآية:52.
(8)
البخاري، كتاب الاستسقاء، باب رفع الإمام يده في الاستسقاء (2/ 21) ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، (2/ 612).
(9)
مسلم، في الموضع السابق.
وقطعها (غيثًا) أي مطرًا، ويسمى الكلأ -أيضًا- غيثًا. (مُغيثًا) منقذًا من الشدة، يقال: غاثه وأغاثه (إلى آخره) أي إلى آخر الدعاء (1)، وهو: هنيئًا -بالمد- حاصلًا بلا مشقة، مريئًا -بالمد أيضًا- أي سهلًا، نافعًا محمود العاقبة. غدقًا -بفتح الغين المعجمة وكسر الدال المهملة وفتحها- أي كثير الماء واخير، مجللًا أي يعم العباد والبلاد نفعًا، سحًّا، أي: صبًّا، يقال: سح، يسحُّ، إذا ساح من فوق إلى أسفل، وساح يسيح إذا جرى على وجه الأرض (2)، عامًّا -بتشديد الميم- أي شاملًا، طبقًا -بالتحريك- أي يطبق البلاد مطره، دائمًا، أي: متصلًا إلى الخصب.
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، أي: الآيسين من الرحمة، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم إنَّ بالعباد والبلاد من اللأواء أي: الشدة، والجَهد -بفتح الجيم وضمها- الطاقة، قاله الجوهري (3) وقال ابن منجَّى (4): هي المشقة. وعلى قول ابن منجي هو بفتح الجيم لا غير. والضنك: الضيق، أي شدة وضنكًا لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت -بقطع الهمزة- لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا، أي دائمًا (5). وفي الباب غيره.
(1) قال الأزهري في "تهذيب اللغة"(3/ 411): وقال الأصمعي: سح الماء يُسحّ سحًّا، إذا سال من فوق. وساح يسيح سيحًا إذا جرى على وجه الأرض.
(2)
"الصحاح"(2/ 460).
(3)
تقدمت ترجمته (ص 218).
(4)
"شرح منتهى الإرادات"(1/ 316).
(5)
ذكره الشافعي في "الأم"(1/ 287) عن ابن عمر.
وينظر "سنن البيهقي"(3/ 354، 356) لروايات أخرى.
ويكثر في الخطبة من الدعاء، ومن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، إعانة على الإجابة. وعن عمر: الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم (1). رواه الترمذي. وعن علي رضي الله عنه: ما من دعاء إلا بينه ويين السماء حجاب، حتى يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم انخرق الحجاب، واستجيب الدعاء، وإذا لم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم لم يستجب الدعاء (2). ويؤمِّن مأموم على دعاء إمامه كالقنوت، ويستقبل إمامٌ القبلة ندبًا في أثناء الخطبة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حوَّل رداءه (3). متفق عليه، فيقول سرًّا: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا. قال تعالى:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (4)، وقال تعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (5) ثم يحول رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن. نصًّا (6)، لفعله عليه الصلاة والسلام (7). رواه أحمد، وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وكذا الناس يحولون أرديتهم، ويتركونها، حتى ينزعوها مع ثيابهم، لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، أنهم غيروا الأردية، حتى عادوا، فإن سقوا في أول مرة، وإلا عادوا ثانيًا، وثالثًا؛ لأنه أبلغ في التضرع،
(1) الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (2/ 356).
(2)
ذكره ابن القيم في "جلاء الأفهام"(ص 225، 226) قال: والصواب موقوف.
(3)
البخاري، كتاب الاستسقاء، باب كيف حول النبي صلى الله عليه وسلم ظهره إلى الناس (2/ 20) ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، (2/ 611).
(4)
سورة غافر، الآية:60.
(5)
سورة البقرة، الآية:186.
(6)
"شرح منتهى الإرادات"(1/ 317).
(7)
أحمد في "المسند"(2/ 326) وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء (1/ 403).
ولحديث: "إن اللَّه يحب الملحِّين في الدعاء"(1).
وإن سقوا قبل خروجهم، فإن تأهبوا للخروج، خرجوا، وصلوها شكرًا للَّه تعالى، وسألوه المزيد من فضله، وإلا لم يخرجوا، وشكروا اللَّه تعالى، وسألوه المزيد من فضله.
وسن وقوف في أول مطر، وتوضؤ، واغتسال منه، وإخراج رحله وثيابه ليصيبها المطر، لحديث أنس:"أصابنا ونحن مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مطر، فحسر ثوبه، حتى أصابه من المطر، فقلنا: لمَ صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه"(2). رواه مسلم.
(وإن كُثر المطر حتى خيف) منه (سُنَّ قول: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظِّراب والآكام وبطون الأودية ومنايت الشجر") لما في "الصحيح"(3) أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوله. ولا يصلى له، والآكام كآصال، جمع: أكم، ككتب، واحدها أكمة، وهي ما علا من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلًا، وكان أكثر ارتفاعًا مما حوله (4) والظراب جمع ظرب -بكسر الراء- أي الرابية الصغيرة (5)، وبطون الأودية: الأماكن المنخفضة، ومنابت الشجر: أصولها، لأنه أنفع لها ({رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ. . .} (6) الآية)،
(1) البيهقي في "شعب الإيمان"(3/ 309، 310) عن عائشة. قال البيهقي عقبه: هكذا قال: "حدثنا الأوزاعي" وهو خطأ. اهـ
وقال أبو حاتم في "علل الحديث"(2/ 199) هذا حديث منكر، نرى أن بقية دلَّسه عن ضعيف عن الأوزاعي.
(2)
مسلم، صلاة الاستسقاء، (2/ 615).
(3)
البخاري، كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة (1/ 224)، ومسلم كتاب الاستسقاء، (2/ 612).
(4)
"القاموس المحيط"(ص 1391) و"المطلع"(ص 113).
(5)
"القاموس المحيط"(ص 142) و"المطلع"(ص 113).
(6)
سورة البقرة، الآية:286.
لأنه يناسب الحال، أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق.
وسن لمن مُطر قول: مُطرنا بفضل اللَّه ورحمته. لأنه اعتراف بنعمة اللَّه، ويحرم قول: مُطرنا بنوء كذا، لأنه كفر بنعمة اللَّه، كما يدل عليه خبر "الصحيحين" (1) ويباح: في نوء كذا. لأنه لا يقتضي الإضافة للنوء.
ومن رأى سحابًا، أو هبت ريح، سأل اللَّه خيره، وتعوذ من شره، ولا سأل سائل ولا تعوذ متعوذ بمثل المعوذتين، ولا يَسبُّ الريح العاصف. وإذا سمع الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ولا يتبع بصره للبرق، للنهي عنه (2)، ويقول إذا انقضَّ كوكب: ما شاء اللَّه لا قوة إلا باللَّه، وإذا سمع نهيق حمار، ونباح كلب استعاذ باللَّه من الشيطان الرجيم، وإذا سمع صياح الديك سأل اللَّه من فضله، وقوس قزح أمان لأهل الأرض من الغرق، كما في الأثر (3) وهو من آيات اللَّه تعالى، ودعوى العامة إذا غلبت حمرته كانت الفتن، وإن غلبت خضرته كان رخاء وسرورًا، هذيان، قاله ابن حامد في "أصوله" انتهى (4).
(1) وهو حديث زيد بن خالد الجهني، أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم (1/ 205) ومسلم، كتاب الإيمان، (1/ 83، 84).
(2)
لم أقف عليه.
(3)
أخرج البخاري في "الأدب المفرد" -مع الشرح- (2/ 235، 236) عن ابن عباس قال: "المجرَّة باب من أبواب السماء. وأما قوس قُزَح فأمان من الغَرَق بعد قوم نوح".
قال الشارح: مقصود المصنف بهذه الترجمة والأثر الإيماء إلى ضعف ما يروى في النهي عن أن يقال: قوس قزح. اهـ
قلت: النهي جاء في حديث عن ابن عباس: أخرجه أبو نعيم في "الحلية". (2/ 309) والخطيب في "تاريخ بغداد" ولفظه: "لا تقولن قوس قزح، فإن قزح: الشيطان، ولكن قولوا: قوس اللَّه، وهو أمان لأهل الأرض من الغرق" وفي إسناده: زكريا بن حكيم: ضعيف.
وأخرجه العقيلي في "الضعفاء"(2/ 89) في ترجمة زكريا، موقوفًا على ابن عباس.
(4)
نقله عنه ابن مفلح في "الفروع"(1/ 599).