المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(الكتاب السابع في الاجتهاد) : - حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - جـ ٢

[حسن العطار]

فهرس الكتاب

- ‌مَسْأَلَةٌ) فِي صِيَغِ الْعُمُومِ

- ‌(مَسْأَلَةٌ جَوَابُ السَّائِلِ غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ دُونَهُ)

- ‌(مَسْأَلَةٌ إنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ عَنْ الْعَمَلِ) بِالْعَامِّ الْمُعَارِضِ لَهُ أَيْ عَنْ وَقْتِهِ

- ‌(الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ)

- ‌ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ كَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ)

- ‌(الظَّاهِرُ وَالْمُؤَوَّلُ)

- ‌(الْمُجْمَلُ)

- ‌(مَسْأَلَةٌ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ)

- ‌(النَّسْخُ)

- ‌(مَسْأَلَةٌ النَّسْخُ وَاقِعٌ عِنْدَ كُلِّ الْمُسْلِمِينَ)

- ‌(خَاتِمَةٌ لِلنَّسْخِ)

- ‌(الْكِتَابُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ)

- ‌[الْكَلَامُ فِي الْأَخْبَارِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْخَبَرُ إمَّا مَقْطُوعٌ بِكَذِبِهِ أَوْ اسْتِدْلَالًا]

- ‌مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ إلَّا بِقَرِينَةٍ)

- ‌[مَسْأَلَة الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ]

- ‌(مَسْأَلَةُ الْإِخْبَارِ عَنْ) شَيْءٍ (عَامٍّ) لِلنَّاسِ (لَا تَرَافُعَ فِيهِ) إلَى الْحُكَّامِ

- ‌[مَسْأَلَة الشَّخْصُ الَّذِي يُسَمَّى صَحَابِيًّا]

- ‌(مَسْأَلَةٌ الْمُرْسَلُ قَوْلَ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ)

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ) : (الصَّحِيحُ يُحْتَجُّ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ)

- ‌(خَاتِمَةٌ) (مُسْتَنَدُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ) فِي الرِّوَايَةِ

- ‌(الْكِتَابُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ) مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ

- ‌[اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ بِالْمُجْتَهِدِينَ]

- ‌ اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ (بِالْمُسْلِمِينَ)

- ‌[اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاع بِالْعُدُولِ]

- ‌ الْإِجْمَاعُ (لَا يَخْتَصُّ بِالصَّحَابَةِ)

- ‌ الْإِجْمَاعَ (الْمَنْقُولَ بِالْآحَادِ)

- ‌[إجْمَاعَ الْأُمَمِ السَّابِقَة]

- ‌ الْإِجْمَاعُ (السُّكُوتِيُّ)

- ‌[التَّمَسُّكَ بِأَقَلَّ مَا قِيلَ فِي الْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الصَّحِيحُ إمْكَانُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌ حُرْمَةِ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ

- ‌(خَاتِمَةٌ: جَاحِدُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ)

- ‌(الْكِتَابُ الرَّابِعُ فِي) (الْقِيَاسِ) مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ

- ‌ الْقِيَاسُ (حُجَّةٌ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ)

- ‌ الْقِيَاسَ عَلَى مَنْسُوخٍ)

- ‌[أَرْكَانُ الْقِيَاسِ]

- ‌[الرُّكْن الْأَوَّلُ الْأَصْلُ]

- ‌(الثَّانِي) مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ (حُكْمُ الْأَصْلِ

- ‌(الثَّالِثُ) مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ (الْفَرْعُ

- ‌(الرَّابِعُ) مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ (الْعِلَّةُ)

- ‌ الْعِلَّةُ (الْقَاصِرَةُ)

- ‌ التَّعْلِيلُ بِمُجَرَّدِ الِاسْمِ

- ‌(التَّعْلِيلَ) لِلْحُكْمِ الْوَاحِدِ (بِعِلَّتَيْنِ) فَأَكْثَرَ

- ‌(لَا يُشْتَرَطُ) فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ (الْقَطْعُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ)

- ‌[انْتِفَاءُ الْمُعَارِضِ لِلْعِلَّةِ]

- ‌[لِلْمُسْتَدِلِّ دَفْعُ الْمُعَارَضَةِ فِي الْعِلَّةِ]

- ‌(مَسَالِكُ الْعِلَّةِ)

- ‌(الْأَوَّلُ) مِنْهَا (الْإِجْمَاعُ)

- ‌(الثَّانِي) مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ (النَّصُّ الصَّرِيحُ)

- ‌[الثَّالِثُ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ الْإِيمَاءُ]

- ‌(الرَّابِعُ) مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ (السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ

- ‌(الْخَامِسُ) مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ (الْمُنَاسَبَةُ وَالْإِخَالَةُ)

- ‌(السَّادِسُ) مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ مَا يُسَمَّى بِالشَّبَهِ

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُنَاسَبَةُ تَنْخَرِمُ بِمَفْسَدَةٍ تَلْزَمُ الْحُكْمَ رَاجِحَةٍ عَلَى مَصْلَحَتِهِ أَوْ مُسَاوِيَةٍ لَهَا]

- ‌(السَّابِعُ) مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ (الدَّوَرَانُ

- ‌(الثَّامِنُ) مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ (الطَّرْدُ

- ‌(التَّاسِعُ) مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ (تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ

- ‌(الْعَاشِرُ) مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ (إلْغَاءُ الْفَارِقِ)

- ‌(خَاتِمَةٌ فِي نَفْيِ مَسْلَكَيْنِ ضَعِيفَيْنِ

- ‌(الْقَوَادِحُ)

- ‌[خَاتِمَةٌ] (الْقِيَاسُ مِنْ الدِّينِ)

- ‌(الْكِتَابُ الْخَامِسُ فِي الِاسْتِدْلَالِ

- ‌(مَسْأَلَةُ الِاسْتِقْرَاءِ بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ)

- ‌[مَسْأَلَةٌ فِي الِاسْتِصْحَابِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ لَا يُطَالَبُ النَّافِيَ) لِلشَّيْءِ (بِالدَّلِيلِ) عَلَى انْتِفَائِهِ

- ‌[مَسْأَلَةٌ هَلْ كَانَ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم مُتَعَبَّدًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِشَرْعٍ]

- ‌(مَسْأَلَةُ حُكْمِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ قَبْلَ الشَّرْعِ)

- ‌(مَسْأَلَةُ الِاسْتِحْسَانِ

- ‌(مَسْأَلَةُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ) الْمُجْتَهِدِ

- ‌(مَسْأَلَةُ الْإِلْهَامِ

- ‌[خَاتِمَةٌ مَبْنَى الْفِقْهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ]

- ‌(الْكِتَابُ السَّادِسُ فِي التَّعَادُلِ وَالتَّرَاجِيحِ)

- ‌(مَسْأَلَةٌ يُرَجَّحُ بِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ)

- ‌(الْكِتَابُ السَّابِعُ فِي الِاجْتِهَادِ) :

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُصِيبِ مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ]

- ‌[الْمَسْأَلَةُ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الِاجْتِهَادِيَّاتِ)

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيٍّ أَوْ عَالِمٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ اُحْكُمْ بِمَا تَشَاءُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ]

- ‌(مَسْأَلَةُ التَّقْلِيدِ

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ لِلْمُجْتَهِدِ وَتَجَدَّدَ لَهُ مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ عَمَّا ظَنَّهُ فِيهَا أَوَّلًا وَلَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ]

- ‌(مَسْأَلَةُ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ)

- ‌(مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى التَّفْرِيعِ وَالتَّرْجِيحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا)

- ‌ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ)

- ‌[خَاتِمَةٌ فِي مَبَادِئِ التَّصَوُّفِ الْمُصَفِّي لِلْقُلُوبِ]

الفصل: ‌(الكتاب السابع في الاجتهاد) :

صُوَرِ الْمُنَاسِبِ عَلَى بَعْضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

(الْكِتَابُ السَّابِعُ فِي الِاجْتِهَادِ) :

(الِاجْتِهَادُ) الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ فِي الْفُرُوعِ (اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ) بِأَنْ يَبْذُلَ تَمَامَ طَاقَتِهِ فِي النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ (لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فَقِيهٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ شَرْعِيٌّ

ــ

[حاشية العطار]

[الْكِتَابُ السَّابِعُ فِي الِاجْتِهَادِ]

الْمُرَادُ مُطْلَقُ الِاجْتِهَادِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ فِيهِ اجْتِهَادَ الْمَذْهَبِ وَالْفُتْيَا، وَأَعَادَهُ اسْمًا ظَاهِرًا مُرَادًا بِهِ الِاجْتِهَادُ فِي الْفُرُوعِ فَفِيهِ شِبْهُ اسْتِخْدَامٍ وَهُوَ لُغَةً افْتِعَالٌ مِنْ الْجَهْدِ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ وَهُوَ الطَّاقَةُ وَالْمَشَقَّةُ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ الصَّخْرَةِ وَلَا يُقَالُ اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ الْخَرْدَلَةِ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَبْذُلَ إلَخْ) بَيَانٌ لِاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ وَقَوْلُهُ تَمَامَ طَاقَتِهِ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْوُسْعِ، وَالْمُرَادُ بِتَمَامِ طَاقَتِهِ تَمَامُ مَقْدُورِهِ إذْ الْوُسْعُ بِالضَّمِّ الْمَقْدُورُ فَلَوْ قَالَ مِنْ النَّظَرِ بَدَلَ فِي النَّظَرِ كَانَ أَوْضَحَ اهـ. نَاصِرٌ.

وَوُجِّهَ سم بِأَنَّ الْمَقْدُورَ هُوَ نَفْسُ النَّظَرِ فَالتَّعْبِيرُ بِمِنْ لِيَكُونَ بَيَانًا لِتَمَامِ طَاقَتِهِ الَّذِي هُوَ تَمَامُ مَقْدُورِهِ أَوْضَحُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِفِي الْمُوجِبِ لِإِشْكَالِ الظَّرْفِيَّةِ وَالْمُحْوِجُ إلَى التَّكَلُّفِ فِيهَا؛ لِأَنَّ تَمَامَ طَاقَتِهِ هُوَ النَّظَرُ وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ مَبْذُولًا فِي نَفْسِهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ تَمَامَ الطَّاقَةِ وَالْمَقْدُورَ لَيْسَ نَفْسَ النَّظَرِ بَلْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ فَلَا إشْكَالَ فِي الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ مِنْ الْمَقْدُورَاتِ يُبْذَلُ فِي حُصُولِهِ اهـ.

قَالَ الْبُدَخْشِيُّ وَالْمُرَادُ الِاسْتِفْرَاغُ بِحَيْثُ يُحِسُّ مِنْ النَّفْسِ الْعَجْزَ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ اجْتِهَادُ الْمُقَصِّرِ فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ فِي الِاصْطِلَاحِ اجْتِهَادًا مُعْتَبَرًا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَنْ تَرَكَ هَذَا الْقَيْدَ جَعَلَ الِاجْتِهَادَ أَعَمَّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ اهـ.

(قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ قَيْدَ الْحَيْثِيَّةِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْفَقِيهِ

ص: 420

فَخَرَجَ اسْتِفْرَاغُ غَيْرِ الْفَقِيهِ وَاسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ لِتَحْصِيلِ قَطْعٍ بِحُكْمٍ عَقْلِيٍّ، وَالظَّنُّ الْمُحَصَّلُ هُوَ الْفِقْهُ الْمُعَرَّفُ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ إلَخْ فَلَوْ عَبَّرَ هُنَا بِالظَّنِّ بِالْأَحْكَامِ كَانَ أَحْسَنَ، وَالْفَقِيهُ فِي التَّعْرِيفِ بِمَعْنَى الْمُتَهَيِّئِ لِلْفِقْهِ مَجَازًا شَائِعًا، وَيَكُونُ بِمَا يُحَصِّلُهُ فَقِيهًا حَقِيقَةً وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْمُجْتَهِدُ الْفَقِيهُ) كَمَا قَالَ فِيمَا تَقَدَّمَ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ وَالْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصْدُقُ عَلَى مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْآخَرُ وَلِتَحَقُّقِهِ شُرُوطٌ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمُجْتَهِدُ أَوْ الْفَقِيهُ مِنْ حَيْثُ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ (الْبَالِغُ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَكْمُلْ عَقْلُهُ حَتَّى يُعْتَبَرَ قَوْلُهُ (الْعَاقِلُ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا تَمْيِيزَ لَهُ يَهْتَدِي بِهِ لِمَا يَقُولُهُ حَتَّى يُعْتَبَرَ (أَيْ ذُو مَلَكَةٍ) هِيَ (الْهَيْئَةُ الرَّاسِخَةُ فِي النَّفْسِ) يُدْرِكُ بِهَا الْمَعْلُومَ أَيْ مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يَعْلَمَ وَهَذِهِ الْمَلَكَةُ الْعَقْلُ. (وَقِيلَ الْعَقْلُ نَفْسُ الْعِلْمِ) أَيْ الْإِدْرَاكُ ضَرُورِيًّا كَانَ أَوْ نَظَرِيًّا (وَقِيلَ ضَرُورِيُّهُ) فَقَطْ وَصِدْقُ الْعَاقِلِ عَلَى ذِي الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ عَلَى هَذَا

ــ

[حاشية العطار]

مَوْضُوعٌ فِي مَحَلٍّ شَرْعِيِّ الْمَزِيدِ فَيَخْرُجُ بِهِ مَا يُحْتَرَزُ بِشَرْعِيٍّ عَنْهُ، وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِفْرَاغٌ لِذَلِكَ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فَقِيهٌ وَلِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُحْتَرَزَاتِ اسْتِغْنَاءً بِقَوْلِهِ فَلَا حَاجَةَ، وَقَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِفْرَاغِ الْمُقَيَّدِ بِجَمِيعِ الْقُيُودِ الَّتِي قَبْلَهُ وَوَصْفُهُ مِنْ حَيْثُ آخِرًا إشَارَةٌ إلَى وُقُوعِهِ مَوْقِعَ شَرْعِيٍّ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ اهـ. نَاصِرٌ.

(قَوْلُهُ: بِحُكْمٍ عَقْلِيٍّ) قَيَّدَ بِالْعَقْلِيِّ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ حَاصِلٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى اجْتِهَادٍ (قَوْلُهُ: كَانَ أَحْسَنَ) أَيْ لِيُوَافِقَ مَا تَقَدَّمَ قَالَ النَّاصِرُ: وَالْمُنَاسِبُ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ جَوَازِ تَجَزِّي الِاجْتِهَادِ مَا عَبَّرَ بِهِ هُنَا (قَوْلُهُ: مَجَازًا شَائِعًا) مُنَافٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إطْلَاقِ الْفَقِيهِ عَلَى الْمُتَهَيِّئِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وَيُجَابُ بِأَنَّهُ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَاللُّغَةُ كَذَلِكَ، وَصَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي اصْطِلَاحِ هَذَا الْفَنِّ (قَوْلُهُ: وَلِذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْمُرَادِ بِالْفَقِيهِ الْمُتَهَيِّئُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصْدُقُ) أَيْ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّعْرِيفِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ بَيَانٍ لِمَا صَدَقَ فَتَسَاوَى الْأَفْرَادُ وَاخْتَلَفَ الْمَفْهُومُ (قَوْلُهُ: وَيَتَحَقَّقُ بِشُرُوطٍ) شُرُوطُ التَّحَقُّقِ هِيَ أَخَصُّ الشُّرُوطِ وَأَلْزَمُهَا؛ لِأَنَّ تَحَقُّقَ الْمَاهِيَّةِ لَا يُوجَدُ إلَّا بِتِلْكَ الشُّرُوطِ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ) أَيْ كَوْنُهُ فَقِيهًا لَا مِنْ حَيْثُ مَفْهُومُهُ (قَوْلُهُ: حَتَّى يُعْتَبَرَ) عِلَّةً لِلْكَمَالِ الْمَنْفِيِّ وَحَتَّى بِمَعْنَى كَيْ (قَوْلُهُ: أَيْ مَا مِنْ شَأْنِهِ إلَخْ) لَا الْمَعْلُومُ بِالْفِعْلِ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ ضَرُورِيُّهُ)

ص: 421

لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْإِنْسَانِ كَعِلْمِهِ بِوُجُودِ نَفْسِهِ كَمَا يَصْدُقُ لِذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَأْتِي مِنْهُ النَّظَرُ كَالْأَبْلَهِ

(فَقِيهُ النَّفْسِ) أَيْ شَدِيدُ الْفَهْمِ بِالطَّبْعِ لِمَقَاصِدِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُ الِاسْتِنْبَاطُ الْمَقْصُودُ بِالِاجْتِهَادِ (وَإِنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ) فَلَا يَخْرُجُ بِإِنْكَارِهِ عَنْ فَقَاهَةِ النَّفْسِ، وَقِيلَ يَخْرُجُ فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ (وَثَالِثُهَا إلَّا الْجَلِيُّ) فَيَخْرُجُ بِإِنْكَارِهِ لِظُهُورِ جُمُودِهِ (الْعَارِفُ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ) أَيْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ (وَالتَّكْلِيفُ بِهِ) فِي الْحُجِّيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ حُجَّةٌ فَيَتَمَسَّكُ بِهِ إلَى أَنْ يُصْرَفَ عَنْهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ (ذُو الدَّرَجَةِ الْوُسْطَى لُغَةً وَعَرَبِيَّةً) مِنْ نَحْوٍ وَتَصْرِيفٍ (وَأُصُولًا وَبَلَاغَةً) مِنْ مَعَانٍ وَبَيَانٍ (وَمُتَعَلَّقَ الْأَحْكَامِ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ مَا تَتَعَلَّقُ هِيَ بِهِ بِدَلَالَتِهِ عَلَيْهَا

ــ

[حاشية العطار]

بِالْإِضَافَةِ لِلضَّمِيرِ أَيْ ضَرُورِيُّ الْعِلْمِ أَيْ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ وَالْمُرَادُ بَعْضُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنَّ مَنْ فَقَدَ الْعِلْمَ بِمُدْرِكٍ لِعَدَمِ الْإِدْرَاكِ غَيْرُ عَاقِلٍ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ضَرُورِيَّهُ يُقْرَأُ بِالتَّاءِ أَيْ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ اهـ. زَكَرِيَّا.

(قَوْلُهُ: لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ) أَيْ مِنْ حَيْثُ اتِّصَافُ الْعَاقِلِ بِالْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَا مِنْ حَيْثُ اتِّصَافُهُ بِالْعِلْمِ النَّظَرِيِّ لِصِدْقِ الْعَاقِلِ مَعَ انْتِفَاءِ الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ كَمَا يَصْدُقُ لِذَلِكَ أَيْ لِأَجَلِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ عَلَى مَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ النَّظَرُ كَالْأَبْلَهِ اهـ. زَكَرِيَّا.

(قَوْلُهُ: بِالطَّبْعِ) أَخَذَهُ مِنْ إضَافَةِ فَقِيهٍ لِلنَّفْسِ أَوْ مِنْ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ فِقْهٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ السَّجَايَا وَقَوْلُهُ شَدِيدٌ أَخَذَهُ مِنْ مَادَّةِ فَقِيهٍ وَقَوْلُهُ الْفَهْمُ أَخَذَهُ مِنْ مَعْنَى الْفِقْهِ وَقَوْلُهُ لِمَقَاصِدِ الْكَلَامِ مُتَعَلِّقٌ بِشَدِيدِ الْفَهْمِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ اسْتِخْرَاجَاتِ الصُّوفِيَّةِ وَإِشَارَاتِهِمْ الْمَفْهُومَةِ لَهُمْ فَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ فِقْهًا وَاسْتِعْمَالُ الْفَقِيهِ بِمَعْنَى الْعَارِفِ بِالْفِقْهِ عُرْفِيٌّ أَيْضًا فَيَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُمْ.

(قَوْلُهُ: وَالتَّكْلِيفُ بِهِ) أَيْ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَيْ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ وَقَوْلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ إلَخْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحُجِّيَّةِ أَيْ فِي كَوْنِهِ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ وَهُوَ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ حُجِّيَّةٌ أَيْ يُعْلَمُ أَنَّا مُكَلَّفُونَ بِهَا مَا لَمْ يَرِدْ مَا يَصْرِفُ عَنْهَا مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ اهـ. زَكَرِيَّا.

(قَوْلُهُ: وَعَرَبِيَّةٌ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ إذْ اللُّغَةُ مِنْ أَفْرَادِهَا فَإِنَّهَا تَشْمَلُ اثْنَيْ عَشَرَ عَلَمًا جَمَعْتهَا فِي قَوْلِي:

نَحْوٌ وَصَرْفٌ عُرُوضٌ بَعْدَهُ لُغَةٌ

ثُمَّ اشْتِقَاقٌ وَقَرْضُ الشِّعْرِ إنْشَاءُ

كَذَا الْمَعَانِي بَيَانُ الْخَطِّ قَافِيَّةٌ

تَارِيخُ هَذَا لِعِلْمِ الْعُرْبِ إحْصَاءُ

وَبُلُوغُهَا إلَى هَذَا الْحَدِّ تَسَامُحٌ فِي الْعَدِّ كَمَا لَا يَخْفَى فَإِنَّ قَرْضَ الشِّعْرِ مِنْ فَوَائِدِ عِلْمِ الْعَرُوضِ وَالْإِنْشَاءَ ثَمَرَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ مَجْمُوعِهِمَا وَالتَّارِيخُ لَيْسَ بِعِلْمٍ بَلْ هُوَ نَقْلٌ مَحْضٌ، وَالِاشْتِقَاقُ دَاخِلٌ فِي عِلْمِ الصَّرْفِ عَلَى مَا تَحَرَّرَ، وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي حَوَاشِي لَامِيَّةِ الْأَفْعَالِ وَالْبَلَاغَةُ ثَمَرَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى مَجْمُوعَيْ عِلْمِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ مَعَ مُقَدِّمَاتِهَا مِنْ النَّحْوِ وَالصَّرْفِ وَاللُّغَةِ وَاشْتِرَاطُ مَعْرِفَةِ الْبَلَاغَةِ فِي الْمُجْتَهِدِ لَا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ لِرُجُوعِهَا إلَى الْمُخَاطَبَاتِ عَلَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ تَحَقَّقَ قَبْلَ تَدْوِينِهَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ فِي الِاجْتِهَادِ هُوَ النَّحْوُ وَالصَّرْفُ وَالْبَيَانُ لَا غَيْرُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَأُصُولًا) الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَإِنْ كَانَ عِلْمُ الْأُصُولِ قَدْ دُوِّنَ بَعْدَ تَقَدُّمِ نَحْوِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ (قَوْلُهُ: بِدَلَالَتِهِ عَلَيْهَا) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ

ص: 422

(مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ الْمُتُونَ) أَيْ الْمُتَوَسِّطَ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ لِيَتَأَتَّى لَهُ الِاسْتِنْبَاطُ الْمَقْصُودُ بِالِاجْتِهَادِ، أَمَّا عِلْمُهُ بِآيَاتِ الْأَحْكَامِ وَأَحَادِيثِهَا أَيْ مَوَاقِعِهَا وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فَلِأَنَّهَا الْمُسْتَنْبَطُ مِنْهُ، وَأَمَّا عِلْمُهُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ فَلِأَنَّهُ يَعْرِفُ بِهِ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِنْبَاطِ وَغَيْرِهَا لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَأَمَّا عِلْمُهُ بِالْبَاقِي فَلِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ الْمُرَادَ مِنْ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ إلَّا بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ بَلِيغٌ

ــ

[حاشية العطار]

مَعْنَى تَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِذَلِكَ ارْتِبَاطُهَا بِهِ ارْتِبَاطَ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ.

(قَوْلُهُ: أَيْ الْمُتَوَسِّطَ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ النِّهَايَةَ فِي تِلْكَ الْعُلُومِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يُبَلِّغَ اجْتِهَادَهُ لِلنَّاسِ وَلِذَلِكَ يُرْوَى عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِسَيِّدِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيِّ فِي الْمَطَافِ مِمَّا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيَّ أَنِّي بَلَغْت دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ فَقَالَ لَهُ سَيِّدِي وَلِمَ لَمْ تُظْهِرْهُ فَقَالَ أَخَافُ مِنْ تَشْنِيعِهِمْ عَلَيَّ كَمَا شَنَّعُوا عَلَى السُّيُوطِيّ هَكَذَا رَأَيْت هَذِهِ الْحِكَايَةَ مَسْطُورَةً بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ، وَأَظُنُّهَا مَوْضُوعَةً فَإِنَّ بُلُوغَ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ رُبَّمَا تَقْطَعُ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي حَيِّزِ الْإِمْكَانِ، وَالْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيّ مَعَ تَبَحُّرِهِ فِي الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ أَدَوَاتُ الِاجْتِهَادِ لَمَّا ادَّعَاهُ قَامَ عَلَيْهِ النَّكِيرُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الْحَافِظِ السُّيُوطِيّ وَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ فِي مَرْتَبَةِ الْعِلْمِ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالْوُقُوفِ عَلَى تَآلِيفِهِمَا، وَقَدْ ادَّعَى الْمُصَنِّفُ بُلُوغَ وَالِدِهِ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ فَقَالَ فِي تَرْشِيحِ التَّوْشِيحِ فَإِنْ قُلْت مَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ بُلُوغِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ مَرْدُودٌ بِقَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ وَقَدْ خَلَا الْعَصْرُ عَنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ، وَهَذَا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ بَلْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الْقَفَّالُ شَيْخُ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ الْوَسِيطِ سَاكِتِينَ عَلَيْهِ قُلْت قَدْ نَظَرْت هَذَا الْكَلَامَ وَفَكَّرْت فِيهِ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ وَمَنْ سَبَقَهُ إلَيْهِ إنَّمَا أَرَادُوا خَلَا عَنْ مُجْتَهِدٍ قَائِمٍ بِأَعْبَاءِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلِي الْقَضَاءَ فِي زَمَانِهِمْ مَرْمُوقٌ وَلَا مَنْظُورٌ إلَيْهِ بِكَثِيرِ عِلْمٍ بَلْ كَانَتْ جَهَابِذَةُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ يَرْبَئُونَ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ الْقَضَاءِ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَعْصَارِ بِخُلُوِّهَا عَنْ مُجْتَهِدٍ هَذَا مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَالْقَفَّالُ نَفْسُهُ كَانَ يَقُولُ لِلسَّائِلِ فِي مَسْأَلَةِ الصُّبْرَةِ أَتَسْأَلُنِي عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَمْ مَا عِنْدِي وَقَالَ هُوَ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُمْ لَسْنَا مُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ بَلْ مُوَافِقِينَ وَافَقَ رَأْيُنَا رَأْيَهُ فَمَا هَذَا الْكَلَامُ مَنْ يَدَّعِي زَوَالَ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ قَالَتْ طَوَائِفُ لَا يَخْلُو كُلُّ عَصْرٍ عَنْ مُجْتَهِدٍ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ يُعْجِبُنِي فِيهَا قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو الْعَصْرُ عَنْ مُجْتَهِدٍ إلَّا إذَا تَدَاعَى الزَّمَانُ وَقَرُبَتْ السَّاعَةُ، وَهَذَا الْقَرْنُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ قَدْ كَانَ فِيهِ هَذَانِ الرَّجُلَانِ وَهُمَا الْوَالِدُ وَقَبْلَهُ شَيْخُهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَكَانَ مِنْ أَقْرَان ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مُجْتَهِدٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَمَا اخْتَلَفَ تَلَامِذَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَنَّهُ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَهَكَذَا لَا يُعْهَدُ عَصْرٌ إلَّا وَقَدْ أَقَامَ اللَّهُ فِيهِ الْحُجَّةَ بِعَالِمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَنْ تَبْرَحَ حُجَّةُ اللَّهِ قَائِمَةً وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُ الْقَائِمِينَ وَشَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ ظُهُورُهَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ.

(قَوْلُهُ: لِيَتَأَتَّى لَهُ الِاسْتِنْبَاطُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه إذَا رُفِعَتْ إلَيْهِ أَيْ الْمُجْتَهِدِ وَاقِعَةٌ فَلْيَعْرِضْهَا عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ فَإِنْ أَعْوَزَهُ فَعَلَى الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ ثُمَّ عَلَى الْآحَادِ، فَإِنْ أَعْوَزَهُ لَمْ يَخُضْ فِي الْقِيَاسِ بَلْ يَلْتَفِتُ إلَى ظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ فَإِنْ وَجَدَ ظَاهِرًا نَظَرَ فِي الْمُخَصَّصَاتِ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ خَبَرٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَخْصِيصًا حَكَمَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى لَفْظٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ نَظَرَ إلَى الْمَذَاهِبِ فَإِنْ وَجَدَهَا مَجْمَعًا عَلَيْهَا اتَّبَعَ الْإِجْمَاعَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إجْمَاعًا خَاضَ فِي الْقِيَاسِ، وَيُلَاحِظُ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ أَوَّلًا وَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ كَمَا فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقِّلِ يُقَدِّمُ قَاعِدَةَ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْآلَةِ فَإِنْ عَدِمَ قَاعِدَةً كُلِّيَّةً نَظَرَ فِي النُّصُوصِ وَمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ فَإِنْ وَجَدَهَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ أَلْحَقَ بِهِ وَإِلَّا انْحَدَرَ إلَى قِيَاسٍ مُخَيَّلٍ فَإِنْ أَعْوَزَهُ تَمَسَّكَ بِالشَّبَهِ وَلَا يَعُودُ عَلَى طَرْدٍ إنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيَعْرِفُ مَأْخَذَ الشَّرْعِ هَذَا تَدْرِيجُ النَّظَرِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله، وَلَقَدْ أَخَّرَ الْإِجْمَاعَ عَنْ الْأَخْبَارِ وَذَلِكَ تَأْخِيرُ مَرْتَبَةٍ لَا تَأْخِيرُ عَمَلٍ إذْ الْعَمَلُ بِهِ مُقَدَّمٌ لَكِنَّ الْخَبَرَ يَتَقَدَّمُ فِي الْمَرْتَبَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مُسْتَنِدٌ قَبُولَ الْإِجْمَاعِ، قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ (قَوْلُهُ: أَيْ مَوَاقِعُهَا) أَيْ مَوَاضِعُ ذِكْرِهَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا) فَيَكْفِيهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنْ الْأُصُولِ

ص: 423

(وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ) وَالِدُ الْمُصَنِّفِ (هُوَ) أَيْ الْمُجْتَهِدُ (مَنْ هَذِهِ الْعُلُومُ مَلَكَةٌ لَهُ، وَأَحَاطَ بِمُعْظَمِ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَمَارَسَهَا بِحَيْثُ اكْتَسَبَ قُوَّةً يَفْهَمُ بِهَا مَقْصُودَ الشَّارِعِ) فَلَمْ يَكْتَفِ بِالتَّوَسُّطِ فِي تِلْكَ الْعُلُومِ وَضَمَّ إلَيْهَا مَا ذُكِرَ (وَيُعْتَبَرُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ) وَالِدُ الْمُصَنِّفِ (لَا يَقَعُ الِاجْتِهَادُ لَا لِكَوْنِهِ صِفَةً فِيهِ بَلْ كَوْنُهُ خَبِيرًا بِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ كَيْ لَا يَخْرِقَهُ) فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَبِيرًا بِمَوَاقِعِهِ قَدْ يَخْرِقُهُ حَرَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ لَا اعْتِبَارَ بِهِ (وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ) لِيُقَدِّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَبِيرًا بِهِمَا قَدْ يَعْكِسُ (وَأَسْبَابِ النُّزُولِ) فَإِنَّ الْخِبْرَةَ بِهَا تُرْشِدُ إلَى فَهْمِ الْمُرَادِ.

(وَشَرْطِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ) الْمُحَقِّقِ لَهُمَا الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي لِيُقَدِّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَبِيرًا بِهِ قَدْ يَعْكِسُ (وَالصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ) مِنْ الْحَدِيثِ لِيُقَدِّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَبِيرًا بِهِمَا قَدْ يَعْكِسُ (وَحَالِ الرُّوَاةِ) فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ لِيُقَدِّمَ الْمَقْبُولَ عَلَى الْمَرْدُودِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَبِيرًا بِذَلِكَ قَدْ يَعْكِسُ وَفِي نُسْخَةٍ وَسِيَرِ الصَّحَابَةِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ بِعَدَالَتِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَيَكْفِي) فِي الْخِبْرَةِ بِحَالِ الرُّوَاةِ (فِي زَمَانِنَا الرُّجُوعُ إلَى أَئِمَّةِ ذَلِكَ) مِنْ الْمُحَدِّثِينَ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمْ فَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ لِتَعَذُّرِهِمَا فِي زَمَانِنَا إلَّا بِوَاسِطَةٍ، وَهُمْ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ فَالْخِبْرَةُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ اعْتَبَرُوهَا فِي الْمُجْتَهِدِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَبَيَّنَ وَالِدُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا شَرْطٌ فِي الِاجْتِهَادِ لَا صِفَةٌ فِيهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

(وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي الْمُجْتَهِدِ (عِلْمُ الْكَلَامِ) لِإِمْكَانِ الِاسْتِنْبَاطِ لِمَنْ يَجْزِمُ بِعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِ تَقْلِيدًا (وَ) لَا (تَفَارِيعُ الْفِقْهِ) ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُمْكِنُ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ

ــ

[حاشية العطار]

مَا إذَا رَاجَعَهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوَاقِعَةِ ظَنَّ أَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهَا، وَمَثَّلَ الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ الْأَصْلَ بِسُنَنِ أَبِي دَاوُد. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِمَا قَبْلَهُ مَعَ أَنَّ مَا قَبْلَهُ شَرْطٌ لِتَحَقُّقِ الْمُجْتَهِدِ الْمُفَسِّرِ بِظَانِّ الْحُكْمِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِحَقِيقَةِ الْمُجْتَهِدِ بِمَعْنَى الْمُتَهَيِّئِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِكَوْنِهَا مَلَكَةً لَهُ. (قَوْلُهُ: لِإِيقَاعِ الِاجْتِهَادِ) أَيْ بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: لَا لِكَوْنِهِ صِفَةً فِيهِ) أَيْ لَا لِكَوْنِ الِاجْتِهَادِ صِفَةً لَهُ بِتَهْيِئَةٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُتَهَيِّئًا مَعَ عَدَمِ خِبْرَتِهِ بِمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: بِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدُو عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَعْدَ انْقِرَاضِ أَصْحَابِ مُجْتَهِدِيهَا فَطَرِيقُ النَّقْلِ قَدْ انْقَطَعَ وَلَمْ يُجْمِعْ عَلَى هَذِهِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ جَمِيعُ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ.

(قَوْلُهُ: لَا اعْتِبَارَ بِهِ) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْخَرْقَ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا لَا اعْتِدَادَ بِهِ فِي الِاسْتِنْبَاطِ (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ الْحَسَنَ فَيُقَدَّمُ عَلَى الضَّعِيفِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَرَاتِبَ الصَّحِيحِ وَمَرَاتِبَ الْحَسَنِ أَيْ يَعْلَمُ مَاصَدَقَاتِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْحَسَنَةِ وَالضَّعِيفَةِ لَا أَنْ يَعْرِفَ مَفَاهِيمَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي أُصُولِ عِلْمِ الْحَدِيثِ. (فَائِدَةٌ)

قَالَ فِي التَّمْهِيدِ إذَا ظَفِرَ بِحَدِيثٍ يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَلِّدِينَ لَمْ يَلْزَمْهُ السُّؤَالُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ لَزِمَهُ سَمَاعُهُ لِيَكُونَ أَصْلًا فِي اجْتِهَادِهِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ قَالَا وَعَلَى مُتَحَمِّلِ السُّنَّةِ أَنْ يَرْوِيَهَا إذَا سُئِلَ عَنْهَا وَلَا يَلْزَمُهُ رِوَايَتُهَا إذْ لَمْ يُسْأَلْ إلَّا أَنْ يَجِدَ النَّاسَ عَلَى خِلَافِهَا اهـ.

(قَوْلُهُ: وَحَالِ الرُّوَاةِ) وَمِنْهُمْ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم فَإِنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي الرُّوَاةِ وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ بِعَدَالَتِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا عُدُولًا لَمْ يَتَوَقَّفْ قَبُولُ رِوَايَتِهِمْ عَلَى تَعَرُّفِ أَحْوَالِهِمْ فَلَا مَعْنَى لِتَوَقُّفٍ إيقَاعِ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ لَيْسَتْ كَغَيْرِهِمْ لَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْمُرَجِّحَاتِ.

(قَوْلُهُ: وَلَا تَفَارِيعُ الْفِقْهِ قَدَّرَ لَا فِي هَذَا وَمَا بَعْدَهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ النَّفْيَ مُنْصَبٌّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرُدَّ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا إنَّمَا تُمْكِنُ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ) أَيْ فَلَوْ جُعِلَتْ شَرْطًا فِيهِ لَزِمَ الدَّوْرُ لِتَوَقُّفِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ قَالَ النَّاصِرُ وَلَوْ قَالَ إنَّمَا تَحْصُلُ كَانَ أَظْهَرَ إذْ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى الِاجْتِهَادِ هُوَ الْحُصُولُ لَا الْإِمْكَانُ.

وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْإِمْكَانَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ إمْكَانٌ وُقُوعِيٌّ وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ إمْكَانٌ ذَاتِيٌّ وَفَرْقٌ بَيْنَهُمَا وَمَنْشَأُ الْإِشْكَالِ

ص: 424

فَكَيْفَ تُشْتَرَطُ فِيهِ (وَ) لَا (الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِبَعْضِ النِّسَاءِ قُوَّةُ الِاجْتِهَادِ وَإِنْ كُنَّ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ عَنْ الرِّجَالِ، وَكَذَا الْبَعْضُ الْعَبِيدُ بِأَنْ يَنْظُرَ حَالَ التَّفَرُّغِ عَنْ خِدْمَةِ السَّيِّدِ (وَكَذَا الْعَدَالَةُ) لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ (عَلَى الْأَصَحِّ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْفَاسِقِ قُوَّةُ الِاجْتِهَادِ وَقِيلَ تُشْتَرَطُ لِيُعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِهِ.

(وَلِيَبْحَثَ عَنْ الْمُعَارِضِ) كَالْمُخَصِّصِ وَالْمُقَيَّدِ وَالنَّاسِخِ (وَ) عَنْ (اللَّفْظِ هَلْ مَعَهُ قَرِينَةٌ) تَصْرِفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ أَيْ عَنْ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ لِيَسْلَمَ مَا يَسْتَنْبِطُهُ عَنْ تَطَرُّقِ الْخَدْشِ إلَيْهِ لَوْ لَمْ يَبْحَثْ، وَهَذَا أَوْلَى لَا وَاجِبٌ لِيُوَافِقَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ عَلَى الْأَصَحِّ وَمِنْ حِكَايَةِ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْبَحْثِ عَنْ صَارِفِ صِيغَةِ أَفْعَلَ عَنْ الْوُجُوبِ إلَى غَيْرِهِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ فِي كُلِّ مُعَارِضٍ.

(وَدُونَهُ) أَيْ دُونَ الْمُجْتَهِدِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ (مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ تَخْرِيجِ الْوُجُوهِ) الَّتِي يُبْدِيهَا (عَلَى نُصُوصِ إمَامِهِ) فِي الْمَسَائِلِ. (وَدُونَهُ) أَيْ دُونَ مُجْتَهِدِ الْمَذْهَبِ (مُجْتَهِدُ الْفُتْيَا وَهُوَ الْمُتَبَحِّرُ) فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ (الْمُتَمَكِّنُ مِنْ تَرْجِيحِ قَوْلٍ) لَهُ (عَلَى آخَرَ) أَطْلَقَهُمَا.

(وَالصَّحِيحُ جَوَازُ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ) بِأَنْ تَحْصُلَ لِبَعْضِ النَّاسِ قُوَّةُ الِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِ الْأَبْوَابِ كَالْفَرَائِضِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَدِلَّتَهُ بِاسْتِقْرَاءٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ مُجْتَهِدٍ كَامِلٍ، وَيَنْظُرَ فِيهَا وَقَوْلُ الْمَانِعِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ مُعَارِضٌ لِمَا عَلِمَهُ بِخِلَافِ مَا أَحَاطَ بِالْكُلِّ وَنَظَرَ فِيهِ بَعِيدٌ جِدًّا.

(وَ) الصَّحِيحُ (جَوَازُ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} [الأنفال: 67]

ــ

[حاشية العطار]

الْتِبَاسُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ تُشْتَرَطُ لِيَعْتَمِدَ عَلَى قَوْلِهِ) تَبِعَ الزَّرْكَشِيَّ فِي جَعْلِ هَذَا مُقَابِلًا لِلْأَصَحِّ وَتَعَقَّبَهُ الْعِرَاقِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا تَخَالُفَ بَيْنَهُمَا إذْ اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ لِاعْتِمَادِ قَوْلِهِ لَا يُنَافِي عَدَمَ اشْتِرَاطِهَا لِاجْتِهَادِهِ إذْ الْفَاسِقُ يَعْمَلُ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَمَدْ قَوْلُهُ اتِّفَاقًا أَيْ فَيَرْجِعُ الْخِلَافُ إلَى أَنَّهُ لَفْظِيٌّ اهـ. زَكَرِيَّا.

(قَوْلُهُ: وَالنَّاسِخِ) لَا يُقَالُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْكَلَامَ ثَمَّ فِيمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ دَلِيلٌ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ عَيْنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَهُنَا فِيمَا إذَا كَانَ دَلِيلٌ وَاحِدٌ وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ حُكْمٌ فَيُطْلَبُ مِنْ الْمُجْتَهِدِ الْبَحْثُ عَنْ مُعَارِضٍ مِنْ نَاسِخٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ. زَكَرِيَّا.

(قَوْلُهُ: أَيْ عَنْ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ لَا عَنْ اللَّفْظِ وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ قَوْلُ الْمُصَنِّفُ هَلْ مَعَهُ قَرِينَةٌ إلَخْ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الْقَرِينَةُ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ (قَوْلُهُ: وَمِنْ حِكَايَةِ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ أَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِالْعَامِّ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى اللَّفْظِ هَلْ مَعَهُ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ فَمَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ بَيَانٌ لِمَا تَقَدَّمَ

(قَوْلُهُ: وَدُونَهُ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ دُونَ ظَرْفٌ لَا يَتَصَرَّفُ فِي الْمَشْهُورِ فَلَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً.

(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ تَجَزُّؤُ الِاجْتِهَادِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُلَائِمُ مَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ مِنْ أَنَّهُ الْعِلْمُ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ اهـ. نَجَّارِيٌّ.

وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَيَنْظُرُ إلَخْ) تَصْوِيرٌ لِمَاهِيَّةِ قُوَّةِ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ إنَّمَا يَصِحُّ كَوْنُهُ تَصْوِيرًا لِمَاهِيَّةِ الِاجْتِهَادِ أَيْ الِاسْتِفْرَاغِ لَا لِلْقُوَّةِ الَّتِي هِيَ مَلَكَةٌ بِمَعْنَى التَّهَيُّؤِ تَأَمَّلْ. قَالَهُ النَّاصِرُ قَالَ سم وَمَبْنَى هَذَا الِاعْتِرَاضِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ النَّظَرُ لِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ بَلْ الْمُرَادُ النَّظَرُ فِي الْآلَاتِ الْمُحَصِّلَةِ لِقُوَّةِ الِاجْتِهَادِ كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ كَوْنُ الْكَلَامِ فِي شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ وَمَا يُحَقِّقُهُ.

(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى إلَخْ) وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا} [الحشر: 2] فَإِنَّهُ يَعُمُّهُ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرَهُ فَإِنَّهُ كَانَ صلى الله عليه وسلم أَعْلَى النَّاسِ بَصِيرَةً وَأَكْثَرَهُمْ اطِّلَاعًا عَلَى شَرَائِطِ الْقِيَاسِ فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ فَكَانَ الِاجْتِهَادُ عَلَيْهِ وَاجِبًا فَضْلًا عَنْ الْجَوَازِ، وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ أَشَقُّ مِنْ الْعَمَلِ بِالنَّصِّ وَالْأَشَقُّ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا» أَيْ أَشَقُّهَا وَالْأَفْضَلُ يَتْرُكُهُ الرَّسُولُ عليه السلام وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ وَلَوْ لَمْ يَتَّصِفْ بِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ النُّبُوَّةُ الَّتِي هِيَ مَعْدِنُ الْوَحْيِ وَسَائِرِ الْفَضَائِلِ، وَاسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] وَبَيَّنَ الْفَارِسِيُّ وَجْهَ دَلَالَتِهِ فَقَالَ الرُّؤْيَةُ لِلْإِبْصَارِ نَحْوَ رَأَيْت زَيْدًا وَلِلْعِلْمِ نَحْوَ رَأَيْت زَيْدًا قَائِمًا وَلِلرَّأْيِ مِثْلَ أَرَى فِيهِ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ

ص: 425

{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] عُوتِبَ عَلَى اسْتِيفَاءِ أَسْرَى بَدْرٍ بِالْفِدَاءِ وَعَلَى الْإِذْنِ لِمَنْ ظَهَرَ نِفَاقُهُمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَلَا يَكُونُ الْعِتَابُ فِيمَا صَدَرَ عَنْ وَحْيٍ فَيَكُونُ عَنْ اجْتِهَادٍ، وَقِيلَ يَمْتَنِعُ لَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ بِالتَّلَقِّي مِنْ الْوَحْيِ بِأَنْ يَنْتَظِرَهُ، وَالْقَادِرُ عَلَى الْيَقِينِ فِي الْحُكْمِ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ جَزْمًا وَرُدَّ بِأَنَّ إنْزَالَ الْوَحْيِ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ، (وَثَالِثُهَا) الْجَوَازُ وَالْوُقُوعُ فِي الْآرَاءِ (وَالْحُرُوبُ فَقَطْ) أَيْ وَالْمَنْعُ فِي غَيْرِهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ.

(وَالصَّوَابُ أَنَّ اجْتِهَادَهُ صلى الله عليه وسلم لَا يُخْطِئُ) تَنْزِيهًا لِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ عَنْ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ وَقِيلَ قَدْ يُخْطِئُ

ــ

[حاشية العطار]

وَأَرَاك لَا يَسْتَقِيمُ لِرُؤْيَةِ الْعَيْنِ لِاسْتِحَالَتِهَا فِي الْأَحْكَامِ وَلَا لِلْعِلْمِ لِوُجُوبِ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ الثَّالِثِ لَهُ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الرَّأْيَ أَيْ بِمَا جَعَلَ اللَّهُ رَأْيًا لَكَ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ وَحُذِفَ الْمَفْعُولَانِ مَعًا، وَإِنَّهُ جَائِزٌ وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ لِخَثْعَمَةَ «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ» «وَقَوْلُهُ لِعُمَرَ رضي الله عنه حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْته أَكَانَ يَضُرُّك» فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قِيَاسٌ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عليه السلام عَلِمَ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ لَكِنَّهُ بَيَّنَهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ لِمَا كَانَ مُوَافِقًا لَهُ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ وَفِي الْمَنْخُولِ الْمُخْتَارُ أَنَّا لَا نَظُنُّ إسْنَادًا بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ، وَيُسَوَّغُ لَهُ الِاجْتِهَادُ فَهَذَا حُكْمُ الْعَقْلِ جَوَازًا وَأَمَّا وُقُوعُهُ فَالْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْتَهِدُ فِي الْقَوَاعِدِ وَكَانَ يَجْتَهِدُ فِي الْفُرُوعِ.

قَوْلُهُ {أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} [الأنفال: 67] أَيْ مَأْخُوذًا مِنْهَا الْفِدَاءُ {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} [الأنفال: 67] أَيْ يُكْثِرَ قَتْلَ الْمُشْرِكِينَ وَيَكْسِرَ شَوْكَتَهُمْ ثُمَّ إنَّ مَنْ قَرَأَ تَكُونَ بِالتَّاءِ أَمَالَ أَسْرَى وَمَنْ قَرَأَهَا بِالْيَاءِ لَمْ يُمِلْ أَسْرَى، وَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ مِنْ الْقِرَاءَةِ بِالتَّاءِ مَعَ عَدَمِ الْإِمَالَةِ فَلَمْ يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْقُرَّاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَلْفِيقٌ (قَوْلُهُ: لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ بِالتَّلَقِّي مِنْ الْوَحْيِ) أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَا يَتِمُّ عَلَى الْقَائِلِينَ بِالِاجْتِهَادِ لَهُ صلى الله عليه وسلم مُطْلَقًا بَلْ عَلَى الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ قَدْ يُخْطِئُ، وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُخْطِئُ فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِمْ بِانْحِصَارِ سَبَبِ الْيَقِينِ فِي التَّلَقِّي مِنْ الْوَحْيِ بَلْ سَبَبُ الْيَقِينِ عِنْدَهُمْ أَمْرَانِ التَّلَقِّي مِنْ الْوَحْيِ وَالتَّلَقِّي مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَتَمَامُ الدَّلِيلِ عَلَى الْخَصْمِ لَا يَتَأَتَّى مَعَ عَدَمِ تَسْلِيمِهِ وَفِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي الْفُرُوعِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّصُوصِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْذِ بِالظَّنِّ مُطْلَقًا مَعَ إمْكَانِ الْقَطْعِ كَجَوَازِ الِاجْتِهَادِ بَيْنَ مِيَاهٍ تَنَجَّسَ بَعْضُهَا وَهُوَ عَلَى الشَّطِّ وَجَوَازِهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ مَعَ إمْكَانِ الْمَصِيرِ إلَى الْيَقِينِ انْتَهَى وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقِبْلَةَ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ إذْ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ لِمَنْ فِي نَحْوِ دُورِ مَكَّةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ بِنَحْوِ الْخُرُوجِ لِمُشَاهَدَةِ الْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ الِاجْتِهَادُ عَلَى الْمُتَمَكِّنِ مِنْ الْيَقِينِ بِسُهُولَةٍ كَمَنْ يُصَلِّي بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَعَ نَحْوِ ظُلْمَةٍ فَتَأَمَّلْ وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْقَائِلَ بِمَنْعِ الِاجْتِهَادِ فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ وَأَنَّ كُلَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ فَهُوَ وَحَيٌّ وَهُوَ يَنْفِي الِاجْتِهَادَ.

لِأَنَّهُ قَوْلُ الرَّأْيِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّهُ رَدُّ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ افْتِرَاءٌ فَيَخْتَصُّ بِمَا بَلَّغَهُ وَيَنْتَفِي الْعُمُومُ وَلَوْ سَلَّمَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَنْفِي الِاجْتِهَادَ؛ لِأَنَّهُ عليه السلام مَأْمُورٌ بِهِ فَلَيْسَ نُطْقًا بِهَوًى بَلْ هُوَ قَوْلٌ عَنْ الْوَحْيِ وَاسْتَدَلَّا أَيْضًا بِأَنَّهُ عليه السلام كَانَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ كَالظِّهَارِ وَاللِّعَانِ فَلَوْ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ لَمَا أَخَّرَ بَلْ اجْتَهَدَ.

وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بَلْ جَازَ التَّأْخِيرُ لِيَحْصُلَ الْيَأْسُ عَنْ النَّصِّ حَتَّى يَجُوزَ الِاجْتِهَادُ حِينَئِذٍ إذْ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ مَشْرُوطٌ بِالتَّيَقُّنِ بِعَدَمِ النَّصِّ، وَأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَجِدْ أَصْلًا يَقِيسُ عَلَيْهِ وَوَجَدَ أَنَّ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ مِنْ شَرَائِطِ الْقِيَاسِ أَوْ لِأَنَّ اسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ يَسْتَدْعِي زَمَانًا (قَوْلُهُ: جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ) فَإِنَّهَا فِي الْحُرُوبِ.

(قَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ أَنَّ اجْتِهَادَهُ صلى الله عليه وسلم لَا يُخْطِئُ) اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ فَلَوْ أَخْطَأَ وَجَبَ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ فَيَلْزَمُ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ الْخَطَأِ وَهُوَ بَاطِلٌ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ قَدْ يُخْطِئُ) صَرَّحَ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّ مُخْتَارَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْخَطَأُ فِي اجْتِهَادِهِ وَإِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ الْقَرَارُ عَلَيْهِ؛ «لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم شَاوَرَ أَصْحَابَهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَرَأَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه أَخْذَ الْفِدْيَةِ

ص: 426

وَلَكِنْ يُنَبَّهُ عَلَيْهِ سَرِيعًا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَتَيْنِ وَلِبَشَاعَةِ هَذَا الْقَوْلِ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالصَّوَابِ.

(وَالْأَصَحُّ أَنَّ الِاجْتِهَادَ جَائِزٌ فِي عَصْرِهِ) صلى الله عليه وسلم وَقِيلَ لَا لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ فِي الْحُكْمِ بِتَلَقِّيهِ مِنْهُ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ وَحْيٌ فِي ذَلِكَ لَبَلَّغَهُ لِلنَّاسِ، (وَثَالِثُهَا) جَائِزٌ (بِإِذْنِهِ صَرِيحًا قِيلَ أَوْ غَيْرَ صَرِيحٍ) بِأَنْ سَكَتَ عَمَّنْ سَأَلَ عَنْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فَلَا، (وَرَابِعُهَا) جَائِزٌ (لِلْبَعِيدِ) عَنْهُ دُونَ الْقَرِيبِ لِسُهُولَةِ مُرَاجَعَتِهِ (وَخَامِسُهَا) جَائِزٌ (لِلْوُلَاةِ) حِفْظًا لِمَنْصِبِهِمْ عَنْ اسْتِنْقَاصِ الرَّعِيَّةِ لَهُمْ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ بِأَنْ يُرَاجِعُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَقَعُ لَهُمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ (وَ) الْأَصَحُّ عَلَى الْجَوَازِ (أَنَّهُ وَقَعَ) وَقِيلَ لَا (وَثَالِثُهَا لَمْ يَقَعْ لِلْحَاضِرِ) فِي قُطْرِهِ صلى الله عليه وسلم بِخِلَافِ غَيْرِهِ (وَرَابِعُهَا الْوَقْفُ) عَنْ الْقَوْلِ بِالْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى الْوُقُوعِ «بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم حَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَالَ تُقَتَّلُ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذُرِّيَّتُهُمْ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ حُكْمَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ.

(مَسْأَلَةُ الْمُصِيبِ) مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ

ــ

[حاشية العطار]

مِنْهُمْ وَعُمَرُ رضي الله عنه ضَرْبَ أَعْنَاقِهِمْ وَاسْتَصْوَبَ عليه السلام رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ وَاخْتَارَهُ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الأنفال: 68] الْآيَةَ أَيْ لَوْلَا حُكْمُ اللَّهِ سَبَقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَهُوَ أَنْ لَا يُعَاقِبَ أَحَدًا بِالْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ لَأَصَابَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ بِسَبَبِ أَخْذِكُمْ الْفِدْيَةَ وَتَرْكِكُمْ الْقَتْلَ فَقَالَ عليه السلام لَوْ نَزَلَ بِنَا عَذَابٌ لَمَا نَجَا إلَّا عُمَرُ» فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى خَطَئِهِ فِي الِاجْتِهَادِ اهـ.

وَعِبَارَةُ مَتْنِ التَّوْضِيحِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ ثُمَّ الْعَمَلُ بِالرَّأْيِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ لِعُمُومِ فَاعْتَبِرُوا إلَى أَنْ قَالَ وَمُدَّةُ الِانْتِظَارِ مَا يُرْجَى نُزُولُهُ فَإِذَا خَافَ الْفَوْتَ فِي الْحَادِثَةِ يَعْمَلُ بِالرَّأْيِ (قَوْلُهُ: وَلَكِنْ يُنَبِّهُ إلَخْ) .

وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْله تَعَالَى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ} [الأنفال: 67] الْآيَةَ مَا كَانَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِك بَعِيدٌ مِنْ سِيَاقِ مَا بَعْدَهُ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ (قَوْلُهُ: عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالصَّوَابِ) إشَارَةً إلَى أَنَّ مُقَابِلَهُ غَيْرُ صَوَابٍ.

(قَوْلُهُ: وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ وَحَيٌّ فِي ذَلِكَ لَبَلَّغَهُ لِلنَّاسِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْوَحْيِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اجْتِهَادَهُ صلى الله عليه وسلم لَا يُخْطِئُ بَلْ فِي تَلَقِّي الْحُكْمِ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم بِوَحْيٍ أَوْ اجْتِهَادٍ مِنْهُ، وَقَدْ يُقَالُ أَنَّ اقْتِصَارَ الْمُعْتَرِضِ عَلَى الْوَحْيِ لِكَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ اهـ. نَجَّارِيٌّ.

وَفِي التَّمْهِيدِ إذَا رُوِيَ حَدِيثٌ لِغَائِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَمِلَ بِهِ ثُمَّ لَقِيَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ كِلَاهُمَا فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ.

وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ السُّؤَالُ إذَا حَضَرَ لَكَانَتْ الْهِجْرَةُ تَجِبُ إذَا غَابَ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ الْحَدِيثُ إنْ دَلَّ عَلَى تَغْلِيظٍ لَمْ يَلْزَمْهُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى تَرْخِيصٍ لَزِمَهُ (قَوْلُهُ وَثَالِثُهَا جَائِزٌ بِإِذْنِهِ) قَدْ يُفْهَمُ مِنْ مُقَابَلَةِ هَذَا لِلثَّانِي أَنَّ الثَّانِيَ يُمْنَعُ عِنْدَ الْإِذْنِ أَيْضًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسَعُهُ الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مِنْ شَيْءٍ مَعَ إذْنِ الشَّارِعِ فِيهِ فَالثَّالِثُ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُقَابِلُ الثَّانِيَ بَلْ يُوَافِقُهُ، وَإِنَّمَا يُقَابِلُ مَا عَدَاهُ وَإِنَّمَا حَكَى الْمُصَنِّفُ الْخِلَافَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ أَطْلَقَ الْمَنْعَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّفْصِيلِ كَمَا تَعَرَّضَ لَهُ الثَّالِثُ فَحَكَاهُ عَلَى وَجْهِ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ مِنْهُ وَإِنْ لَزِمَهُ الْقَوْلُ بِتَفْصِيلِ الثَّانِي اهـ. سم.

وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِذْنِ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُبَاحُ لَهُ شَيْءٌ وَيَتْرُكُهُ أَدَبًا.

(قَوْلُهُ: عَنْ اسْتِنْقَاصِ الرَّعِيَّةِ لَهُمْ) فِيهِ أَنَّ مُرَاجَعَتَهُ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْكَمَالُ بِعَيْنِهِ إلَّا أَنْ يُفْرَضَ فِي الرَّعَايَا الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَجْلَافِ الْأَعْرَابِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لِاسْتِدْلَالِ هَذَا الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ اُشْتُهِرَ) كَاجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَشْتَهِرْ لِقِلَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَرَابِعُهَا الْوَقْفُ) اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَدُلَّ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِهِ وَمَا يُنْقَلُ مِنْ الْآحَادِ لَا يَكْفِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ (قَوْلُهُ: وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْوُقُوعِ إلَخْ) أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْمَانِعِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عِلْمِيَّةٌ وَهَذَا خَبَرُ آحَادٍ يُفِيدُ ظَنَّ الْوُقُوعِ لَا الْقَطْعَ بِهِ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَنْ تَتَبَّعَ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ ذَلِكَ ظَفِرَ بِمَا يُفِيدُ مَجْمُوعُهُ التَّوَاتُرُ الْمَعْنَوِيُّ، وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِمَا رُوِيَ «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَتَلَ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ يَطْلُبُ سَلَبَهُ فَقَالَ رَجُلٌ سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي وَطَلَبَ مِنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنْ يُرْضِيَهُ عَنْهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه -

ص: 427