الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس الستون بعد المائة
{وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (84) فَأَتْبَعَ سَبَباً (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ
لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ
أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً (108) قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) } .
* * *
عن ابن عباس قوله: {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} ، يقول: علمًا، {فَأَتْبَعَ سَبَباً} ، يعني: بالسبب المنزل. وقال مجاهد: منزلاً وطريقًا ما بين المشرق، والمغرب.
قال ابن كثير: يسر الله له الأسباب. أي: الطرق، والوسائل إلى فتح الأقاليم وكسر الأعداء. وقال وهب بن منبه: سخَّر الله له النور، والظلمة فجعلهما جندًا من جنوده. ورُوي عن عليّ رضي الله عنه: سخّر له السحاب، ومدت له الأسباب، وبسط له النور، وأحب الله وأحبه.
قال بعض المفسرين: والسبب في اللغة: الحيل، والمراد ها هنا: كل ما يتوصّل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة.
وقال البخاري: باب قول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ} إلى قوله: {سَبَباً} ، قال الحافظ: في إيراد المصنف ترجمة ذي القرنين قبل إبراهيم إشارة إلى توهين قول من زعم أنه الإسكندر اليوناني.
إلى أن قال: والذي يظهر أن الإسكندر لقب بذي القرنين تشبهًا به لسعة ملكه، والذي يقوي أن ذي القرنين من العرب كثرة ما ذكروه في أشعارهم. وقال الربيع بن ضبيع، والصعب: ذو القرنين عمّر ملكه ألفين وأمسى بعد ذلك رميمًا.
وعن ابن عباس: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} ، قال: في طين أسود. قال ابن كثير: وقوله: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} ، أي: رأوا الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه. والحَمِئَة: مشتقة على إحدى القراءتين من الحمأة. وهو: الطين. أي: طين أملس.
وعن ابن عباس: وجدها تغرب في عين حامية. أي: حارة، ولا منافاة بين معنييها، إذ قد تكون حارة لمجاورتها وضح الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل، وحمئة في ماء، وطين، أسود.
وعن قتادة في قوله: {أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} ، قال: هو القتل. وقوله: {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} ، يقول: ثم يرجع إلى الله
تعالى بعد قتله فيعذبه عذابًا عظيمًا. وعن مجاهد قوله: {مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} ، قال: معروفًا.
قال البغوي: أي: تلين له القول وتعامله باليسر.
قوله عز وجل: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} منازل الأرض ومعالمها، {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً} .
قال ابن جرير: وذلك أرضهم لا جبل فيها ولا شجر ولا تحتمل بناء فيسكنوا البيوت، وإنما يغورون في المياه أو يسربون في الأسراب.
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ} ، أي: كما حكم في القوم الذين هم عند مغرب الشمس حكم في هؤلاء، {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} .
قال البغوي: يعني: بما عنده ومعه من الجند والعدة والآلات {خُبْراً} أي: علمًا.
قوله عز وجل: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً (97) } .
وعن قتادة في قوله: {بَيْنَ السَّدَّيْنِ} ، قال: هما جبلان. قال أبو عبيدة: السدّ إذا كان بخلق الله فهو بضم السين، وإذا كان من عمل العباد فهو بالفتح. قال بعض المفسرين: والردم أكبر من السد.
وقال ابن كثير في (البداية والنهاية) : أما السد فقد تقدم أن ذا القرنين بناه من الحديد، والنحاس، وساوى به الجبال الصم، الشامخات الطوال. فلا يعرف على وجه الأرض بناء أجلّ منه ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم. قال البخاري: وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: رأيتُ السدّ قال: «وكيف رأيته» ؟ قال: مثل: البُرْدِ المُحَبَّرِ. فقال: «رأيته» . وعن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله: قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعْته» قال: كأنه البُرْدُ المُحَبَّر طريقة سوداء، وطريقة
حمراء. قال: «قد رأيته» . وعن الضحاك في قوله: {بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} ، يعني: الجبلين. وهما من قِبَل أرمينية، وأذريبيجان.
قال ابن كثير: وقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض أمرائه، وجهز معه جيشًا سريًا. لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا، فتوصلّوا من بلاد إلى بلاد ومن ملُك إلى ملك حتى وصلوا إليه ورأوا بناءه من الحديد
ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابًا عظيمًا وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرسًا من الملوك المتاخمة له، وأنه عال منيف، شاهق لا يُستطاع ولا ما حوله من الجبال. ثم رجعوا إلى بلادهم وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالاً وعجائب. انتهى.
قلت: ولا يشكل على ذلك أن الدول المتأخرة لم تكتشفه، فإنها وإن أعطيت ما أعطيت من القوة والآلة، فلم يبلغوا معشار ما أوتي ذو القرنين، فإن الله يسّر له الأسباب والوسائل لفتح المدائن والأقاليم، وأطال عمره ووسّع ملكه وكسر أعداءه، وسخر له النور والظلمة، فجعلهما جندًا من جنوده. وكان إذا انتهى إلى بحر أو مخاضة بنى سفنًا من ألواح صغار أمثال النعال، فنظمها ثم جعل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها ثم دفع إلى كل إنسان لوحًا فلا يكرثه حمله، وكان إذا البحر الجامد ألقى عليه ما يذيبه فخاضه، وإذا أراد أن يجمد الماء ألقى عليه ما يجمده فمشي فوقه، وبعث النور والظلمة على ما يريد بحسب حاجته، وذلك مدد من الله تعالى، ويشهد لذلك قوله تعالى:{وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} .
قال وهب بن منبه: ما بين الصدفين مائة فرسخ، فلما أنشأ في عمله حفر له أساسًا حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخًا، وجعل حشوه
الصخور، وطينه النحاس يذاب ثم يصبّ عليه، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض، ثم علاه وشرفه بِزُبَرِ الحديد والنحاس المذاب.
وعن ابن جريج: {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ} ، قال: يعلوه، {وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً} ، أي: ينقبوه من أسفله. قال وهب بن منبه: وهو في منقطع أرض الترك مما يلي مشرق الشمس، بُعْدُ ما بينهما مائة فرسخ، وجعل خلاله عرقًا من نحاس أصغر، فصار كأنه بُرْدٌ مُحَبَّر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد.
قال ابن كثير: وقوله: {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} ، أي: لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس.
وقال البغوي: أي: لا يفقهون كلام غيرهم. قال ابن عباس: لا يفقهون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم. وقال في جامع البيان {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} يعني: لعجمهم وقله فطانتهم، لا يفهمون كلام أحد، ومن قرأ بضم الياء وكسر القاف، أي: لا يفهمون السامع لغرابة ألسنتهم.
قوله عز وجل: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ
عَرْضاً (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (101) } .
روى ابن جرير وغيره عن أبي هريرة عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فتحفرونه غدًا فيعيده الله وهو كهيئته حتى إذا جاء الوقت قال: إن شاء الله فيحفرونه، ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع كهيئة الدم فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عليهم نغفًا في أقفائهم فتقتلهم» . فقال
رسول الله: «والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم» .
وعن زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمّر وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه. وحلّق بأصبعه الإبهام والتي تليها» ، فقلت: يا رسول الله أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كَثُرَ الخَبَثُ» . متفق عليه.
وفي رواية: وعقد وهب تسعين. قال الحافظ العسقلاني: وعقد التسعين أن يجعل طرف السبابة اليمنى في أصلها ويضمها ضمًا محكمًا بحيث تنطوي عقدتاها حتى تصير مثل الحية المطوّقة. وقال: المراد بالردم السد الذي بناه ذو القرنين.
قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} ، قال السدي: ذاك حين يخرجون على الناس، أي: في زمان عيسى قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما قال تعالى:{حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} .
وقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} أي: يوم القيامة، {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} ، أي: تعاموا، وتصامموا، وتغافلوا عن قبول الحق، واستماع القرآن. كما قال تعالى:{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} . وفي رواية الصحيحين: إن الله تعالى يقول: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: ابعث بعث النار؛ فيقول: ما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فحينئذٍ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها،
فقالوا: يا رسول الله وأيُّنا ذلك الواحد؟ فقال: «إن فيكم أمّتين ما كانتا في شيء إلَاّ كثّرتاه: يأجوج ومأجوج» .
قوله عز وجل: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ
أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً (108) } .
عن ابن جريج في قوله: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء} ، قال: يعني: من يعبد المسيح ابن مريم والملائكة، وهم عباد الله ولم يكونوا للكفار أولياء. عن مصعب بن سعد قال: قلت لسعد: يا أبت {هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} أهم الحرورية؟ فقال: لا. ولكنهم أصحاب الصوامع، ولكن الحرورية قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. وفي رواية: ولكن الحرورية الذين {يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ، فكان سعد يسمّيهم: الفاسقين.
وعن علي بن أبي طالب أن ابن الكواء سأله عن قول الله عز وجل:
…
{هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} ؟ فقال: أنت وأصحابك. وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناج بعوضة، - وقال: اقرأوا إن شئتم -: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} » . متفق
عليه. وفي الصحيحين أيضًا: إذا سألتم الله
الجنة فاسألوه الفردوس، فإنها أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجّر أنهار الجنة.
قال ابن كثير: وقوله تعالى: {نُزُلاً} ، أي: ضيافة، {خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} ، قال ابن عباس: لا يريدون أن يتحوّلوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى.
قوله عز وجل: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) } .
عن قتادة: قوله: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} إذًا:
…
{لَنَفِدَ} ماء البحر، {قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ} الله وحكمه.
وقوله تعالى: {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} .
قال ابن كثير: أي: بمثل البحر، آخر ثم آخر. وهلمّ جرًّا بحور تمدّه ويكتب بها لما نفدت كلمات الله كما قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} ، أي: فإني لا أعلم الغيب إلا ما أطلعني الله عليه من خبر أصحاب الكهف وذي القرنين وغير ذلك.
{يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ، قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، فأمره الله أن يقرّ فيقول: أنا آدميّ مثلكم إلا أني خُصِّصْتُ بالوحي، وأكرمني الله به {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} .
قال ابن جرير: فمن يخاف ربه يوم لقائه ويراقبه على معاصيه ويرجو ثوابه على طاعته، {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} ، يقول: فليخلص له العبادة وليفرد له الربوبية.
وعن سعيد بن جبير: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ} ، قال: ثواب ربه.
قال البغوي: فالرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعًا.
وقوله تعالى: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} ، قال سفيان: لا يرائي. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن الله عز وجل أنه قال: «أنا خير الشركاء، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه هو والذي
…
أشرك» . رواه أحمد.
* * *