المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مدى صحة تقسيم السنن إلى مألوفوغير مألوف لغرض مراعاة مصلحةالدعوة في الدعوة لكل نوع - جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى - جـ ٩

[ناصر الدين الألباني]

فهرس الكتاب

- ‌الجهاد

- ‌إعداد العدة للجهاد

- ‌إعداد العُدَّة للجهاد

- ‌كيفية إعداد العُدة الحسية

- ‌التفريق في حكم الجهاد بين حالةالضعف وحالة القوة

- ‌كيف السبيل إلى الجهاد في ظلحكومات لا تحكم بالشريعة

- ‌الإسلام يُحَارَب والحكوماتصامتة، فما الحل

- ‌استئذان الأبوين في الجهاد

- ‌إذن الوالدين في الجهاد

- ‌الذهاب إلى الجهاد أم البقاء مع الوالدين

- ‌حديث: فيهما فجاهد

- ‌التحالف مع الكفار

- ‌الاستعانة بالمشركين في الحرب

- ‌حكم العمليات الانتحارية

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌هل يجوز الانتحار لامرأة صوناً لعرضها

- ‌الجهاد الفردي

- ‌‌‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌حكم الاغتيالات

- ‌حكم الاغتيالات والتفجيراتفي الدول الغربية

- ‌الاغتيالات

- ‌قتل الطواغيت

- ‌قتل السياح

- ‌الفرق بين دار الإسلام ودار الكفر

- ‌الفرق بين دار الإسلام ودار الكفرودار الحرب

- ‌الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر

- ‌أنواع الجهاد

- ‌تصوير الفيديو في الجهاد

- ‌ترك الجامعات للجهاد

- ‌الجهاد في العالم الإسلامي

- ‌حكم قَتْل من اعتدى على مسلمبالتعذيب من الكفار

- ‌حول قوله تعالى:(فقاتل في سبيل الله)

- ‌مدرس في ساحة الجهاد

- ‌سلب الأعداء في الجهاد

- ‌تارك للصلاة قُتل فيساحات الجهاد

- ‌قتال مانعي الزكاة

- ‌حديث: لا يجتمع دينانفي جزيرة العرب

- ‌الحج إلى البيت الحرامأثناء حرب الخليج

- ‌تهديد المسلمين بالفتك بهمأثناء الجهاد

- ‌قتلى الفتن

- ‌جهاد المرأة

- ‌توحيد القيادة في الجهاد

- ‌حديث: من لم يجاهدأو يُحَدِّث نفسه

- ‌أسرى الحرب

- ‌التبرع للجهاد

- ‌الجهاد مع الروافض

- ‌الجهاد مع وجود بدع وشركيات

- ‌جهاد الأقليات المسلمةفي الدول الكافرة

- ‌تفريق بعضهم بين من قُتلفي الله ومن قتل في سبيل الله

- ‌حدود الاستطاعة في الجهاد

- ‌حكم قولهم: فلان شهيد

- ‌هل يُجْزَم بأن فلاناً شهيد

- ‌بيان خطأ الناس بتوسعهمفي قولهم: فلان شهيد

- ‌نقاش مع الشيخ علي خشانحول مسائل الجهاد

- ‌رد شبهات مُدّعي الجهاد

- ‌كتاب الدعوة والدعاة

- ‌من أصول الدعوة

- ‌الدعوة والعهد المكي

- ‌باب منه

- ‌الدعوة بين أمور الدنيا والدين

- ‌السرية في الدعوة

- ‌المنهجية الدعوية في ظلتَعَدُّد الجماعات

- ‌الدعوة والمصالح المرسلة

- ‌واجب الدعاة مع اختلاف المجتمعات

- ‌طريقة الدعوة في الدول التيتُضْطَهد فيها الدعوة

- ‌الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عيني أم كفائي

- ‌فقه الموازنات الشرعية

- ‌الوقف الدعوي

- ‌هل يقال: النبي فقيه

- ‌التحلق بعد الجمعة للمواعظ

- ‌دعوة النساء

- ‌أخلاق الداعية وأولوياته

- ‌أخلاق الداعية

- ‌أولويات الداعية

- ‌نصيحة للدعاة في أسلوب الأمربالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌التخفيف من إلقاء المواعظ

- ‌إحياء بعض السنن التيلم يعتد عليها الناس

- ‌الحكمة في الدعوة إلى الله

- ‌الحكمة في الدعوة إلى الله

- ‌أهمية مراعاة الأسلوب الحسنفي الدعوة إلى الله

- ‌ما هي الأُسس التي ينبغي أنينطلق منها الداعية إلى الله

- ‌ما هي الطريقة المُثْلَىللدعوة إلى الله

- ‌كيف نجعل الناس يستجيبون لدعوتنا

- ‌كيف يرقي المؤمن نفسهفي مجال الدعوة إلى الله

- ‌علاج ظاهرة الفتور الإيمانيعند الدعاة

- ‌التصدر للدعوة من غير المؤهلين

- ‌ضابط المتصدر للوعظ والتعليم

- ‌على الدعاة ألَاّ يحدثوا بأحاديثالترغيب والترهيب إلا مع بيان المراد منها

- ‌كيفية إنكار المنكرات

- ‌أسلوب إنكار المنكر

- ‌تغيير المنكر بالقلب

- ‌الدعوة والتغيير بالقوة

- ‌الدعوة عن طريق إرضاء المدعوينبعادات اعتادوها

- ‌المداراة والمداهنةفي الدعوة إلى الله

- ‌ترك بعض المسائل الفرعيةفي سبيل الدعوة

- ‌الأخذ بالقول المرجوحلمصلحة الدعوة

- ‌ترك السنن لتأليف الناس

- ‌الدعوة وقاعدة الغايةتُبَرِّر الوسيلة

- ‌مدى صحة تقسيم السنن إلى مألوفوغير مألوف لغرض مراعاة مصلحةالدعوة في الدعوة لكل نوع

- ‌من يقول بترك السنة لأجلالاشتغال بالدعوة

- ‌هل دخول البنات الجامعاتمن مصلحة الدعوة

- ‌الدخول في أماكن المنكر بحجة تغيير المنكر

- ‌داعية حِلِّيق اللحية

- ‌الدعاة الواقعون في مخالفات شرعية

- ‌الداعية وعدم الامتثالللأوامر والنواهي

- ‌الدعاة والوقوع في أهل العلم

- ‌مشاكل الشباب الملتزم مع أهله

- ‌دعوة السافرة

- ‌دعوة المرأة

- ‌دعوة شاب مسلم لامرأة نصرانية

- ‌دعوة السيَّاح

- ‌وسائل الدعوة

- ‌وسائل الدعوة هل هي توقيفية

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌حكم استخدام التلفزيون والتمثيلوالأناشيد في الدعوة

- ‌استخدام التلفاز في نشر الدعوة

- ‌تحصيل المصالح بارتكاب المحرمات،وكلمة حول استخدام التلفزيون في الدعوة

- ‌استخدام التمثيليات والأناشيد في الدعوة

- ‌حول التمثيل

- ‌استخدام التمثيل في الدعوة

- ‌ما تستخدمه بعض الجماعات في الدعوة من التمثيل

- ‌استخدام التلفاز في الدعوة

- ‌الأفلام الإسلامية

- ‌استخدام التمثيليات والأناشيدفي الدعوة إلى الله

- ‌حكم إقامة معرض دعوي يحتويعلى صور وأناشيد وتمثيليات

- ‌حكم الأناشيد الإسلامية

- ‌حكم الأناشيد الإسلامية

- ‌البديل الإسلامي للأغاني

- ‌حكم الأناشيد الإسلامية

- ‌‌‌حكم الأناشيد الإسلامية

- ‌حكم الأناشيد الإسلامية

- ‌الغناء الصوفي والأناشيد الإسلامية

- ‌التعامل مع المسلمالمتلبس بالمحرمات

- ‌حكم لَعْن من تسبب في قتل المسلمينوإهانة الدين الإسلامي

- ‌حكم لعن المتبرجات

- ‌السلام على من يرتكب محرماًوقت ارتكابه لهذا الحرام

- ‌رد السلام على تارك الصلاة

- ‌السلام على المدخن والحليق

- ‌غيبة الفاسق

- ‌استقبال تارك الصلاة في البيت

- ‌التعامل مع من يتاجر بالحرام

- ‌هل نقبل دعوة من يتعاملمع البنوك الربوية

- ‌الكتب التي تطبعها البنوك الربوية

- ‌مشاركة الواقعين في معاملاتربوية في التجارة

- ‌مقاطعة من يعمل في بنك ربوي

- ‌هل تقبل هدية المرابي

- ‌صرف الزكاة للمسلم العاصي

- ‌دعوة النساء

- ‌مقاطعة من أقر الزنا ولم ينكره

- ‌إمام يؤم الناس وهو حليق

- ‌صرف الزكاة للفساق

- ‌بيع التلفاز

- ‌جنس العرب

- ‌جنس العرب

- ‌هل عزة الإسلام مرتبطة بالعرب

- ‌الرفق بالحيوان في الإسلام

الفصل: ‌مدى صحة تقسيم السنن إلى مألوفوغير مألوف لغرض مراعاة مصلحةالدعوة في الدعوة لكل نوع

‌مدى صحة تقسيم السنن إلى مألوف

وغير مألوف لغرض مراعاة مصلحة

الدعوة في الدعوة لكل نوع

يقول السائل: قَسَّم بعض الدعاة السنة إلى قسمين: سنة مألوفة لدى الناس، وسنة غير مألوفة، ومن ثَمَّ دعا الشباب الذين يحثون الناس على اتباع السنة أن يراعوا مصلحة الدعوة المفسدة وعدم تنفير الناس، فما رأيكم في هذا التقسيم، وما هو ضابط المصلحة والمفسدة عند تطبيق السنة ودعوة الناس إليها.

الشيخ: أقول: وبعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

في ظني أن هذا التقسيم إن كان صدر من أحد من الدعاة الإسلاميين فهو أقل ما يقال فيه إنه تقسيم مبتدع، وحينما أقول: إنه تقسيم مبتدع، ينبغي علي أن أشير إلى أن البدعة عند العلماء قسمان: قسم متفق على أنه بدعة ضلالة، وهي البدعة التي تخالف السنة، سواء كانت هذه السنة سنة قولية أو كانت سنة فعلية، فأي حادث أو بدعة خالفت السنة النبوية فهي باتفاق العلماء هي بدعة ضلالة، والقسم الآخر هو الذي اختلف فيه العلماء: إذا كانت البدعة لا تخالف سنة صريحة كما قلنا في القسم الأول، فهنا للعلماء قولان معروفان: الأول: وهو الصحيح الذي لا ريب فيه عند أهل العلم والتحقيق، هو ما جاء في قوله عليه

ص: 368

الصلاة والسلام الصريح الصحيح: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» ، والقول الآخر، وهو مرجوح يعلم من قولنا السابق: ألا وهو الذي يقوم بتقسيم البدعة إلى خمسة أقسام، هذا التقسيم أقول بلسان عربي مبين: هو أيضاً بدعة كذاك التقسيم الذي قلت إنه تقسيم مبتدع، ولكن هذا التقسيم أحدث في الابتداع من التقسيم القديم؛ تقسيم البدعة إلى خمسة يقول به كثير من العلماء المعروفين، ولهم اجتهادهم على خطئهم؛ أما تقسيم السنة إلى سنة ..

مداخلة: مألوفة ..

الشيخ: وغير مألوفة، هذا التقسيم من بدع هذا الزمان، فأقول: ما كان كذلك فلا شك أن اتفاق العلماء على أن كل محدثة وكل بدعة تخالف ما كان عليه الرسول عليه السلام فهي بدعة ضلالة، حتى الذين يقسمون البدعة إلى خمسة أقسام فهذا قولهم، الذين يقولون باستحباب بعض المحدثات وبعض الأمور الحادثات يشترطون أن تدخل هذه البدعة في بعض النصوص العامة بشرط ألا تعارض نصاً نبوياً سواء كان من قوله عليه السلام أو من فعله، فهذه السنة التي سموها بغير مألوفة، هذا مخالف لسنن كثيرة وكثيرة جداً، أول ذلك أن هناك حديثاً صحيحاً نذكره وبذكرنا إياه كما يقولون نرمي عصفورين بحجر واحد، أول ذلك نضرب البدعة القديمة وهي تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام؛ ذلك لأن هؤلاء الذين يقولون بتقسيم البدعة إلى خمسة أقسام يحتجون بالحديث التالي، وهو أيضاً نرد به على هذه البدعة أو على هؤلاء القائلين بالبدعة الحديثة، وهي السنة غير المألوفة، أعني بذاك الحديث ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالسين حوله لما جاءه أعراب مجتابي النمار متقلدي السيوف عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تمعر وجهه -أي: تغير ملامح وجهه عليه السلام حزناً على ما رأى فيهم من فقر مدقع- فخطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في

ص: 369

أصحابه، ووعظهم وذكرهم وكان من ذلك أن قال لهم: قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10]، ثم قال عليه السلام حديثاً من قوله: تصدق رجل بدرهمه، بديناره، بصاع بره، بصاع شعيره، فما كان من أحد الجالسين الذين تأثروا بموعظته صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن

انطلق مسرعاً إلى داره ليعود يحمل في طرف ثوبه ما تيسر له من الصدقة من طعام ومن دراهم أو دنانير، فوضعها أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رأى بقية الصحابة ما فعل صاحبهم، قام أيضاً كل منهم ليعود حاملاً ما تيسر له من الصدقات، يقول الراوي جرير رضي الله تعالى عنه: فاجتمع أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم كأمثال الجبال من الصدقات، فتنور وجهه عليه السلام كأنه مذهبة على خلاف الوضع الأول حيث تمعر وجهه عليه السلام حزناً على فقرهم، ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم حينما رأى أصحابه قد استجابوا لله وللرسول حينما دعاهم لما يحييهم كان ذلك مدعاة لأن تتغير ملامح وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرحاً وحبوراً وسروراً باستجابتهم لموعظته وتصدقهم على هؤلاء الفقراء من العرب، فقال عليه الصلاة والسلام بهذه المناسبة، وهنا الشاهد:«من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجرهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أوزارهم شيئاً» ، انتهى الحديث، وهو كما قلنا في صحيح مسلم.

الشيخ: الشاهد من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحض في هذا الحديث على إحياء سنة أماتها الناس لسبب أو آخر من هذه الأسباب الغفلة، من هذه الأسباب الجهل، من هذه الأسباب تكالب الناس على الدنيا، فيقوم مسلم فيحيي سنة ويحيي عبادة من العبادات التي صارت مهملة متروكة، فيحييها ويستن الناس به فيها، فيكتب له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيئاً.

ص: 370

هذا الحديث صريح الدلالة في هذا المجال، وهناك حديث آخر أصرح دلالة ولكن واجبنا العلمي والأمانة العلمية تقتضينا أن نذكر هذا الحديث لصراحته في الدلالة أكثر من السابق مع التنبيه على ضعف إسناده، أما نصه فهو:«من أحيا سنة أميتت من بعدي فله أجرها وأجر من عمل بها .. » إلى آخر الحديث.

كالحديث السابق تماماً، لكنه صريح الدلالة كما تسمعون، ذاك يقول:«من سن سنة حسنة .. » هذا يحتاج إلى شيء من الفقه العلم، فلا جرم أن هذا الحديث الصحيح كان سبباً بسبب أن ران على قلوب كثير من العلماء فضلاً عن طلاب العلم، فضلاً عن عامة الناس أن فهموا من هذا الحديث أن هناك في الإسلام بدعة حسنة، بينما ليس من الحديث الأول الصحيح، بينما ليس في هذا الحديث الصحيح أنه يجوز للمسلم أن يحدث في دين الله بدعة لا أصل لها، لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، ولا في ما كان عليه سلفنا الصالح رضي الله عنهم، ليس فيه شيء من هذا ولكن بعض الناس استدلوا به على أن هناك بدعة حسنة، ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:«من سن في الإسلام سنة حسنة» ففسروا من سن بمعنى من ابتدع.

إذاً: يوجد في الإسلام على زعم هؤلاء المتأولين للحديث بغير تأويله الصحيح، يوجد في الإسلام بدعة حسنة كما أنه يوجد بدعة سيئة، لذلك ينقمون علينا نحن معشر أتباع السلف إن شاء الله حينما نقول:«كل بدعة ضلالة» .

ويا للعجب! لو أن قولنا هذا كان صادراً منا اجتهاداً واقتباساً واستنباطاً ربما كان لهم وجه من العذر، أما وقلنا هذا إنما هو قول نبينا صلوات الله وسلامه عليه الذي كان يكرره بمناسبات شتى مختلفة متنوعة ترسيخاً لهذه القاعدة في أذهان الأمة حتى لا تضل بعده عليه السلام وتشقى فتفسر هذا الحديث الذي وضع هذه القاعدة الكلية بخلاف دلالتها الصريحة، وقد وقع هذا المحظور مع الأسف الشديد مع حرص الرسول عليه الصلاة والسلام على تكرار هذه الجملة

ص: 371

المباركة، كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار في مناسبات شتى أهمها أنها من خطبة الحاجة، أنها فقرة من خطبة الحاجة التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمها أصحابه وكان يكرر عليه الصلاة والسلام هذه الخطبة بين يدي خطبة الجمعة، وأنتم تسمعون مع الأسف أقول القليل من الخطباء الذين يفتتحون خطبة الجمعة وغير خطبة الجمعة بخطبة الحاجة أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

في كل خطبة جمعة كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكررها ويكرر فيها هذه القاعدة العظيمة الجليلة، كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، كذلك كان في مناسبات أخرى وأخرى كحديث العرباض بن سارية الذي يقول رضي الله عنه:«وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! أوصنا، أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» .

إلى هنا ينتهي حديث العرباض بخلاف حديث خطبة الحاجة، ففيها تلك الزيادة:«وكل ضلالة في النار» .

إذاً: الأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه العظيم حقاً «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» ، قال راداً على الذين يقسمون البدعة إلى خمسة أقسام، قال: هذا لا يمكن؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كان يريد من هذه الجملة: «كل بدعة ضلالة» تخصيصها لكان خصصها يوماً ما، إذ يكرر هذه الجملة على مسامع الناس، ثم هو يطلقها هكذا دائماً وأبداً ولا يأتي ولو بإشارة ولو بتلميح أن هذا من العام المخصوص كما يقول الفقهاء في بعض

ص: 372

النصوص، على العكس من ذلك أجراها هكذا مطلقة لكي تبقى هكذا قاعدة مستمرة إلى يوم القيامة، هذه القاعدة:«كل بدعة ضلالة» تشبه تماماً قاعدة أخرى لا يمكن أن يدخلها تخصيص ما إطلاقاً ألا وهو قوله عليه الصلاة السلام: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» ، هل يستطيع مسلم أن يقول: لا، ليس كل مسكر خمر، وليس كل خمر حرام؟ كلا ثم كلا.

إذاً: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما كرر هذه الجملة معنى ذلك أنه سد الطريق على من يحاول تأويلها وتخصيصها ببعض التأويلات كما سمعتم في حديث جرير بن عبد الله، حيث قال عليه الصلاة والسلام:«من سن» ففسروا «من سن» بمن ابتدع، وأنا قلت ولا أزال أقول إن هذا التفسير لو جاء به أعجمي مثلي أنا ألباني، مهما تعلم اللغة العربية فالأمر كما يقال: العرق دساس، فلو أنا أعجمي مثلي فسر قوله عليه السلام:«من سن في الإسلام سنة حسنة» بما فسره بعض العلماء، أي: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، لكان ذلك منه خطئأً فاحشاً، ولكان فعلاً يثبت بذلك أنه أعجمي لما يتعرب بعد؛ لأننا إذا قلنا معنى قوله عليه السلام:«من سن في الإسلام» أي: من ابتدع.

قد عرفتم آنفاً من سياقي بمناسبة هذا الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال هذا الحديث بمناسبة الحض على الصدقة، ولم يكن هناك في المجلس أية بدعة إطلاقاً، فإذا قلنا معنى الحديث كما زعموا: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة.

نسألهم: أين البدعة في ذلك المجلس، حتى قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمناسبتها من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، ليس في المجلس ما يمكن أن يقال إنه بدعة.

إذاً: ما كان في المجلس؟ كان الصدقة، بعد أن حضهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالآية وببعض أحاديثه على التصدق على هؤلاء الأعراب قام أولهم فجاء بما تيسر، ثم تبعه الآخرون فجاؤوا بما تيسر لهم، فقال عليه الصلاة والسلام:«من سن في الإسلام سنة حسنة» .

ص: 373

إذاً: خطأ فاحش جداً أن نفسر «من سن» هنا، بمعنى: من ابتدع؛ لأن هذا التفسير لا يطابق الواقع، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو بحق أفصح من نطق بالضاد وأيضاً أهتبلها فرصة، فأذكر بأن هذه الجملة أنا أفصح من نطق بالضاد، حديث باطل رواية، ولكن صحيح دراية؛ لأنه هو العربي الصميم الذي أنزل الله على قلبه القرآن بلسان عربي مبين، فهو حقاً أفصح من نطق بالضاد، ولكن ما صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكلم بهذا الحديث:«أنا أفصح من نطق بالضاد» ، لكنه حقاً هو أفصح من نطق بالضاد.

كيف يليق بأفصح الناس أن يقول لا مناسبة هناك، لم تقع في المجلس بدعة، فيقول: من ابتدع في الإسلام بدعة .. هذا كلام

تفسير مرفوض تماماً.

ثم نقول شيئاً آخر من باب تنبيه إخواننا طلاب العلم والسامعين جميعاً أننا إذا قلنا جدلاً أن معنى الحديث كما زعموا وهو باطل يقيناً، لكن سنزداد بياناً لبطلانه بهذا التأويل، فنقول: إذا كان معنا حديث: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، ومن ابتدع في الإسلام بدعة سيئة، ما هو الميزان وما هو الضابط وما هي القاعدة لمعرفة البدعة الحسنة من البدعة السيئة؟ أهو العقل أم النقل؟

فإن كان قولهم وكان جوابهم إنما هو العقل خرجوا من كونهم كما يقولون من أهل السنة والجماعة، وألحقوا أنفسهم بأهل الاعتزال والضلال الذين يقولون بما يعرف عند العلماء بالتحسين والتقبيح العقليين.

المعتزلة من ضلالاتهم التي خالفوا فيها جماهير علماء المسلمين أنهم يقولون بما سمعتم، بالتحسين والتقبيح العقليين.

معنى هذا يزعمون فيقولون: ما حسنه العقل فهو الحسن عند الله، وما استقبحه العقل فهو القبيح عند الله، سبحانه وتعالى عما يشركون {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، ما يحكم عقله بأنه حسن فينبغي أن يكون حسناً، وما يحكم عقلهم بأنه قبيح فينبغي أن يكون قبيحاً، لذلك

ص: 374

اتفقت المذاهب كلها ليس فقط مذهب أهل السنة على بطلان ما عليه المعتزلة من قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين، لكن الواقع مع الأسف أن كثيراً من المنتمين إلى أهل السنة والجماعة لسان حالهم يعبر عن أنهم في بواطنهم مع المعتزلة، أي: أنهم يحسنون ويقبحون بعقولهم وهذا واضح جداً حينما تناقش أحد الأساتذة أو أحد الدكاترة أو أحد المشايخ المتعصبين المتمذهبين، تقول لهم: الشيء الفلاني بدعة؟ يقول لك: يا أخي ماذا بها؟ فيها ذكر الله، فيها الصلاة على رسول الله، أنتم تنهون عن ذكر الله وعن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

حكم عقله، ما سلم عقله لله ورسوله كما قال عز وجل:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، فهم ردوه إلى عقولهم.

هذا اعتزال ضمني هم يتبرؤون من الاعتزال ويضللون المعتزلة، وقد يشتط بعضهم فيكفرونهم، مع ذلك فهم يلتقون معهم في كثير من الأحكام الفرعية حينما يحكمون عقولهم، فالآن نحن في هذا الحديث وهو:«من سن في الإسلام» إذا سلمنا جدلاً أن معنى: «من سن» أي: من ابتدع.

حسناً: هل البدعة على هوانا أم على شرعنا؟ من الذي يحسن، من الذي يقبح؟ هو الشرع.

حينئذ سنقول: يا أخي إذا ادعيت أن هذا الحادث سنة حسنة فالحسنة إنما تعرف بالنص الشرعي، فنقول:{هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111].

ولن يجدوا مطلقاً دليلاً على استحسان بدعة ليس لها أصل في السنة.

بعد هذا التعليق لبيان أن هذا الحديث لا يمكن الاستدلال به على ما يناقض القاعدة السابقة: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» ، إنما المقصود بالحديث كما ذكرت آنفاً هو حض المسلمين على إحياء عبادات وسنن سواء كانت مستحبة أو كانت مؤكدة فضلاً عما إذا كانت من الفرائض، ففي هذا الحديث حض بالغ على

ص: 375

إحياء ما أهمله الناس وما تركوه لسبب من الأسباب التي سبقت الإشارة إليها وغيرها؛ ليكون له أجرها وأجر من اتبعه على هذا الإحياء إلى يوم القيامة.

ذكرت الحديث الآخر وكما قلت لأرمي به عصفورين بحجر واحد، أولاً أنه في تفسير المراد من هذا الحديث الصحيح، «من أحيا سنة أميتت من بعدي فله أجرها .. » إلى آخرها.

وثانياً لأذكركم أنكم إذا رأيتم مثل هذا الحديث في بعض الكتاب وسترونه ولا شك؛ لأنه في أحد الكتب الستة وهو بالذات سنن الترمذي، فهذا الحديث رواه الترمذي لكن في إسناده رجل اسمه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني وهو رجل متهم بالكذب، فروى الحديث ربما رواه بالمعنى الذي تبادر له انطلاقاً من الحديث الصحيح، فقال:«من أحيا سنة أميتت من بعدي .. » لكن هذا المعنى الصريح هنا في هذا الحديث الضعيف السند قد جاء في الحديث الصحيح ما يغنينا عنه وهذا من حججنا على هذا التفسير أو على هذا التقسيم المبتدع للسنة، سنة مألوفة وسنة غير مألوفة، أنا لأول مرة أسمع بهذا، عندك علم بهذا التقسيم؟

مداخلة: هذا علم جديد.

الشيخ: الله أكبر.

الحديث الذي أشير إليه الآن، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام:«إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء، قالوا: يا رسول الله! من هم؟ قال: هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي» .

إذاً: في هذا الحديث حض المسلمين أن يكونوا من الغرباء، ومن صفة هؤلاء الغرباء أنهم يصلحون ما أفسد الناس من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

مداخلة:

من هذه الجملة وهذه العبارة موجودة وسمعناها من بعضهم لكن

ص: 376

بلفظ آخر وهو: بدعة معروفة خير من سنة مجهولة.

الشيخ: أي نعم هذا صحيح مع الأسف.

إذاً: لا هم سلف يعني، لكنهم من الخلف.

مداخلة: أي نعم، فتذكرت الآن ..

الشيخ: سنة مألوفة وسنة غير مألوفة.

فإذاً: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما حض المسلمين في الحديث الأول الصحيح أن يحيوا السنة حتى يكتب لهم أجرها وأجر من عمل بها، كذلك حض هنا المسلمين بعامة أن يكونوا من الغرباء ومن صفة هؤلاء الغرباء أنهم يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي.

إلى هنا ينتهي جوابي فيما يحضرني الآن عن هذا التقسيم الذي لا أصل له.

مداخلة: سمعتك تقول إلى هنا انتهى الجواب ..

الشيخ: أي نعم، لكن ليس معناه انتهى كلامي، هناك فرق.

مما لا إشكال فيه أننا لو انطلقنا من هذا التقسيم البدعي فلا شك أن الأمر سيستمر إلى سكون، وإلى انهيار حتى تموت السنن كلها وتحيا البدع وتقوم مقامها، ولا يوجد عالم في الدنيا أبداً حتى لو كان من الخلف يمكن أن يقول بمثل هذا القول، تقسيم السنة إلى هذين القسمين

التقسيم هذا مبتدع مخالف لتلك الأصول الصريحة التي تحض المسلمين جميعاً وتحض الغرباء الذي لهم طوبى وحسن مآب، طوبى كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:«شجرة في الجنة يمشي الراكب المسرع تحت ظلها مائة عام لا يقطعها» .

هذه الشجرة لهؤلاء الغرباء، وصفة الغرباء أنهم يصلحون ما أفسد الناس من

ص: 377

سنتي بعدي.

فإذاً: ليس هذا التقسيم فقط هو بدعة مخالفة لعموم قوله عليه السلام: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» بل وهذه البدعة أو هذا التقسيم بدعة مخالف لكل أقوال علماء المسلمين حينما قالوا: كل بدعة تخالف السنة فهي بدعة ضلالة، وإن كانوا يقولوا أن هناك بدعة حسنة؛ لأنهم قالوا بالبدعة الحسنة بشرط أن لا تخالف سنة، فكيف وقد خالفوا سنن كثيرة هاهنا، ولو أن الإنسان تفرغ لتتبع النصوص لوجد أشياء وأشياء كثيرة جداً.

وإلى هنا ينتهي الكلام جواباً عن ذلك السؤال.

مداخلة: يبقى

في آخر السؤال يا شيخنا

الشيخ: تفضل.

مداخلة: وهي مراعاة المصلحة والمفسدة وما هو ضابط المراعاة.

الشيخ: لا شك أن هذه القاعدة كقاعدة علمية لا إشكال إطلاقاً في صحتها، أي: دفع المفسدة قبل جلب المصلحة، دفع المفسدة قبل جلب المصلحة، هذه قاعدة لا إشكال فيها، ولكن أنا ألاحظ على بعض المعاصرين اليوم الذين يجعلون هذه القاعدة تكأة لهم وعماداً لهم في حض الناس على عدم الاهتمام بالسنن المنفية المهملة المتروكة بزعم دفع المفسدة.

يا عجبا! بديل أن ينصحوا جماهير الناس وأن يقولوا لهم أيها الناس إذا سمعتم من بعض الناس سنة وجاؤوكم بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تأييداً لهذه السنة سواء كانت من قوله صلى الله عليه وآله وسلم أو من فعله، فحذار أن يتسرع أحدكم ويبادر بالإنكار على هؤلاء الذين يأتون بهذه السنة؛ لأن لهم أجرها وأجر من عمل بها إلى آخر الحديث، بديل أن ينصحوا المخالفين للسنة والمحاربين لها يعودون بالنصيحة على هؤلاء الذين يحيون السنة بدعوى دفع المفسدة قبل جلب

ص: 378

المصلحة.

سبحان الله! هلا قلتم هذا الكلام لأولئك الذين يفسدون في الأرض ويفسدون السنة ولا يصلحون، هؤلاء أولى بأن توجه إليهم هذه النصيحة، وليس إلى أنصار السنة وأتباع السنة ومحيي السنة.

أما الضابط لهذه القاعدة المسلمة فهي مثلاً إذا كان يترتب من وراء العمل بسنة الآن نقول حقيقة عند ناس لا علم لهم مطلقاً بالسنة، لا علم لهم مطلقاً بالسنة وترتب من وراء إحياء هذه السنة هكذا فجأة وطفرة واحدة نضربها كما يقولون عندنا في الشام علاوية، ترتب من ورائها سفك الدماء لا شك أن هذه مفسدة لا تساوي مصلحة العمل بهذه السنة؛ لأن هذه السنة تحتاج إلى توطئة وإلى تمهيد رويداً رويداً حتى قبل كل شيء يسمع الناس أن هناك سنة مثلاً، نضرب مثلاً رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، هذا في بلاد الأعاجم في كثير منها كبلاد الأتراك والألبان واليوغسلاف لا يعرفون رفع اليدين إلا عند تكبيرة الإحرام، فإذا فجأهم رجل برفع اليدين عند الركوع، رفع .. لا شك أنه ستقع مفسدة، ولكن عليه أن يمهد لإحياء هذه السنة بإحياء العلم بالسنة، بتذكيرهم بالأحاديث الواردة في حض المسلمين على التمسك بالسنة والتحذير عن البدعة والآثار الواردة عن السلف الصالح، ويمضي على ذلك أياماً حتى يرى بأن الناس قد تهيؤوا لقبول سنة من السنن المتروكة والمهجورة.

فهذا هو الضابط تقريباً، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل مكة فاتحاً منصوراً مأزوراً، ودخل وصلى ركعتين في جوف الكعبة شكراً لله عز وجل على هذا الفتح الكبير وخرج أرادت زوجه عائشة رضي الله تعالى عنها أن تفعل فعل نبيها، وأن تصلي ركعتين في جوف الكعبة، وأنتم تعلمون مع الأسف حتى الآن باب الكعبة هو على الوضع الذي كان في زمن الجاهلية مرتفع لا يمكن الصعود إلى جوف الكعبة إلا بسلم، وهذا السلم مع الأسف لا يوضع إلا .. لا أقول لخاصة الناس،

ص: 379

ربما يصح أن أقول لبعض أكابر مجرميها.

مداخلة: لخاصة أكابر مجرميها.

الشيخ: لخاصة أكابر مجرميها، وهكذا كان الأمر في عهد الرسول عليه السلام، فقال لها تيسيراً له في الاقتداء منها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:«صلي في الحجر» كلكم يعلم الحجر المسور بهذا القوس من الجدار.

«فإنه من الكعبة، ولولا أن قومك -هنا الشاهد- حديثو عهد بالشرك لهدمت الكعبة ولبنيتها على أساس إبراهيم عليه السلام، ولجعلت لها بابين مع الأرض» مع الأرض وليس سلم كأي مسجد تدخل من هذا الباب وتخرج من هذا الباب، هذا هو الذي بني على اليسر.

«ولجعلت بها بابين مع الأرض، باباً يدخلون منه وباباً يخرجون منه» ، ما فعل الرسول عليه السلام ذلك، وإلى اليوم مع الأسف لم يقم هذا الإصلاح، كأن المسلمين تمسكوا بتركه عليه السلام بهذا الإصلاح، وهنا لا بد لي من تقسيم ليس كذاك التقسيم، إنه تقسيم علمي دقيق، وذكرني بهذا التقسيم هو هذا الحديث.

السنة تنقسم إلى قسمين: سنة فعلية، وسنة تركية.

إذا قرأتم هذا التقسيم في بعض الكتب الغير مُشَكّلة ومضبوطة تقرؤوها سنة فعلية وسنة تُركية، لا سنة فعلية، وسنة تَركية، سنة فعلية أي: سنة فعلها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فالأمر بحقنا أن نقتدي به عليه السلام.

وسنة تَركية: أي تركها الرسول عليه السلام لم يفعلها، فالسنة في حقنا تركها.

هذا التقسيم ليس كذاك التقسيم، هذا إنه لحق مثلما أنكم تنطقون، والأمثلة كثيرة جداً، ولجهل جماهير الخلف لهذا التقسيم العادل الصحيح وقعوا في الابتداع في الدين بالعشرات، المئات، الألوف من البدع، وهم مع الأسف يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

ص: 380

كلنا يعلم أن من السنة الأذان للصلوات الخمس، بل أقول هذا من الواجب، لكن هناك خلاف بين الفقهاء هل الأذان سنة أم واجب، منهم ومنهم، وفيهم من قال إنه شعيرة من شعائر الإسلام، وأنه لا يجوز إهماله ولا بد من القيام به، وتوسط بين القول بأنه سنة مؤكدة وبين أنه واجب.

فهب أن الأذان للصلوات الخمس سنة، لكن هناك صلوات أخرى، فهل يشرع لها الأذان، مثلاً صلاة الاستسقاء، صلاة العيدين، صلاة الكسوف والخسوف، لا يشرع لهذه الصلوات الأذان، ما هو الحجة، كثير من جهلة بتلك القاعدة العظيمة، كل بدعة ضلالة، إذا قلت له يا أخي هذه بدعة ما فعلها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ما فعلها الصحابة، يقول لك: يا أخي هل لديك نهي عنها؟ يريد نهياً خاصاً عن هذه المحدثة، نقول نحن أولاً: ليس من الضروري أن يكون هناك نهي عن كل جزئية وأن يكون هناك أمر بكل جزئية، هناك قواعد عامة، وقاعدتنا هنا: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

فإذاً: هناك نهي، لكن فهمه من فهمه، علمه من علمه، وجهله من جهله.

الخلاصة أن هذه الصلوات التي ذكرناها أخيراً من غير الصلوات الخمس لماذا لا نؤذن لها؟ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يؤذن لها.

إذاً: ما تركه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فسنة بحقنا أن نتركه، ما فعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فسنة بحقنا أن نفعله.

الآن نعود إلى قصة الكعبة، قال عليه السلام:«ولولا أن قومك حديثو عهد بالشرك لهدمت الكعبة .. » إلى آخره.

مع الأسف الشديد استمرت الكعبة على ما تركه الرسول عليه السلام أو تركها عليهم كأنهم طبقوا هذه القاعدة أن الرسول ترك هذا، فإذاً نحن نتركها، لكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، انظروا الآن معي الفقه ودقة الفقه للنصوص.

ص: 381

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ترك لعلة كانت يومئذ، قال:«لولا أن قومك حديثو عهد بالشرك» طيب يا أخي وبعد مائة سنة ومائتين سنة، الحمد لله، الإسلام انتشر ولم يبق هناك قوم بل أقوام هم حديثو عهد بالشرك.

إذاً: كان من الواجب على بعض الولاة والحكام المسلمين أن يقوموا بإصلاح ما أفسده المشركون، وتركه الرسول عليه السلام لعلة وهذه العلة زالت، ومن القواعد الأصولية أن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، فإذا زالت العلة زال المعلول.

إذاً: زال المشركون وطهر الله عز وجل الجزيرة العربية من الشرك وعهده، فكان ينبغي على بعض حكام المسلمين أن يعيدوا الكعبة إلى أساس إبراهيم عليه السلام كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

لقد شاء الله عز وجل بحكمته أن يقوم أحد المصلحين من الصحابة وأبناء الصحابة يوم قدر له أن يكون حاكماً في الحجاز، ألا وهو عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، تعلمون مع الأسف الخلاف الذي نشب بين الأمويين وبين عبد الله بن الزبير من حيث أنه بويع عبد الله بن الزبير بالخلافة في الحجاز، وكانت الخلافة يومئذ انتقلت إلى معاوية ثم إلى بعض أولاده وبني أمية، عبد الله بن الزبير كما تعلمون جميعاً أمه أسماء، وأسماء هي أخت عائشة، وكلتاهما ابنتا أبي بكر الصديق، فإذاً: عائشة هي خالة عبد الله بن الزبير، عائشة هي صاحبة القصة التي سمعتموها آنفاً:«ولولا أن قومك حديثو عهد بالشرك .. » إلى آخره، فاهتبلها فرصة عبد الله بن الزبير وأعاد الكعبة على أساس إبراهيم عليه السلام، لكن لحكمة يريدها الله ويعلمها الله قتل عبد الله بن الزبير، وصلب مع الأسف هناك في مكة واستتب الأمر للأمويين، وكان يومئذ الخليفة هو عبد الملك بن مروان، ومن مصائب الدنيا ومفاتنها ومفاتن الولايات والكراسي، أن هذا الرجل عبد الملك بن مروان كان من علماء المسلمين قبل أن يتولى الخلافة، فلما تولى الخلافة انقلب شخصاً آخر، ومن ذلك أنه حينما قتل عبد الله بن الزبير واستتب

ص: 382

الأمر لعبد الملك أمر بإعادة بناء الكعبة إلى ما كانت عليه في عهد الجاهلية، وذات يوم وهو في عرشه في ملكه جاءت قصة عبد الله بن الزبير وتجنيده لبناء الكعبة على أساس إبراهيم عليه السلام، كأنه ينقم عليه، فأحد أهل العلم ممن لا تأخذهم بالله لومة لائم، قال: يا أمير المؤمنين! إنني سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر هذا الحديث ..

قال عبد الملك آسفاً كما يقولون: بعد خراب البصرة، لا خراب الكعبة أهم من خراب البصرة، قال: لو أنني كنت على علم بهذا الحديث لتركت الكعبة على بناء عبد الله بن الزبير.

فأنا أقول مع الأسف الشديد بعد أن أعاد عبد الملك الكعبة إلى عهدها في الجاهلية لم يقم هناك حاكم مسلم ليعيد الكعبة على أساس إبراهيم عليه السلام، ويبطل هذه العادة التي يخصص بها بعض الناس ممن لا يستحقون أن يدخلوا المسجد الحرام فضلاً عن أن يدخلوا في جوف الكعبة، أن يجعلوا للكعبة بابين بعد أن يوسعوا دائرتها، ويدخلوا الناس من باب ويصلي فيها من شاء ويخرج من باب آخر، هذا أصل من أصول نستطيع أن نقول تنظيم السير، خاصة في مثل هذه الأماكن المزدحمة، لكن مع الأسف أكثر الحكام هم مقلدون ولا يحرصون على إحياء السنن وإماتة البدع، وأنا أعتقد أن الأمر في هذا الزمان هو أيسر وأحسن زمن ممكن أن يقوم فيه حاكم مسلم بالإصلاح؛ لأن التمهيد الآن بواسطة الدعايات والإذاعات في التلفاز وغير التلفاز .. إلى آخره، ممكن غزو العالم الإسلامي بالأفكار الصحيحة وتهيئته لإصلاح جديد لا يفاجأ به العالم هكذا مفاجأة فتقوم ثورة، هذا ممكن جداً وميسر لو كان هناك من يهتم بالإصلاح.

الخلاصة أن السنة التي تركها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نحن علينا أن نتركها لأننا لسنا أفقه منه ولا أبعد منه وكذلك أصحابه عليه السلام والسلف الصالح الذين قال فيهم الرسول عليه السلام: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» .

(الهدى والنور /610/ 38: 00: 00)

ص: 383