الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس السادس والثلاثون بعد المائتين
{فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (157) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنْ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ (177) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ
الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182) } .
* * *
عن قتادة: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} يعني: مشركي قريش. قال ابن زيد: سلهم. وقال السدي: كانوا يعبدون الملائكة. قال ابن كثير: وقوله تبارك وتعالى: {أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ} أي: كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم! ؟ كقوله جل وعلا: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} .
وعن قتادة: {أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ} ، يقول: من كذبهم: {لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} ؟ يقول: كيف يجعل لكم البنين ولنفسه البنات؟ {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ} ، أي: عذر بيّن. وعن السدي في قوله: {سُلْطَانٌ مُّبِينٌ} ، قال: حجّة. {فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} .
{وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} ، قال مجاهد: قال كفار قريش: الملائكة بنات الله فسأل أبو بكر: من أمهاتهنّ؟ فقالوا بنات سروات الجنّ، {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} إنها ستحضر الحساب. وقال السدي: إن هؤلاء الذين قالوا هذا، {لَمُحْضَرُونَ} : لمعذبون.
قال ابن كثير: وقوله جلّت عظمته: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} ، أي: تعالى وتقدّس وتنزّه عن أن يكون له ولد، وعما يصفه به الظالمون الملحدون علوًّا كبيرًا.
وقوله تعالى: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} استثناء منقطع، وهو من مثبت إلا أن يكون الضمير في قوله تعالى:{عَمَّا يَصِفُونَ} عائدًا على الناس جميعهم، ثم استثنى منهم المخلَصين، وهم: المتّبعون للحقّ المنزل.
عن ابن عباس قوله: {مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} يقول: ما أنتم بفاتنين على أوثانكم أحدًا إلا من قد سبق له أنه صال الجحيم. وقال الحسن: ما أنتم عليه بمضلّين إلا من كان في علم الله أنه
سيصلى الجحيم. وعن السدي في قوله: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} ، قال الملائكة. وعن عائشة قالت: قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: «ما في سماء الدنيا موضع قدم إلا عليه ملك ساجد، أو قائم فذلك قول الملائكة: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} » . رواه ابن جرير.
وعن قتادة قوله: {وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنْ الْأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} ، قال: قد قالت هذه الأمة ذاك قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم: لو كان
عندنا ذكر من الأوّلين، لكنا عباد الله المخلَصين، فلما جاءهم محمد كفروا به. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ، وقال ابن عباس: لما جاء المشركون من أهل مكة ذكر الأوّلين وعلم الآخرين كفروا بالكتاب،
…
{فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} يقول: قد جاءكم محمد بذلك فكفروا بالقرآن، وبما جاء به محمد.
عن قتادة: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} ، قال: سبق هذا من الله لهم أن ينصرهم. وعن السدي في قوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ} ، يقول: بالحجج. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ} ، قال: حتى يوم بدر.
وقال ابن زيد في قوله: {وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} ، يقول: أنظرهم فسوف يبصرون ما لهم بعد اليوم، يقول: يبصرون يوم القيامة ما ضيّعوا من أمر الله، وكفرهم بالله ورسوله وكتابه؛ قال:(فأبْصِرْهُمْ)(وأَبْصِرْ) واحد. وقال البغوي: {وَأَبْصِرْهُمْ} إذا نزل بهم العذاب، {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} ، فقالوا: متى هذا العذاب؟ فقال الله عز وجل: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ} ، قال: وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم حين صبّح أهل خيبر: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» . ثم كرّر ما ذكر تأكيدًا لوعيد العذاب، فقال:{وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْ} العذاب إذا نزل بهم: {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} .
عن قتادة: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} ، أي: عما يكذبون، يسبّح نفسه إذا قيل عليه البهتان، {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إذا سلّمتم عليّ فسلّموا على المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين» . وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: من أحبّ أن يَكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه في مجلسه:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
* * *