الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس الحادي والتسعون بعد المائة
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً (37) وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً (38) وَكُلّاً ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلّاً تَبَّرْنَا تَتْبِيراً (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُوراً (40) وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (41) إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً (50) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (51) فَلَا تُطِعِ
الْكَافِرِينَ
وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً (54) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً (55) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً (58) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً (60) } .
* * *
عن ابن عباس قوله: {وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} ، قال: بئر كانت تسمى الرّس. وقال قتادة: الرّس: قرية من اليمامة يقال لها: الفلج، {وَكُلّاً ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ} ، قال: كل قد أعذر الله إليه ثم انتقم منه، {وَكُلّاً تَبَّرْنَا تَتْبِيراً} ، قال البغوي: يعني: أهلكنا إهلاكًا.
عن ابن جريج قوله: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا} قال:
ثبتنا عليها، قال البغوي: يعني: لو لم نصبر عليها لصرفنا عنها.
انتهى. وهذه الآية كقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} .
وقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} قال ابن عباس: أرأيت من ترك عبادة الله وخالفه، ثم هوى حجرًا فعبده ما حاله عنده؟ وقال ابن كثير:{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} ، أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسنًا في هوى نفسه، كان دينه ومذهبه، كما قال تعالى:{أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} .
عن ابن عباس قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} ، يقول: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، {وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً} ، يقول: دائمًا، {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} ، يقول: طلوع الشمس. وقال مجاهد: تحويه، {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} ، قال: حوى الشمس الظلّ.
وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً} ، أي: سترًا تستترون به، {وَالنَّوْمَ سُبَاتاً} راحة لأبدانكم، {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً} تنتشرون فيه لأشغالكم.
قال ابن عباس: ما عام بأكثر مطر من عام، ولكن الله يصرفه بين خلقه ثم قرأ:{وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} . وعن عكرمة: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً} ، قال: قولهم في الأنواء.
قال ابن عباس قوله: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ} ، قال: بالقرآن.
وعن مجاهد في قوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أفاض أحدهما على الآخر، {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} ، قال: لا يختلط البحر بالعذب. وعن الحسن في قوله: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} ، قال: هذا اليبس.
وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء} ، أي: النطف، {بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً} وهو القرابة، {وَصِهْراً} وهو الخلطة التي تشبه القرابة، {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} . وعن الحسن في قوله {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً} قال: عونًا للشيطان على ربه
على المعاصي. وقال ابن زيد: والظهير: العوين، وقرأ قول الله:{فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ} .
قال البغوي: قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} ، أي: على تبليغ الوحي، {مِنْ أَجْرٍ} فتقولوا: إنما يطلب محمد أموالنا، {إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} هذا من الاستثناء المنقطع
والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجرًا، ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته.
وقوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} ، عالمًا بصغيرها وكبيرها، {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} ، قال مجاهد في قوله:{فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} ، ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك.
وقال ابن جرير: يقول: فاسأل يا محمد بالرحمن خبيرًا بخلقه، فإنه خالق كل شيء ولا يخفى عليه ما خلق.
وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} ، أي: لا نعرفه ولا نُقِّرُ به، وكانوا ينكرون أن يسمّى الله باسمه الرحمن.
…
{أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} أي: لمجرد قولك؟ {وَزَادَهُمْ} ذلك {نُفُوراً} عن الدين والإيمان. قال ابن كثير: فأما المؤمنين فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويفردونه بالإِلهية ويسجدون له.
* * *