الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس الأول بعد المائتين
[سورة القصص]
مكية، وهي ثمان وثمانون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
{طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا
يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) } .
* * *
عن مجاهد: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} ، أي: فِرَقًا: يذبّح طائفة منهم، ويستحيي طائفة، ويعذّب طائفة، ويستعبد طائفة. قال الله عز وجل:
…
{يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} ، قال السدي: كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه: أن نارًا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، وأحرقت بيوت مصر، فدعا السحرة، والكهنة، والعافة، والحازة، فسألهم عن رؤياه فقالوا له: يخرج من هذه البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه - يعنون بيت القدس - رجل يكون على وجهه هلاك مصر، فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا تولد لهم جارية إلا تركت، وقال للقبط: انظروا مملوككم الذين يعلمون خارجًا فأدخلوهم واجعلوا بني إسرائيل يَلُونَ تلك الأعمال القذرة، فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم وأدخلوا غلمانهم، فذلك حين يقول: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي
الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} ، يعني: بني إسرائيل حين جعلهم في الأعمال القذرة.
وعن قتادة: قوله: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} قال: بنو إسرائيل {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} أي: ولاة الأمور {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} أي: يرثون الأرض بعد فرعون وقومه، {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} شيئًا ما حذر القوم. قال: وذكر لنا أن حازيًا حزأ
لعدو الله فرعون، فقال: يولد في هذا العام غلام من بني إسرائيل يسلبك ملكك فتتّبع أبناءهم ذلك العام بقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم حذرًا مما قال له الحازي.
عن قتادة: قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} ، قال: قذف في نفسها. قال السدي: أمر فرعون أن يذبح مَنْ وُلِدَ ببني إسرائيل سنة ويُتركوا سنة، فلما كان في السنة التي يُذبحون فيها حملت بموسى، فلما أرادت وضعه حزنت من شأنه، فأوحى الله إليها:{أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} وهو النيل، {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي} ، قال ابن زيد: لا تخافي عليه البحر، ولا تحزني بفراقه، {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} ، قال ابن إسحاق:{إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} وباعثوه رسولاً إلى هذا الطاغية، وجاعل هلاكه ونجاة بني إسرائيل مما هم فيه على يديه.
قال ابن كثير: كانت دار أم موسى على حافة النيل، فاتّخذت تابوتًا ومهّدت فيه مهدًا، وجعلت ترضع ولدها، فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه ذهبت فوضعته في ذلك التابوت وسيّرته في البحر وربطته بحبل عندها، فلما كان ذات يوم دخل عليها من تخافه فذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر وذهلت
أن تربطه، فذهب مع الماء واحتمله، حتى مرّ به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون ولا يدرين ما فيه، فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها، ولهذا قال:{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} .
قال قتادة: {عَدُوّاً} لهم في دينهم، {وَحَزَناً} لما يأتيهم، {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} .
قال البغوي: عاصين آثمين.
قال ابن جرير: فلذلك كان لهم موسى عدوًّا وَحَزَنًا. وعن محمد بن قيس قال: قالت امرأت فرعون {قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} ، قال فرعون: قرّة عين لكِ أمّا لي فلا. قال محمد بن قيس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو قال فرعون: قرّة عين لي ولك، لكان لهما جميعًا» . وعن قتادة: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} ، قال: وهم لا يشعرون أن هلكتهم على يديه وفي زمانه.
وعن ابن عباس في قوله: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً} ، قال: فارغًا من كل شيء إلا من ذكر موسى، {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أن تقول: يا ابناه، {لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} .
قال البغوي: بالعصمة، والصبر، والتثبيت. {لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} المصدّقين لوعد الله حين قال لها:{إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} .
وعن ابن عباس: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} ، أي: قُصّي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرًا، أحيّ ابني، أو قد أكلته دوابّ البحر وحيتانه؟ ونسيت الذي كان الله وعدها.
وقوله تعالى: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} ، وقال مجاهد: عن بُعْدٍ. قال قتادة: وهم لا يشعرون أنها أخته، قال: جعلت تنظر إليه كأنها لا تريده.
عن مجاهد في قوله: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} ، قال: لا يقبل ثدي امرأة حتى يرجع إلى أمه. وقال السدي: أرادوا المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى أن يأخذ، فذلك قوله:{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ} أخته: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} ؟ فلما جاءت أمه أخذ منها. قال ابن جريج: فعلقوها حين قالت: {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} ، قالوا: قد عرفته، قالت: إنما أردت هم للملك ناصحون.
قال البغوي: وقيل: لما قالت: هل أدلكم على أهل بيت؟ قالوا لها: مَنْ؟ قالت: أمي، قالوا: ولأمك ابن؟ قالت: نعم هارون، وكان هارون ولد في سنة لا يُقتل فيها الولدان، قالوا: صدقت.
وقال ابن كثير: فلما رأتهم حائرين فيمن يرضعه قالت: هل أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون؟ قال ابن عباس: فلما قالت ذلك أخذوها، وشكّوا في أمرها. وقالوا لها: وما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت لهم: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في سرور الملك ورجاء منفعته، فأرسلوها، فلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوها به على أمه فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، وذهب البشير إلى امرأة الملك
فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها وأعطتها عطاء جزيلاً، وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه وافق ثديها. ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه فأبت عليها وقالت: إن لي بعلاً وأولادًا ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت، فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليه النفقة، والصلات، والكساوي، والإِحسان الجزيل، فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضيّة، قد أبدلها الله بعد خوفها أمنًا في عزّ وجاه، ورزق دار؛ ولهذا جاء في الحديث:«مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير، كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها» ؛ ولم يكن بين الشدّة والفرج إلا القليل، يوم وليلة أو نحوه والله أعلم؛ فسبحان من بيده الأمر، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن ألقاه بعد كل هم فرجًا، وبعد كل ضيق مخرجًا؛ ولهذا قال تعالى:{فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} ، أي: به، {وَلَا تَحْزَنَ} ، أي: عليه، {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} ، أي:
فيما وعدها من ردّه إليها وجعله من المرسلين، فحينئذٍ تحقّقت بردّه إليها أنه كائن من رسول المرسلين، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعًا وشرعًا.
قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ، أي: حكم الله في أفعاله، وعواقبها المحمودة التي هو المحمود عليها في الدنيا والآخرة، فربما يقع الأمر كريهًا إلى النفوس وعاقبته محمودة في نفس الأمر، كما قال تعالى:{وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} ، وقال تعالى:{فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} . انتهى. والله أعلم.
* * *