الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس السابع والثلاثون بعد المائتين
[سورة ص]
مكية، وهي ثمان وثمانون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
{ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ
وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ (19)
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (29) } .
* * *
عن ابن عباس: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} ذي الشرف. وعن قتادة: {ذِي الذِّكْرِ} ، أي: ما ذكر فيه. قال ابن كثير: ولا منافاة بين القولين، فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير، والإعذار، والإنذار. وعن قتادة:{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} ، أي: في حميّة وفراق؛ قال: ها هنا وقع القَسَم.
وقوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} قال ابن عباس: ليس بحين تَرَوٍّ ولا فرار، ضُبِطَ القوم. وقال قتادة: نادى القوم على غير حين نداء، وأرادوا التوبة حين عاينوا عذاب الله، فلم يقبل منهم ذلك.
وقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} قال قتادة: يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم. {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ، قال: عجب المشركون أن دُعوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعًا إله
واحد؟ {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} . وعن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته. فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرفق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا قرب عمه فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول، وتقول. قال: فأكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدّي إليهم بها العَجَمُ الجزية» ! . ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة! (نعم وأبيك عشرًا)، فقالوا: وما هي؟ فقال أبو طالب: وأيّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: «لا إله إلا الله» . قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ! قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: {لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} .
وقوله تعالى: {وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} ، قال البغوي: أي: انطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب، ويقول بعضهم لبعض:{امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} ، أي: اثبتوا على عبادة آلهتكم، {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} ، أي: الأَمر يراد بنا، وذلك أن عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة لمكانه قالوا: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد لشيء يُراد بنا. وعن
ابن عباس قوله: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} ، يعني: النصرانية، فقالوا: لو كان هذا القرآن حقًا أخبرتنا به النصارى، وعن قتادة:{مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} أي: في ديننا هذا ولا في زماننا قطّ، {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} إلا شيء تخلّقه. وقال ابن زيد قالوا: إن هذا إلا كذب.
{أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} ، قال البغوي: القرآن، {مِن بَيْنِنَا} وليس بأكبرنا ولا أشرفنا؟ يقوله أهل مكة؛ قال الله عز وجل:{بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} ، أي: وحيي وما أنزلت، {بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} ، ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول. {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} ، يعني: نعمة ربك، يعني: مفاتيح النبوّة يعطونها من شاءوا؟ ونظيره: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} ، أي: نبوّة ربك؟ {الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} العزيز في ملكه، الوهّاب وهب النبوّة لمحمد صلى الله عليه وسلم، {أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} ، أي: ليس لهم ذلك، {فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} ، أي: إن ادّعوا شيئًا من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء، فليأتوا
منها بالوحي إلى من يختارون. قال مجاهد، وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء، وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز.
{جُندٌ مَّا هُنَالِكَ} أي: هؤلاء الذين يقولون هذا القول جند هنالك، (وما) صلة، {مَهْزُومٌ} مغلوب، {مِّنَ الْأَحْزَابِ} ، أي: من جملة الأجناد، يعني: قريشًا. قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم وهو بمكّة أنه سيهزم جند المشركين وقال: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إشارة إلى بدر ومصارعهم، {مِّنَ الْأَحْزَابِ} ، أي: من جملة الأحزاب. أي: هم من القرون الماضية الذين تحزّبوا وتجمّعوا على الأنبياء بالتكذيب، فقُهروا وأُهلكوا. انتهى.
عن ابن عباس: {وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ} ، قال: كانت ملاعب يلعب له تحتها. وقال مجاهد: كان يمدّ الرجل مستلقيًا على الأرض ثم يشدّ يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد. وعن قتادة: {إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} ، قال: هؤلاء كلّهم قد كذّبوا الرسل فحقّ عليهم العذاب، {وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} ، يعني: أمة محمد، {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} ، يعني: الساعة ما لها من رجوع ولا ارتداد، {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} ، أي: نصيبنا، حظّنا من العذاب قبل يوم القيامة، قال: قد قال ذلك أبو جهل: اللهم إن كان ما يقول محمد حقًّا فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم.
وقوله تعالى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ، يقول تعالى: اصبر يا محمد على ما يقول قومك، فإن الرفعة والعاقبة لك، كما كانت للرسل قبلك. وعن مجاهد قوله:{ذَا الْأَيْدِ} ، قال: ذا القوة في طاعة الله، {إِنَّهُ أَوَّابٌ} إنه رجاع عن الذنوب. وقال قتادة: كان مطيعًا لله كثير الصلاة. {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} ، قال: يسبّحن مع داود إذا سبّح بالعشيّ والإشراق، {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} مسخرة، {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} ، أي: مطيع.
…
{وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} ، قال ابن كثير: أي: جعلنا له ملكًا كاملاً من جميع ما يحتاج إليه
الملوك. وقال السدي: كان يحرسه كل يوم وليلة أربعة الآف،
{وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ} ، قال: النبوة، {وَفَصْلَ الْخِطَابِ} ، قال مجاهد: إصابة القضاء وفهمه.
عن قتادة: {وَلَا تُشْطِطْ} ، أي: لا تمل، {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ} إلى عدله وخيره. وعن وهب بن منبه:{إِنَّ هَذَا أَخِي} ، أي: على ديني {لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} قال ابن زيد: أعطنيها، طلقها لي أنكحها وخل سبيلها {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} قال: قهرني. وعن ابن عباس قوله: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ
تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} ، قال: إن داود قال: يارب قد أعطيت إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب من الذكر ما لوددت أنك أعطيتني مثله، قال: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم. قال: نعم. قال له: اعمل حتى أرى بلاءك، فكان ما شاء الله أن يكون، وطال ذلك عليه فكاد أن ينساه، فبينا هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة من ذهب فأراد أن يأخذها، فطارت إلى كوة المحراب فذهب ليأخذها فطارت، فاطلع من
الكوة فرأى امرأة تغتسل فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم من المحراب، فأرسل إليها فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته: أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرية أن يُؤَمِّره على السرايا ليهلك زوجها، ففعل، فكان يُصاب أصحابه وينجو، وربما نُصروا، وإن الله عز وجل لما رأى الذي وقع فيه داود، أراد أن يستنقذه ; فبينما داود ذات يوم في محرابه، إذ تسوّر عليه الخصمان من قبل وجهه، فلما رآهما وهو يقرأ فزع وسكت. وقال: لقد استضعفت في ملكي حتى إن الناس يتسوّرون عليّ محرابي، قالا له:{لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} ، ولم يكن لنا بد من أن نأتيك، فاسمع منا. قال أحدهما:{إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} أنثى، {وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} ، يريد أن يتمم بها مائة، ويتركني ليس لي شيء. {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} ، قال: إن دعوت ودعا كان أكثر، وإن بطشت وبطش كان أشد مني، فذلك قوله:{وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} ، قال له داود: أنت كنت أحوج إلى
نعجتك منه {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} إلى قوله: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} ونسي نفسه صلى الله عليه وسلم. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر، فرآه داود وظن أنما فتن، {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} . وعن عكرمة عن ابن عباس أنه قال في السجدة في ص:(ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها) . رواه البخاري وغيره.
وعن قتادة: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} الذنب، {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} أي: حسن مصير. قال ابن كثير: أي: وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله عز وجل بها وحسن مرجع. وهو الدرجات العالية في الجنة لنوبته وعدله التام في ملكه، كما جاء في الصحيح: «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه
يمين، الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا» . وعن السدي {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ} ملكه في الأرض {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} ، يعني: بالعدل، والإنصاف {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} ، أي: لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب.
قوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
(28)
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (29) } .
عن ابن عباس: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} ، قال: لا لثواب ولا لعقاب. {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} . وقال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة من الخير مثل ما تعطون، فنزلت هذه الآية:{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} ؟
قال ابن كثير: ولمّا كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة، والمآخذ العقلية الصريحة، قال تعالى:{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} ، أي: ذوو العقول. قال الحسن البصري: والله ما تَدَبُّرُه بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كلّه، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل.
* * *