الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن ابن عباس قوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، يقول: الله سبحانه هادي أهل السماوات والأرض، {مَثَلُ نُورِهِ} مثل هداه في قلب المؤمن، {كَمِشْكَاةٍ} ، قال: المشكاة كوّة البيت، {فِيهَا مِصْبَاحٌ} ، قال السدي: هو السراج، وقال أبيّ بن كعب: المصباح: النور. وهو: القرآن، والإيمان الذي في صدره، {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} وهي نظير قلب المؤمن، {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} مضيء، {يُوقَدُ مِن
شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} ، قال ابن عباس: هي شجرة وسط الشجر ليست من الشرق ولا من الغرب. وقال عكرمة لا يسترها من الشمس جبل ولا واد إذا طلعت وإذا غربت. وقال مجاهد: إذا طلعت الشمس أصابتها، وإذا غربت أصابتها.
{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} ، قال البغوي:{يَكَادُ زَيْتُهَا} دهنها {يُضِيءُ} من صفائه، {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} ، أي: قبل أن تصيبه النار. {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} ، يعني: نور المصباح على نور
الزجاجة. قال أبيّ بن كعب: هذا مثل المؤمن، فالمشكاة نفسه، والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله في قلبه من الإيمان والقرآن، {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} وهي: الإخلاص لله وحده.
وقال السدي في قوله تعالى: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} قال: نور النار، ونور الزيت، حين اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحبه كذلك نور القرآن، ونور الإيمان حين اجتمعا، فلا يكون واحد منهما إلَاّ بصاحبه.
{يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . قال ابن كثير: أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفّح. فأما القلب الأجرد: فقلب المؤمن سراجه فيه نور. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق عَرَفَ ثم أنكر، وأما القلب المصفّح: فقلب فيه كمثل القرحة يمدّها الدم والقيح، فأي المَدَّتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» . رواه أحمد.
قوله عز وجل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ
وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) } .
عن مجاهد في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ} ، قال: مساجد تبنى. وقال ابن عباس في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ} وهي: المساجد، كره ونهى عن اللغو فيها، ثم قال:{وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} ، يقول: يُتلى فيها كتابه. وعن الحسن في هذه الآية: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} ، قال: هم قوم في تجارتهم وبيوعهم لا تلهيهم تجاراتهم ولا بيوعهم عن ذكر الله.
وقوله تعالى: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . روى النسائي عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يُسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسَب سائر الخلائق» .
قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (40) } .
قال ابن كثير: هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار، كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين ناريًا ومائيًا، كما ضرب لما يقرّ في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين مائيًا وناريًا؛ فأما الأول من هذين المثلين فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركّب، فأما أصحاب الجهل البسيط وهم الطماطم الأغشام المقلَّدون لأئمة الكفر، الصم البكم الذين لا يعقلون فمثلهم كما قال تعالى:{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} . انتهى ملخصًا.
وقال أبيّ بن كعب: ثم ضرب الله مثلاً آخر فقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} ، قال: وكذلك الكافر يجيء يوم القيامة وهو يحسب أن له عند الله خيرًا، فلا يجد فيدخله النار. وعن ابن عباس قوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن
فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} إلى قوله: {مِن نُّورٍ} ، قال: يعني بالظلمات: الأعمال. وبالبحر اللجّي: قلب الإنسان. قال: {يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} ، قال:{ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} ، يعني بذلك: الغشاوة
التي على القلب والسمع والبصر، وهو كقوله تعالى:{خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} . وعن أبي بن كعب في قوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ} الآية، قال: ضرب مثلاً آخر للكافر، فهو يتقلّب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار.
وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} ، كقوله تعالى:{مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} .
قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه: {يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: من الملائكة، والأناسي، والجانّ، والحيوان حتى الجماد، كما قال تعالى:{يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} .
وقوله تعالى: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} ، أي: في حال طيرانها تسبّح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة، ولهذا قال تعالى:{كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} ، أي: كل قد أرشده إلى طريقته
ومسلكه في عبادة الله عز وجل؛ ثم أخبر أنه عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولهذا قال:{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} .
ثم أخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض فهو الحاكم المتصرف، الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلَاّ له ولا معقّب لحكمه {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} أي: يوم القيامة. فيحكم فيه بما شاء ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فهو الخالق المالك الإله الحكم في الدنيا والآخرة، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.
* * *