الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال البغوي: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ} أدخل ذلك الماء، {يَنَابِيعَ} عيونًا وركايا فِي الأرْضِ. قال الشعبي: كل ماء في الأرض فمن السماء. {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ} أحمر، وأصفر، وأخضر. {ثُمَّ يَهِيجُ} ييبس {فَتَرَاه} بعد خضرته ونضرته {مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا} فتاتًا متكسرًا، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ} . {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ} وسعه لقبول الحق، {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} كمن قسى الله قلبه. {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ، قال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله عز وجل على قوم إلا نزع منهم الرحمة.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفمن شرح الله صدره للإِسلام فهو على نور من ربه» . قلنا: يا رسول الله كيف انشراح صدره؟ قال: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح» ! قلنا: يا رسول
الله وما علامة ذلك؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهّب للموت قبل نزول الموت» . رواه البغوي وغيره.
عن قتادة قوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف. وقال سعيد بن جبير: يشبه بعضه بعضًا، ويصدق بعضه بعضًا، ويدلّ بعضه على بعض. وعن ابن عباس قوله:
…
{مَّثَانِيَ} قال: كتاب الله مثاني، ثنى فيه الأمر مرارًا. وقال قتادة: ثنى الله فيه: الفرائض والقضاء والحدود. وقال ابن زيد: {مَّثَانِيَ} مردد، ردّد ذكر موسى في القرآن، وصالح، وهود، والأنبياء. وقال معمر: تلا قتادة رحمه الله: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} ، قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله عز وجل بأن تقشعرّ جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئنّ قلوبهم إلى ذكر الله
ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما هذا من أهل البدع، وهذا من الشيطان.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} . {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ} ، أي: شدّته يوم القيامة. قال مجاهد: يجرّ على وجهه في النار؛ ومجاز الآية: أفمن يتّقي بوجهه سوء العذاب كمن هو
آمن من العذاب؟ وقيل: يعني: تقول الخزنة للظالمين: {ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} ، أي: وباله. {كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من قبل كفار مكة، كذّبوا الرسل، {فَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} يعني: وهم آمنون غافلون عن العذاب {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ} العذاب والهوان {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا
…
يَعْلَمُونَ} .
عن مجاهد: {قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} غير ذي لَبْس. وقال ابن عباس: غير مختلف.
وقال ابن كثير: ويقول تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} ، أي: بيّنّا للناس فيه بضرب الأمثال، {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فإن المثل يقرّب المعنى إلى الأذهان. وقوله جلّ وعلا:{قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} أي: هو قرآن
بلسان عربيّ مبين، لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ولا لَبْس. بل هو بيان ووضوح وبرهان؛ وإنما جعله الله تعالى كذلك وأنزله بذلك، {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ، أي: يحذرون ما فيه من الوعيد ويعملون بما فيه من الوعد.
وعن قتادة: قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ} ، قال: هذا المشرك يتنازعه الشياطين. {وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ} ، قال: هو المؤمن أخلص الدعوة لله والعبادة. وقال ابن زيد: أرأيت الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون؟ كلهم سيِّئ الخلق، ليس منهم واحد إلا تلقاه آخذًا بطرف من مال لاستخدامه أسوأهم والذي لا يملكه إلا واحد، فإنما هذا مثل ضربه الله لهؤلاء الذين يعبدون الآلهة وجعلوا لها في أعناقهم حقوقًا، فضربه الله مثلاً لهم وللذي يعبده وحده {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} . قال البغوي: وهذا استفهام إنكار، أي: لا يستويان. ثم قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ، أي: لله الحمد كلّه دون غيره من المعبودين {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ما يصيرون إليه.
{إِنَّكَ مَيِّتٌ} أي: ستموت، {وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} ، أي: سيموتون، {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} ، قال ابن عباس: يعني:
المحقّ والمبطل، والظالم والمظلوم. قال ابن كثير: وقوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} ، هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصدّيق رضي الله عنه عند موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تحقق الناس موته، مع قوله عز وجل:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} .
* * *