الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدعوة بين أمور الدنيا والدين
السائل: يقول السائل: .... التوفيق بين قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رواية مسلم «أنتم أعلم بأمور دنياكم» وحول مسألة العصمة؟
الشيخ: لا إشكال في هذه القضية، العصمة تتعلق بما يعود إلى الدين، أما أمور الدنيا فالحديث صريح في هذا «أنتم أعلم بأمور دنياكم» هو عليه الصلاة والسلام ليس مزارعاً ولا صانعاً ولا صاحب مهنة، وإنما كان راعي غنم في أول نبوته عليه السلام، وفي ذلك حكمة بالغة، ولذلك قال عليه السلام:«وما من نبي إلا وقد رعى الغنم» لأن ذلك يهيئه ليسوس الناس، فهو سائس، فالشاهد فالحديث هو يحمل في ثناياه الجواب على هذا السؤال.
إنه عليه السلام معصوم في تبليغ الشريعة فيستحيل أن يخطئ عليه السلام في تبديل حكم من أحكام الشريعة بحجة واقعه عليه السلام، وهو أنه بشر، كما هو في صريح القرآن {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110] فهو حقاً مثلنا، بشراً يأكل كما نأكل، ويشرب كما نشرب، ويتزوج، ولكن الله اصطفاه برسالته، ولذلك كان من تمام كلامه تعالى:{يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110]، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110] ليس هنا فقط انتهت الآية تمامها {يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110] هذا الوحي هو الذي يعصمه عليه الصلاة والسلام، لكن هنا مسألة فيها دقة لابد من التنبيه عليها، وبخاصة من كان منكم مثلي طالب علم، فيجب التنبه لهذه النقطة الدقيقة، وهي قلت: قال الله عز وجل مميزاً لنبيه عليه الصلاة والسلام بقوله: {يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110] قلت: وهذا الوحي هو الذي يعصمه أن يقع في خطأ فيما يتعلق بالشرع.
هنا يأتي سؤال: هل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم تصرفات في الشرع في الأحكام الشرعية، يمكن أن يصيب فيها وأن يخطئ، لأنه أجتهد ولم يوحَ إليه في شيء من تلك الاجتهادات، هل هذا وقع أم أن كل ما جاء من كلام الرسول عليه السلام فيما يتعلق بالأحكام الشرعية كل هذا وحي؟
أقول للجواب عن هذا السؤال، وإنما أطرحه للانتباه لنكتة الجواب أولاً، ولأن كثيراً من الناس اليوم ممن ينتمون إلى حزب من الأحزاب الإسلامية، ولا يجوز في الإسلام أن يكون هناك أحزاب؛ لأن الله يقول:{أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] فالمسلمون يجب عليهم جميعاً أن يكونوا حزباً واحداً، لكن مع الأسف الظروف التي عاشها المسلمون تحت الاستعمار المتنوع الأجناس، من استعمار بريطاني إلى استعمار فرنسي هولندي أسباني إلى آخره، كل هذه الاستعمارات أوحت بتقاليد المستعمر وبعاداتهم، ومن هذه العادات قد يختلفون في بعضها ويتفقون في قسم كبير منها، من ذلك الأحزاب، إلا في ضلالة الشيوعيين الذين عطلوا جزءاً من الزمن التحزب إلا حزب واحد هو الشيوعي ثم بدأ لهم بعد رأي مصداق قوله تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} [فصلت: 53] أن الشيوعية باطلة من أصلها، ولعلكم جميعاً تستمعون للأخبار الآن في تراجع الشيوعيين عن ضلالهم.
الشاهد لكنهم جمهوراً وقبل الشيوعية يقرون الحزبيات، بل ويعتبرون ذلك من الديمقراطية التي يسمونها أي العدالة، الشاهد لا يوجد في الإسلام إلا حزب واحد وهم الذين يتمسكون بما قلنا آنفاً بكتاب الله وبحديث رسول الله وعلى منهج السلف الصالح، بسبب استعمار هؤلاء المستعمرين المسلمين انتشرت فيهم بعض المبادئ المخالفة للإسلام، منها: الأحزاب.
يوجد هناك حزب إسلامي في هذه البلاد وفي غيرها، يقول: إنه لا يجوز للرسول عليه السلام أن يجتهد، الرسول لا يجتهد هكذا زعموا، لكن هذا الزعم
مرفوض بكثير من النصوص، والذين ادعوا هذا الادعاء، نيتهم الله أعلم إنها حسنه، لكنها من حيث الثمرة هي سيئة؛ لأنها تشبه نية كثير من الفرق القديمة التي أنكرت نصوصاً في الكتاب والسنة صريحة لتوهمهم أن التمسك بهذه النصوص وعلى ظاهرها -كما يزعمون- تؤدي إلى تعطيل الشريعة أو الطعن في جانب من جوانبها.
فالذين يقولون إن الرسول عليه السلام لا يجتهد، سيقولون إذاً نحن ما يدرينا إن أخذنا رأي من آراء الرسول التي أجتهد فيها أن يكون قد أخطأ، هنا يأتي الجواب:
إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالاجتهاد وأقرب إلى إصابة الصواب، وأن يؤجر ذلك الأجر المضاعف، فلماذا نقول: أن الرسول لا يجتهد وقد أجتهد فعلاً، لكننا نقول: إن اجتهد فأخطأ فسرعان ما يصوبه الوحي، هذا الذي قلته آنفاً {يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110]، أي يوحى إلي بحكم شرعي أو بتصويب لاجتهاد نبوي، فحينئذ نحن نكون في مأمن من أن نكون متبعين للرسول في شيء اجتهد فأخطأ، حاشاه من ذلك.
ولذلك هذا يؤدي بنا إلى أن نتخذ هذا الجواب قاعدة للرد على بعض الدكاترة -وهنا بصوره خاصة في الجامعة الأردنية- يقررون بأن بعض الأحاديث النبوية التي تتعلق ببعض الجزئيات الطبية والتي لم يثبت الطب حقائقها، قال: نحن نتوقف ولا نقول بأن هذا الحديث صحيح، ولو صححه المحدثون؛ لأن الطب لم يصححه، هذا معناه شكٌ في شيئين:
الشك الأول: في اجتهاد علماء الحديث وجهودهم، التي تكاتفت على مر الأيام والسنين في ضبط أحاديث الرسول عليه السلام وتمييز صحيحها من ضعيفها، أولاً.
ثم فيه الطعن على ما تلقته الأمة بالقبول؛ لأن أحاديث البخاري ومسلم -كما هو معلوم عند الجميع- هي أصح الأحاديث وأصح الأقوال التي رويت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد كتاب الله تبارك وتعالى، ولذلك اتفقت الأمة كلها على أن حديث الصحيحين مما لم يقع فيه خلاف بين العلماء المتقدمين فكلها تفيد الصحة واليقين، ولا يجوز الشك في شيء منها بسبب أن بعض الناس يعيشون ثقافة معينة أو عقلية معينة، كالمثال الذي أشرت إليه آنفاً.
عندكم مثلاً من الأحاديث التي لا يؤمن بها الأطباء اليوم إلا من كان مؤمناً حقاً أحاديث كثيرة جداً تدور كلها في الطب النبوي، من ذلك قوله عليه السلام:«في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام» الحبة السوداء ألي بيقولوا عندنا بالشام تعبير جميل: «ما بتعبي العين» من صغرها العين ما تشبع من النظر إليها، لكن من علم هذا النص النبوي الكريم الصحيح، لاشك أنه حين ينظر إليها تختلف نظرته إليها عن نظرة عامة الناس، وبخاصة الكفار منهم إليها.
هذا الحديث بطبيعة الحال -ثبتت التجربة كما يقولون- لم يكتشف سر هذه الحبة المباركة وإن كانوا قد اكتشفوا شيئاً من فوائدها، أما أنها شفاء من كل داء إلا السام الموت فهذا ما وصلوا إليه، وفي اعتقادي ربما لن يصلوا إليه؛ لأنه يبقى حكماً شرعياً غيبياً ليمتحن الله به عباده أيؤمن أم يكفر.
من ذلك مثلاً الحديث المعروف حديث الذبابة: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم ليخرجه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» ما وجدوا هذا في زعمهم، وبخاصة السر الأكبر الذي لا يمكنهم أن يكشفوه إلا بتجارب عديدة وكثيرة جداً جداً وهي أن تراقب الذبابة، حيث جاء في الروايات الصحيحة أنها تقع على الجناح الذي فيه الداء.
وهذا أظن حتى لو أجريت اختبارات تجربية وهي تهبط على الإناء، وقد يكون إعجاز أن الذباب على نوعين، منه ما يكون الداء في الجناح الأيمن، ومنه
ما يكون في الجناح الأيسر، فتختلف النتيجة ولا يمكن الوصول إليها بالتجربة.
إذاً ما ينبغي حينئذٍ للمسلم إلا أن يقف ويقول كما قال رب العالمين: {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
بعض الأطباء بعض الدكاترة يقولون: هذه الأحاديث مشكلة، فنحن نتوقف عنها يعني لا نصدق ولا نكذب، أتدرون ما حقيقة هذا الموقف -لو أردنا أن نشرحه- أي: إنهم يعاملون حديث نبيهم معاملتهم للإسرائيليات؛ لأن الإسرائيليات هي التي جاء عن الرسول عليه السلام الأمر «أن لا نصدقهم وأن لا نكذبهم» لأننا إن صدقناهم نكون قد صدقناهم فيما قد افتروا، وإن كذبناهم يمكن أن نكذبهم في شيء من البقايا الثابتة من شرائعهم، فلا نصدقهم ولا نكذبهم، هذا موقف المسلم بالنسبة للإسرائيليات.
أما موقف المسلم بالنسبة للأحاديث الواردة عن الرسول عليه السلام والأسانيد الصحيحة فلا يجوز إلا أن يكون آمنا بالله وبما جاء عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا هو الإيمان؛ لأننا إن انتظرنا أن يثبت بالتجربة الطبية حقيقة شرعية فآمنا، نحن ما آمنا بالشرع والحالة هذه، آمنا بماذا؟ بالطب، حينئذ هذا يناقض الإيمان الكامل، كما قال تعالى في أول سورة البقرة:{الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 1 - 2] لمن؟ {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] من؟ {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] أول شرط في المؤمنين حقاً إيمانهم بالغيب، وما هو الغيب؟ كل ما غاب عن عقلك فهو غيب، فكل ما جاء عن نبيك صلى الله عليه وآله وسلم يجب أن تسلم به وأن تؤمن به، سواء ثبت في الطب أو في العلم أم لم يثبت، ولذلك الذين يقررون اليوم ويقولون: مثل هذه الأحاديث نحن نتوقف ولا نقول فيها شيئاً، إنما يلقون الشك في قلوب المسلمين، في قلوب الطلبة الذين سيصبحون عما قريب موجهين للأمة، وفاقد الشيء لا يعطيه، فإذا كان هؤلاء لا يوجد عندهم الإيمان فليس باستطاعتهم أن يزرعوا هذا الإيمان في قلوب الناس؛ لأنهم هم في أنفسهم
ليس مؤمنين بكثير مما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإذاً إذا جاء نص قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} [عبس: 1 - 2] إذاً هذا مثال واقعي، كيف نقول أن الرسول عليه السلام لا يجتهد، هاهو قد اجتهد ولكنه لم يقر، {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} [عبس: 3 - 4]، وكثير من الأحكام التي صدرت عن الرسول عليه السلام توحي إلينا من كلامه عليه السلام لا من كلام رب العالمين أنها اجتهاد منه.
وقريباً ذكرنا بمناسبة أن امرأة قادرة من الصحابيات الفضليات اسمها فاطمة بنت قيس، سافر عنها زوجها وقد طلقها تطليقتين، ثم أرسل إليها بالطلقة الثالثة، وكان لهذا المطلق المسافر وكيل في المدينة، فجاء إليها وبلغها تطليق زوجها الطلقة الثالثة، وطلب منها أن تخرج من دار زوجها؛ لأنها أصبحت بائنة منه بينونة كبرى، ما كان عندها علم أن المطلقة ثلاثاً ليس لها نفقه ولا سكن، فتجلببت وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقصت قصتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أي أن زوجها طلقها طلقة ثالثة وأرسل إلى وكيلها وجاء إلي وطلب مني السكن، فقال عليه السلام: ليس لك نفقة ولا سكنى اذهبي -هنا الشاهد- اذهبي إلى بيت أم شريك -وكانت امرأة فاضلة أيضاً من المهاجرات وكان المهاجرون يترددون على دارها- فقال لها: اذهبي إليها، ثم قال: لا -هنا انتبهوا- إذاً لما قال لها اذهبي كان هذا اجتهاد من عنده لأنه عقد هذا القول اذهبي قال: «لا اذهبي إلى ابن أم مكتوم، فإنه أعمى فإنك إن وضعت خمارك عن رأسك لا يراك
…
» إلى آخر الحديث.
فإذاً في آن واحد يصدر من الرسول عليه السلام شيء ثم يصدر منه شيء آخر فهذا أكبر دليل إنه عليه الصلاة والسلام يجتهد، ولكن الفرق كما قلنا آنفاً وأكرر هذا على مسامعكم لكي تنتهوا إلى الحقيقة المقطوع بها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس كمثله شيء في البشر، النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس كمثله في البشر، فهو إذا اجتهد فأخطأ لا يقر، ينبه
بماذا؟ بطريقه الوحي.
في حديث الدجال مثلاً تجدون إنه يقول: هو في مكان كذا، ثم يقول: لا في مكان كذا، ثم يقول ثلاث تحويلات، هذا وذاك وأشياء كثيرة جداً تضطرنا أن نقول إن الرسول عليه السلام يجتهد ولكن اجتهاده ليس كاجتهاد العلماء، حيث يموت أحدهم ولا يؤجر على كثير من اجتهاداته إلا اجتهاداً واحداً؛ لأنه أخطأ، أما الرسول عليه السلام فهو معصوم -نرجع الآن- عن أن يُقَرّ على خطأ، نعم.
(الهدى والنور /306/ 45: 05: 00)
(الهدى والنور /306/ 43: 08: 00)
(الهدى والنور /306/ 34: 09: 00)
(الهدى والنور /306/ 32: 14: 00)