الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس الثاني عشر بعد المائتين
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (26) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا
تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) } .
* * *
عن قتادة: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ} ، خلق آدم عليه السلام من تراب:{ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} ، يعني: ذريته. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} ، خلقها لكم من ضلع من أضلاعه،
…
{وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} ، قال البغوي: وجعل بين الزوجين الموّدة والرحمة، فهما يتوادّان ويتراحمان، وما شيء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير رَحِمٍ بينهما:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في عظمة الله وقدرته.
قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} ، يعني: اختلاف اللغات من العربية والعجمية وغيرهما:
…
{وَأَلْوَانِكُمْ} ، أبيض، وأسود، وأحمر وأنتم ولد رجل واحد وامرأة واحدة، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} ، قرأ حفص بكسر اللام:
…
{وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ} ، أي: تصرّفكم
في طلب المعيشة: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} سماع نذير واعتبار.
قال ابن كثير: يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ} الدالة على عظمته أنه: {يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} ، أي: تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة وصواعق مقلقة، وتارة ترجون وميضه. وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه؛ ولهذا قال تعالى:{وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} ، وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة؛ ولهذا قال:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
وعن قتادة: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} قامتا بأمره من غير عَمَدٍ: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} ، قال: دعاهم فخرجوا من الأرض. وقال ابن عباس: من القبور. قال ابن كثير: ثم قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} ،
كقوله تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا} ؛ وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا اجتهد في اليمين قال: والذي تقوم السماء والأرض بأمره، أي: قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بدّلت الأرض غير الأرض والسماوات
، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم، ولهذا قال تعالى:{ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} ، وعن ابن عباس قوله:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} إلى: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} يقول: مطيعون، يعني: الحياة والنشور والموت وهم عاصون له فيما سوى ذلك من العبادة.
{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} ، يقول: كل شيء عليه هيّن. وقال عكرمة: تعجّب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت:
…
{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه. عن مجاهد قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} ، قال: الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هيّن. وعن ابن عباس قوله:{وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} ، يقول: ليس كمثله شيء. وعن قتادة: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} في السماوات والأرض، قال مَثَلُهُ إنه لا إله إلَاّ هو ولا رب غيره. {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
قال ابن كثير: هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره،
الجاعلين له شركاء من خلقه، وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له ملك له، كما كانوا يقولون: لبيّك لا شريك لك، إلَاّ شريكًا هو لك، تملكه وما ملك؛ فقال تعالى:{ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ} ، أي: تشهدونه وتفهمونه، {مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء} ، أي: أيرضى أحدكم أن يكون عبده شريكًا له في ماله؟ فهو وهو فيه على السواء.
…
{تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} ، أي: تخافون أن يقاسموكم الأموال. قال أبو مجلز: إن مملوكك لا يخاف أن يقاسمك مالك وليس له، كذلك الله
لا شريك له، والمعنى: أن أحدكم يأنف من ذلك فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟
{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ، قال البغوي: ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم. {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أشركوا بالله، {أهواءهم} في الشرك، {بِغَيْرِ عِلْمٍ} جهلاً بما كتب عليهم، {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} ، أي: أضله الله، {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} مانعين يمنعونهم من عذاب الله عز وجل. وقوله تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حنيفًا} ، أي: أخلص دينك لله حنيفًا، مائلاً إلى التوحيد مستقيمًا عليه.
قال ابن زيد في قوله: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} قال: الإسلام مُذ خلقهم الله من آدم جميعًا يقرّون بذلك، وقرأ:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا} ، قال: فهذا قول الله: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ} بعد. وعن يزيد بن أبي مريم قال: (مرّ عمر بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهنّ المنجيات: الإخلاص وهو: الفطرة، {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ، والصلاة وهي: الملّة، والطاعة وهي: العصمة. فقال عمر: صدقت) .
وقوله تعالى: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ، قال مجاهد: لدين الله. وقال البخاري قوله: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} دين الله خلق الأولين دين الأولين، الدين والفطرة الإسلام. ثم ذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله
قال البغوي: فمن حمل الفطرة على الدين قال: معناه لا تبديل لدين الله، وهو خبر بمعنى النهي، أي: لا تبدلوا دين الله. قال مجاهد، وإبراهيم: معنى الآية: الزموا فطرة الله. أي: دين الله، واتبعوه ولا تبدلوا التوحيد بالشرك {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} المستقيم {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} .
وقوله تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، يقول تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ} أنت يا محمد ومن اتبعك، {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} ، أي: راجعين إليه، {وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} بل كونوا من الموحدين المصلّين الطائعين. قال ابن جرير:{وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، يقول: ولا تكونوا من أهل الشرك بالله، بتضييعكم فرائضه، وركوبكم معاصيه، وخلافكم الدين الذي دعاكم إليه.
وقوله: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً} ، يقول: ولا تكونوا من المشركين الذين بدّلوا دينهم وخالفوه، {وَكَانُوا شِيَعاً} ، يقول: وكانوا أحزابًا فِرقًا كاليهود، والنصارى.
وقوله: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} ، يقول: كل طائفة وفرقة من هؤلاء الذين فارقوا دينهم الحق، فأحدثوا البدع التي أحدثوا، {بِمَا
لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} ،
يقول: بما هم به متمسّكون من المذهب، {فَرِحُونَ} مسرورون، يحسبون أن الصواب معهم دون غيرهم. انتهى ملخصًا.
وقال ابن كثير: فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء وملل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم: أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه. كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية منهم، فقال:«من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي» .
* * *