الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس التاسع والسبعون بعد المائة
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ (66) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ (67) وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (71) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ
رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (76) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) } .
* * *
في هذه الآيات الدالة الواضحة على قدرته وعظيم سلطانه، وأنه لا يستحق العبادة سواه. قال ابن كثير: وقوله: {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ} ، كقوله:{وكيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثم إليه ترجعون} ، ومعنى الكلام: كيف تجعلون لله أندادًا وتعبدون معه غيره، وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرّف؟
عن ابن عباس قوله: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ} ، يقول: عيدًا. وقال مجاهد: إهراق دم الهدي. وقال البغوي: {فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي
الْأَمْرِ} ، يعني:
في أمر الذبائح؛ نزلت في بديل بن ورقاء، وبشر بن سفيان، ويزيد بن خنيس، قالوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما لكم تأكلون مما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون مما قتله الله؟
وقال ابن كثير: وقوله: {وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} ، كقوله:{وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} .
قال عبدة بن أبي لبابة: علم الله ما هو خالق، وما الخلق عاملون، ثم كتبه.
عن ابن عباس: قوله: {يَكَادُونَ يَسْطُونَ} ، يقول: يبطشون.
وقوله تعالى: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ} ، قال البغوي: يعني: بشرّ لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تسمعون؟ النار، يعني:
هي: {النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . وقال ابن كثير: أي: النار وعذابها ونكالها، أشد
وأشقى، وأطم، وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم، إن نلتم بزعمكم وإرادتكم.
قال ابن زيد: هذا مثل ضربه الله لآلهتهم وقرأ: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ، حين يعبدون من دون الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه. وقال ابن عباس: الطالب: الصنم. والمطلوب: الذباب، وقال: كانوا يطلون الأصنام بالزعفران، فإذا جف جاء الذباب فاستلب منه.
قال البغوي: {اللَّهُ يَصْطَفِي} ، يعني: يختار {مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً} وهم: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، وغيرهم. {وَمِنَ النَّاسِ}
يعني: يختار من الناس رسلاً، مثل: إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، نزلت حين قال المشركون:{أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} ؟ فأخبر أن الاختيار إليه يختار من يشاء من خلقه.
قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) } .
قال البغوي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} ، يعني: صلّوا لأن الصلاة لا تكون إلَاّ بالركوع والسجود، {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} ، أي: وحّدوه، {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} ، قال ابن عباس: صلة الرحم، ومكارم الأخلاق. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، لكي: تسعدوا وتفوزوا بالجنة. وروى أبو داود عن خالد بن معدان رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فضّلت سورة الحجّ على سائر القرآن بسجدتين» . وعن أبي الجهم: أن عمر سجد سجدتين في الحج وهو بالجابية وقال: (إن هذه فضلت بسجدتين) .
قال ابن عباس في قوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} ، لا تخافوا في الله لومة لائم. وقال ابن زيد في قوله:{هُوَ اجْتَبَاكُمْ} ، قال: هداكم. وعن ابن عباس في قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، قال: الحرج: الضيق، فجعل الله الكفارات مخرجًا من ذلك. وقال مقاتل: يعني: الرخص عند الضرورات: كقصر
الصلاة في السفر، والتيمم عند فقد الماء، وأكل الميتة عند الضرورة، والإفطار بالسفر والمرض، والصلاة قاعدًا عند العجز عن القيام؛ وقال صلى الله عليه وسلم:«بعثت بالحنيفية السمحة» .
وقوله تعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} ، أي: اتّبعوا ملة أبيكم إبراهيم، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى:{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
وقوله تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا} ، قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة، {وَفِي هَذَا} ، يعني: القرآن. وعن قتادة: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ} ، قال: الله سماكم المسلمين من قبل. {وفي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ} ، بأنه بلَّغكم، {وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} أن رسلهم قد بلّغتهم، {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} أي: استعينوا به وتوكّلوا عليه {هُوَ مَوْلَاكُمْ} يحفظكم وينصركم، {فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} . قال وهيب بن الورد: ويقول الله تعالى: (ابن آدم اذكرني إذا غضبتَ، أذكرك
إذا غضبتُ، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظُلِمْتَ فاصبر وارض بنصرتي فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك) . رواه ابن أبي حاتم. والله أعلم وهو المستعان.
* * *