الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دَارٍ فَقَاسَمَ الْبَائِعُ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ الَّذِي صَارَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ يَدَعَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْقِسْمَةَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تَتِمَّةِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ لِلِانْتِفَاعِ وَلَا يَتِمُّ الِانْتِفَاعُ فِي الشَّائِعِ إلَّا بِالْقِسْمَةِ -
(صَحَّ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ تَسْلِيمُهَا) أَيْ الشُّفْعَةِ (عَلَى الصَّغِيرِ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ لِلتِّجَارَةِ فَصَحَّ مِمَّنْ يَمْلِكُ التِّجَارَةَ (كَذَا إذَا بَلَغَهُمَا شِرَاءُ دَارٍ بِجِوَارِ الصَّبِيِّ فَسَكَتَا) ، فَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْ الطَّلَبِ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّسْلِيمَ بِمَنْزِلَةِ التَّسْلِيمِ -
(الْوَكِيلُ بِطَلَبِهَا إذَا سَلَّمَ أَوْ أَقَرَّ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِتَسْلِيمِهِ) الشُّفْعَةَ (صَحَّ لَوْ) كَانَ التَّسْلِيمُ أَوْ الْإِقْرَارُ (عِنْدَ الْقَاضِي) ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْخُصُومَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَقَالَ زُفَرُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا
[كِتَابُ الْهِبَةِ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْبَيْعِ الَّذِي هُوَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِعِوَضٍ وَمَا يَتْبَعُهُ عَنْ الشُّفْعَةِ شَرَعَ فِي الْهِبَةِ الَّتِي هِيَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِلَا عِوَضٍ فَقَالَ (هِيَ) لُغَةً تَبَرُّعٌ وَتَفَضُّلٌ بِمَا يَنْتَفِعُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مُطْلَقًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم: 5] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} [الشورى: 49] وَشَرْعًا (تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِلَا عِوَضٍ) أَيْ بِلَا شَرْطِ عِوَضٍ لَا أَنَّ عَدَمَ الْعِوَضِ شَرْطٌ فِيهِ لِيُنْتَقَضَ بِالْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَتَدَبَّرْ -
(وَتَصِحُّ بِإِيجَابٍ كَوَهَبْتُ)، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِيهَا (وَنَحَلْتُ) أَيْضًا كَذَلِكَ يُقَالُ نَحَلَهُ كَذَا أَيْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ بِلَا عِوَضٍ (وَأَعْطَيْتُ وَأَطْعَمْتُكَ هَذَا الطَّعَامَ فَاقْبِضْهُ) قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْإِطْعَامُ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا يُطْعَمُ عَيْنُهُ يُرَادُ بِهِ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ حَيْثُ تَكُونُ عَارِيَّةً؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تُطْعَمُ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ: إضَافَةُ الطَّعَامِ إلَى مَا يُطْعَمُ عَيْنُهُ يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ وَالْإِبَاحَةَ، فَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِذَا قَالَ اقْبِضْهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّمْلِيكُ وَلِهَذَا زِيدَ هَاهُنَا قَوْلُهُ فَاقْبِضْهُ (وَجَعَلْتُ هَذَا لَكَ) ، فَإِنَّ اللَّامَ لِلتَّمْلِيكِ (وَأَعْمَرْتُكَهُ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهُوَ لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ» وَسَيَأْتِي تَمَامُ بَيَانِهِ -
(وَجَعَلْتُهُ لَكَ عُمْرَى وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ لَوْ نَوَى) أَيْ نَوَى بِالْحَمْلِ الْهِبَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهَا فَيَحْتَاجُ فِيهَا إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْهِبَةُ يُقَالُ حَمَلَ الْأَمِيرُ فُلَانًا عَلَى الْفَرَسِ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ (وَكَسَوْتُهُ) يَعْنِي هَذَا الثَّوْبَ، فَإِنَّ الْكِسْوَةَ يُرَادُ بِهَا التَّمْلِيكُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} [المائدة: 89] (وَدَارِي لَك) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (هِبَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الظَّرْفِ وَاللَّامُ فِي لَكَ لِلتَّمْلِيكِ (تَسْكُنُهَا) هَذَا لَا يُنَافِي فِي الْهِبَةِ بَلْ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَقْصُودِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ هَذَا الطَّعَامُ لَكَ تَأْكُلُهُ وَهَذَا الثَّوْبُ لَكَ تَلْبَسُهُ (لَا فِي) دَارِي لَكَ (هِبَةٍ سُكْنَى) ، فَإِنَّ قَوْلَهُ سُكْنَى تَمْيِيزٌ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِمَا قَبْلَهُ فَتَكُونُ عَارِيَّةً لَا هِبَةً
(أَوْ عَكْسُهُ) وَهُوَ دَارِي لَك سُكْنَى هِبَةً، فَإِنَّ مَعْنَاهُ دَارِي لَك بِطَرِيقِ السُّكْنَى حَالَ كَوْنِ السُّكْنَى هِبَةً فَتَكُونُ عَارِيَّةً لَا هِبَةً (أَوْ) دَارِي لَك (نُحْلَى سُكْنَى) ، فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ نَحَلْتهَا نُحْلَى وَقَوْلُهُ سُكْنَى تَمْيِيزٌ.
(أَوْ) دَارِي لَك (سُكْنَى صَدَقَةً) أَيْ بِطَرِيقِ السُّكْنَى حَالَ كَوْنِ السُّكْنَى صَدَقَةً (أَوْ) دَارِي لَك (صَدَقَةٌ عَارِيَّةٌ) أَيْ حَالَ كَوْنِهَا صَدَقَةً بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ فَعَارِيَّةً تَمْيِيزٌ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَنْفَعَةُ (أَوْ) دَارِي لَك (عَارِيَّةٌ هِبَةً) أَيْ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ حَالَ كَوْنِ مَنَافِعِهَا هِبَةً لَك، فَإِنَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ تَدُلُّ عَلَى الْعَارِيَّةِ لَا الْهِبَةِ (وَقَبُولٌ) عَطْفٌ عَلَى إيجَابُ، فَإِنَّهَا كَالْبَيْعِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْقِسْمَةَ) هَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَاسَمَ الْمُشْتَرِي الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يَبِعْ حَيْثُ يَكُونُ لِلشَّفِيعِ نَقْضُهُ لِعَدَمِ وُقُوعِ الْعَقْدِ مِمَّنْ قَاسَمَ فَلَمْ تَكُنْ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ
(قَوْلُهُ: صَحَّ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ تَسْلِيمُهَا. . . إلَخْ) هَذَا إذَا بِيعَتْ بِمِثْلِ قِيمَتِهَا، وَإِنْ بِيعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهَا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ قِيلَ جَازَ التَّسْلِيمُ بِالْإِجْمَاعِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ التَّسْلِيمُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَفِي الْبُرْهَانِ وَهَذَا إذَا بِيعَتْ بِمِثْلِ قِيمَتِهَا، فَإِنْ بِيعَتْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ قِيلَ يَجُوزُ التَّسْلِيمُ؛ لِأَنَّهُ تَمَحُّضٌ نَظَرًا وَقِيلَ لَا يَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْأَخْذَ فَلَا يَمْلِكُ التَّسْلِيمَ كَالْأَجْنَبِيِّ. اهـ.
(كِتَابُ الْهِبَةِ)(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهَا. . . إلَخْ) لَا يَخْفَى عَدَمُ الْمُرَادِ الثَّانِي مِنْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ الْحَمْلَ يُرَادُ بِهِ الْعَارِيَّةُ وَالْهِبَةُ، فَإِذَا نَوَى الْهِبَةَ اُعْتُبِرَتْ إذَا لَمْ يَنْوِ يُحْمَلُ عَلَى أَدْنَاهُمَا وَهُوَ الْعَارِيَّةُ
[مَا تَصِحّ بِهِ الْهِبَة]
(قَوْلُهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} [المائدة: 89] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّمْلِيكِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَأَتَّى بِالْمَنَافِعِ فَكَانَ تَمْلِيكُ الذَّاتِ مُرَادًا (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِمَا قَبْلَهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ دَارِي لَك هِبَةٌ
(قَوْلُهُ: فَتَكُونُ عَارِيَّةً) أَقُولُ: لِأَنَّهَا مُحْكَمَةٌ فِيهَا وَالْهِبَةُ تَحْتَمِلُهَا وَتَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ فَيُحْمَلُ الْمُحْتَمَلُ عَلَى الْمُحْكَمِ
لَا تَصِحُّ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ.
(وَتَتِمُّ) عَطْفٌ عَلَى تَصِحُّ (بِالْقَبْضِ) قَالَ الْإِمَامُ حَمِيدُ الدِّينِ رُكْنُ الْهِبَةِ الْإِيجَابُ فِي حَقِّ الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فَيَتِمُّ مِنْ جِهَةِ الْمُتَبَرِّعِ أَمَّا فِي حَقِّ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبُولِ ثُمَّ لَا يَنْفُذُ مِلْكُهُ فِيهِ إلَّا بِالْقَبْضِ (الْكَامِلِ) الْمُمْكِنِ فِي الْمَوْهُوبِ وَالْقَبْضُ الْكَامِلُ فِي الْمَنْقُولِ مَا يُنَاسِبُهُ وَفِي الْعَقَارِ مَا يُنَاسِبُهُ فَقَبْضُ مِفْتَاحِ الدَّارِ قَبْضٌ لَهَا وَالْقَبْضُ الْكَامِلُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ بِالْقِسْمَةِ حَتَّى يَقَعَ الْقَبْضُ عَلَى الْمَوْهُوبِ بِالْأَصَالَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بِتَبَعِيَّةِ قَبْضِ الْكُلِّ وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ بِتَبَعِيَّةِ الْكُلِّ (وَلَوْ) وَصْلِيَّةً (شَاغِلًا لِمِلْكِ الْوَاهِبِ لَا مَشْغُولًا بِهِ فَتَتِمُّ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَتَتِمُّ بِالْقَبْضِ الْكَامِلِ (بِالْقَبْضِ فِي مَجْلِسِهَا) أَيْ فِي مَجْلِسِ الْهِبَةِ (بِلَا إذْنِهِ) أَيْ الْوَاهِبِ (وَبَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ (بِهِ) أَيْ بِإِذْنِهِ -
(وَلَوْ نَهَاهُ) أَيْ نَهَى الْوَاهِبُ الْمَوْهُوبَ لَهُ عَنْ الْقَبْضِ (لَمْ يَصِحَّ) الْقَبْضُ (مُطْلَقًا) أَيْ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ إذْ لَا عِبْرَةَ لِلدَّلَالَةِ بِمُقَابَلَةِ التَّصْرِيحِ (فِي مَحُوزٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَتِمُّ بِالْقَبْضِ وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُفْرَغًا عَنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ وَحَقِّهِ وَاحْتِرَازٌ عَنْ هِبَةِ التَّمْرِ عَلَى النَّخْلِ وَنَحْوِهِ كَمَا سَيَأْتِي -
(مَقْسُومٍ) أَيْ تَعَلَّقَ بِهِ الْقِسْمَةُ وَلَمْ يَبْقَ مَشَاعًا (وَمَشَاعٌ لَا يُقْسَمُ) أَيْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْسَمَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَصْلًا كَعَبْدٍ وَاحِدٍ وَدَابَّةٍ وَاحِدَةٍ إذْ لَا يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مِنْ جِنْسِ الِانْتِفَاعِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ وَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ وَالثَّوْبِ الصَّغِيرِ (لَا) أَيْ لَا تَتِمُّ بِالْقَبْضِ (فِيمَا) أَيْ مَشَاعٍ (يُقْسَمُ) أَيْ مِنْ شَأْنِهِ الْقِسْمَةُ كَالْأَرْضِ وَالثَّوْبِ الْمَذْرُوعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ -
(وَلَوْ) وَصْلِيَّةً أَيْ وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ (لِشَرِيكِهِ) أَيْ لِشَرِيكِ الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ الْكَامِلَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ (فَإِنْ قَسَمَهُ) أَيْ أَفْرَزَ الْجُزْءَ الْمَوْهُوبَ الْمَشَاعَ (وَسَلَّمَهُ) أَيْ الْمَوْهُوبَ لَهُ (تَمَّتْ) الْهِبَةُ؛ لِأَنَّ تَمَامَهَا بِالْقَبْضِ وَعِنْدَهُ لَا شُيُوعَ فِيهِ وَلَوْ سَلَّمَهُ شَائِعًا لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى لَا يَنْفُذَ تَصَرُّفُهُ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَيَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفُ الْوَاهِبِ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ كَلَبَنٍ فِي ضَرْعٍ وَصُوفٍ عَلَى غَنَمٍ وَزَرْعٍ وَنَخْلٍ فِي أَرْضٍ وَتَمْرٍ عَلَى نَخْلٍ هَذِهِ نَظَائِرُ الْمَشَاعِ لَا أَمْثِلَتُهَا إذْ لَا شُيُوعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لَكِنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَشَاعِ حَتَّى إذَا فُصِلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ وَسُلِّمَتْ صَحَّ هِبَتُهَا كَمَا فِي الْمَشَاعِ (بِخِلَافِ دَقِيقٍ فِي بُرٍّ وَدُهْنٍ فِي سِمْسِمٍ وَسَمْنٍ فِي لَبَنٍ حَيْثُ لَا يَصِحُّ أَصْلًا) أَيْ سَوَاءٌ أَفْرَزَهَا وَسَلَّمَهَا أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ وَسِرُّهُ أَنَّ الْحِنْطَةَ اسْتَحَالَتْ وَصَارَتْ دَقِيقًا وَكَذَا غَيْرُهَا وَبَعْدَ الِاسْتِحَالَةِ هُوَ عَيْنٌ آخَرُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْغَصْبِ بِخِلَافِ الْمَشَاعِ، فَإِنَّهُ مَحَلٌّ لِلْمِلْكِ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهُ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ جَازَ -
(وَتَتِمُّ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَتَتِمُّ بِالْقَبْضِ وَتَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ شَاغِلًا لِمِلْكِ الْوَاهِبِ لَا مَشْغُولًا بِهِ (فِي مَتَاعٍ فِي دَارِهِ وَطَعَامٍ فِي جِرَابِهِ إذَا سَلَّمَهُمَا بِمَا فِيهِمَا بِخِلَافِ الْعَكْسِ) يَعْنِي لَوْ وَهَبَ مَتَاعًا فِي دَارِهِ أَوْ طَعَامًا فِي جِرَابِهِ وَسَلَّمَهُمَا أَيْ الدَّارَ وَالْجِرَابَ بِمَا فِيهِمَا صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي الْمَتَاعِ وَالطَّعَامِ وَلَوْ وَهَبَ دَارًا وَفِيهَا مَتَاعُ الْوَاهِبِ وَسَلَّمَ الْكُلَّ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ وَهَبَ جِرَابًا وَفِيهِ طَعَامُ الْوَاهِبِ وَسَلَّمَ الْجِرَابَ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمَوْهُوبَ مَتَى كَانَ مَشْغُولًا بِمِلْكِ الْوَاهِبِ يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ فَيَمْنَعُ صِحَّةَ الْهِبَةِ وَمَتَى كَانَ شَاغِلًا لَا يَمْتَنِعُ التَّسْلِيمُ فَتَصِحُّ الْهِبَةُ فَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ الْمَوْهُوبُ شَاغِلٌ لَا مَشْغُولٌ وَفِي الثَّانِي
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بِتَبَعِيَّةِ قَبْضِ الْكُلِّ) أَقُولُ يَعْنِي أَنَّ قَبْضَ بَعْضِ مَا يُقْسَمُ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ لَا يُفْسِدُ الْمِلْكَ حَتَّى لَوْ وَهَبَ نِصْفَ دَارٍ غَيْرَ مَقْسُومٍ وَدَفَعَ الدَّارَ إلَيْهِ فَبَاعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَا وُهِبَ لَهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ هِبَةً لَمْ يَقْبِضْهَا
(قَوْلُهُ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ) أَقُولُ وَقَالَ عُقْبَةُ ذَكَرَ عِصَامٌ رحمه الله أَنَّهَا تُفِيدُ الْمِلْكَ وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ رحمهم الله وَسَيَأْتِي أَنَّ الْهِبَةَ الْفَاسِدَةَ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ وَبِهِ يُفْتَى
(قَوْلُهُ: وَتَتِمُّ فِي مَتَاعٍ فِي دَارِهِ وَطَعَامٍ فِي جِرَابِهِ إذَا سَلَّمَهُمَا بِمَا فِيهِمَا) هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْمَوْهُوبَ دُونَ مَا هُوَ فِيهِ يَصِحُّ أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ شَارِحُ الْمَجْمَعِ عَنْ الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ: فَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ الْمَوْهُوبُ شَاغِلٌ) وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ شَاغِلًا فَحَذَفَ كَانَ وَاسْمَهَا وَأَبْقَى خَبَرَهَا وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى قِلَّةٍ لَا يَصِحُّ هُنَا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ لَا مَشْغُولٌ
الْمَوْهُوبُ مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْوَاهِبِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَظْرُوفَ يَشْغَلُ الظَّرْفَ، وَأَمَّا الظَّرْفُ فَلَا يَشْغَلُ الْمَظْرُوفَ -
(إلَّا إذَا وَهَبَ الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ أَيْضًا فَقَبَضَ الْكُلَّ بِإِذْنِهِ تَصِحُّ فِي الْكُلِّ) يَعْنِي لَوْ وَهَبَ الدَّارَ وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى وَهَبَ الْمَتَاعَ أَوْ وَهَبَ الْجِرَابَ وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى وَهَبَ الطَّعَامَ وَسَلَّمَ الْكُلَّ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْكُلَّ جُمْلَةً صَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ الْكُلَّ جُمْلَةً بِخِلَافِ مَا إذَا تَفَرَّقَ التَّسْلِيمُ، وَإِنَّمَا قَالَ بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالْقَبْضِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ مِلْكَ غَيْرِهِ كَذَا فِي الْكَافِي -
(وَيَنُوبُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ مَنَابَ الْقَبُولِ) يَعْنِي إذَا صَدَرَ الْإِيجَابُ مِنْ الْوَاهِبِ فَقَبِلَ قَبُولَ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْعَقْدَ إذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبَ بِإِذْنِهِ صَحَّتْ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ دَلِيلُ الْقَبُولِ (ثُمَّ إنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ هَلْ يَحْصُلُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمَوْهُوبِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ) حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَبُو اللَّيْثِ هِيَ قَبْضٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ (وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي صَحِيحِهَا) أَيْ الْهِبَةِ (بِالتَّخْلِيَةِ لَا فَاسِدِهَا) كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ -
(وَهَبَ دَارًا بِمَتَاعِهَا وَسَلَّمَهَا فَاسْتَحَقَّ الْمَتَاعَ صَحَّتْ فِي الدَّارِ) إذْ بِالِاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَ أَنَّ يَدَهُ فِي الْمَتَاعِ كَانَتْ يَدَ غَصْبٍ وَصَارَ كَمَا لَوْ غَصَبَ الدَّارَ وَالْمَتَاعَ ثُمَّ وَهَبَ لَهُ الدَّارَ أَوْ أَوْدَعَهُ الدَّارَ وَالْمَتَاعَ ثُمَّ وَهَبَ لَهُ الدَّارَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ -
(وَلَوْ وَهَبَ أَرْضًا وَزَرْعَهَا وَسَلَّمَهَا فَاسْتَحَقَّ الزَّرْعَ بَطَلَتْ) الْهِبَةُ (فِي الْأَرْضِ) ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ مَعَ الْأَرْضِ بِحُكْمِ الِاتِّصَالِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا صَارَ كَأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْبَعْضَ الشَّائِعَ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَتَبْطُلُ الْهِبَةُ فِي الْبَاقِي كَذَا فِي الْكَافِي قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ الْمُفْسِدُ هُوَ الشُّيُوعُ الْمُقَارِنُ لَا الشُّيُوعُ الطَّارِئُ كَمَا إذَا وَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فِي الْبَعْضِ الشَّائِعِ أَوْ اسْتَحَقَّ الْبَعْضَ الشَّائِعَ بِخِلَافِ الرَّهْنِ، فَإِنَّ الشُّيُوعَ الطَّارِئَ مُفْسِدٌ.
وَفِي الْفُصُولَيْنِ أَنَّ الشُّيُوعَ الطَّارِئَ لَا يُفْسِدُ الْهِبَةَ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ أَنْ يَرْجِعَ فِي بَعْضِ الْهِبَةِ شَائِعًا أَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فَيُفْسِدُ الْكُلَّ؛ لِأَنَّهُ مُقَارِنٌ لَا طَارِئٌ كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ فِي هِبَةِ الْمُحِيطِ أَقُولُ: عَدُّهُ صُوَرَ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ أَمْثِلَةِ الشُّيُوعِ الطَّارِئِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّحِيحُ مَا فِي الْكَافِي وَالْفُصُولَيْنِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ إذَا ظَهَرَ بِالْبَيِّنَةِ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى مَا قَبْلَ الْهِبَةِ فَيَكُونُ مُقَارِنًا لَهَا لَا طَارِئًا عَلَيْهَا -
(الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ وَبِهِ يُفْتَى) كَذَا فِي الْفُصُولَيْنِ (وَيَلِي الْقَرِيبُ الرُّجُوعَ فِيهَا) أَيْ فِي الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ يَعْنِي إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ فِيهَا هَلْ يَثْبُتُ وَلَايَةُ الرُّجُوعِ لِلْوَاهِبِ فِيمَا وَهَبَ هِبَةً فَاسِدَةً لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاقِعَةَ الْفَتْوَى وَفَرَّقْت بَيْنَ الْهِبَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ وَأَفْتَيْت بِالرُّجُوعِ وَقَالَ الْإِمَامُ الْأُسْرُوشَنِيُّ وَالْإِمَامُ عِمَادُ الدِّينِ: هَذَا الْجَوَابُ مُسْتَقِيمٌ أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى فَلِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ مَضْمُونٌ عَلَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: إلَّا إذَا وَهَبَ الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ فَقَبَضَ الْكُلَّ) أَقُولُ الْحَصْرُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَرَغَ الْمَوْهُوبُ عَنْ مِلْكِهِ وَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَلَكَهُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَهَذَا كَمَا ذُكِرَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هِبَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَنَظَائِرِهِ (قَوْلُهُ: إذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبُ بِإِذْنِهِ) يُخَالِفُ مَا قَدَّمَهُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ الْإِذْنُ صَرِيحًا فِي مَجْلِسِ الْهِبَةِ فَمَتْنُهُ الْمُطْلَقُ أَحْسَنُ (قَوْلُهُ يَصِحُّ فِي صَحِيحِهَا بِالتَّخْلِيَةِ) أَقُولُ التَّخْلِيَةُ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ بِقَوْلِ اقْبِضْهُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ
(قَوْلُهُ: الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ) أَقُولُ فَهِيَ كَالْهِبَةِ الصَّحِيحَةِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ لَكِنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْقِيمَةِ بِهَلَاكِهَا فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَسَنَذْكُرُهُ أَيْضًا عَنْ الْعُدَّةِ وَأَقُولُ فِي إطْلَاقِ ضَمَانِ الْفَاسِدَةِ بِهَلَاكِهَا تَأَمُّلٌ إذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ قَابِضٌ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ كَوْنِ الْهِبَةِ حِينَئِذٍ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ هِبَةٌ فَاسِدَةٌ لِتَسْلِيطِ الْمَالِكِ الْمَوْهُوبَ لَهُ عَلَى قَبْضِهَا وَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ بَلْ وَعَلَى إطْلَاقِهَا بِلَا بَدَلٍ فَلَا يُحْكَمُ بِالضَّمَانِ بِمُجَرَّدِ الْقَبْضِ وَالتَّلَفِ فِي يَدِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَتْلَفَهَا بِصُنْعِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَالِكُ أَذِنَ بِالْقَبْضِ صَرِيحًا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَبِهِ يُفْتَى كَذَا فِي الْفُصُولَيْنِ) وَنَصُّهُ وَفِي فَوَائِدِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ وَبِهِ يُفْتَى ثُمَّ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ هَلْ يَثْبُتُ وَلَايَةُ الرُّجُوعِ لِلْوَاهِبِ فِيمَا إذَا وَهَبَ هِبَةً فَاسِدَةً لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ قَالَ أَيْ ذَلِكَ الْبَعْضِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ قُلْت وَقَدْ ذَكَرَ الْعِمَادِيُّ قَبْلَ هَذَا مُوَافَقَتَهُ بِقَوْلِهِ مِنْهَا أَيْ صُوَرُ الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا وَهَبَ لِاثْنَيْنِ شَيْئًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، فَإِذَا قَبَضَاهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِمَا وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَقَالَ بِهِ يُفْتَى اهـ. ثُمَّ قَالَ الْعِمَادِيُّ عَقِبَهُ وَذَكَرَ فِي الْعُدَّةِ الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ مَضْمُونَةٌ بِالْقَبْضِ أَمَّا لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْقَبْضِ هُوَ الْمُخْتَارُ اهـ.
(قُلْت) فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذِكْرُ التَّصْحِيحَيْنِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى فَلِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ مَضْمُونٌ. . . إلَخْ) هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَلِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ مَضْمُونٌ لَا يَكُونُ مُتَّجَهًا إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْمِلْكِ وَإِلَّا فَكَيْفَ يَكُونُ مَالِكًا وَضَامِنًا فَمَا ذَكَرَ مِنْ اسْتِقَامَةِ الْجَوَابِ فِيهِ تَظْهَرُ عَلَى إطْلَاقِ قَوْلِهِ إنَّ الْمُفْتَى بِهِ إفَادَةُ الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ فِيمَا وُهِبَ لَهُ هِبَةً فَاسِدَةً
تَقَرُّرٍ، فَإِذَا كَانَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْهَلَاكِ كَانَ مُسْتَحِقَّ الرَّدِّ (قَبْلَ الْهَلَاكِ فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ وَالِاسْتِرْدَادَ) -
(قَالَ وَهَبْتُ لَكَ هَذِهِ الْغِرَارَةَ الْحِنْطَةَ أَوْ الزِّقَّ السَّمْنَ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي الْحِنْطَةِ وَالسَّمْنِ فَقَطْ) لِمَا عَرَفْت أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَاغِلٌ لِمِلْكِ الْوَاهِبِ لَا مَشْغُولٌ بِهِ (وَهَبَتْ دَارَهَا لِزَوْجِهَا وَهُمَا بِمَتَاعِهِمَا سَاكِنَانِ فِيهَا جَازَتْ) الْهِبَةُ وَيَصِيرُ الزَّوْجُ قَابِضًا لِلدَّارِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَمَتَاعَهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ فَصَحَّ التَّسْلِيمُ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ (وَهَبَ ثِيَابًا فِي صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ وَدَفَعَهُ) أَيْ الصُّنْدُوقَ (لَا يَكُونُ قَبْضًا) فَلَا تَتِمُّ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا صَحَّ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَلَا انْتِفَاعَ مَعَ الْقَفْلِ (وَتَمَّ هِبَةُ مَا مَعَ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِلَا قَبْضٍ جَدِيدٍ) يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً أَوْ أَمَانَةً مَلَكَهَا بِالْهِبَةِ وَالْقَبُولِ، وَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ فِيهَا قَبْضًا؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي بَابِ الْهِبَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَصْلُ الْقَبْضِ وَهُوَ مَوْجُودٌ هَاهُنَا فَنَابَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ) يَعْنِي إذَا بَاعَ الْوَدِيعَةَ أَوْ نَحْوَهَا مِمَّنْ فِي يَدِهِ يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي قَبْضًا مَضْمُونًا وَقَبْضُ الْمُودَعِ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَلَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ إذَا تَجَانَسَا نَابَ أَحَدُهُمَا مَنَابَ الْآخَرِ لِاتِّحَادِهِمَا جِنْسًا، وَإِذَا اخْتَلَفَا نَابَ الْأَقْوَى عَنْ الْأَضْعَفِ بِلَا عَكْسٍ؛ لِأَنَّ فِي الْأَقْوَى مِثْلَ الْأَدْنَى وَزِيَادَةً وَلَيْسَ فِي الْأَدْنَى مَا فِي الْأَقْوَى -
. (وَ) تَمَّ أَيْضًا (مَا وَهَبَ) أَيْ الْأَبُ (لِطِفْلِهِ بِالْعَقْدِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي قَبْضِ الْأَبِ فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ فَيُشْتَرَطُ قَبْضُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً أَوْ يَدِ مُودَعِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمَالِكِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ حَيْثُ لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ لِعَدَمِ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَابِضٌ لِنَفْسِهِ (إذَا كَانَ) أَيْ الْمَوْهُوبُ (مَعْلُومًا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ لَفْظُ الْمَبْسُوطِ وَكُلُّ شَيْءٍ وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ الشَّيْءُ مَعْلُومٌ فَهُوَ جَائِزٌ وَالْقَبْضُ فِيهِ بِإِعْلَامِ مَا وَهَبَهُ لَهُ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَالْإِشْهَادُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الْهِبَةُ تَتِمُّ بِالْإِعْلَامِ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِشْهَادَ احْتِيَاطًا لِلتَّحَرُّزِ عَنْ جُحُودِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَعَنْ جُحُودِهِ بَعْدَ إدْرَاكِ الْوَلَدِ -
. (وَ) تَمَّ أَيْضًا (مَا وَهَبَ أَجْنَبِيٌّ لَهُ) أَيْ لِلطِّفْلِ (بِقَبْضِهِ) أَيْ الطِّفْلِ (عَاقِلًا) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَنَافِعِ الْمَحْضِ مُلْحَقٌ بِالْبَالِغِ (أَوْ قَبْضِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ وَصِيِّ أَحَدِهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُمَا -
(أَوْ) قَبْضِ (أُمٍّ هُوَ) أَيْ الطِّفْلُ (مَعَهَا أَوْ) قَبْضِ (أَجْنَبِيٍّ يُرَبِّيهِ وَهُوَ) أَيْ الطِّفْلُ (مَعَهُ أَوْ) قَبْضِ (زَوْجِهَا لَهَا) أَيْ لِلصَّغِيرَةِ لَكِنْ (بَعْدَ الزِّفَافِ) ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي حِفْظِهَا وَقَبْضِ الْهِبَةِ لَهَا وَلَوْ قَبَضَ الْأَبُ أَيْضًا صَحَّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْوَلَايَةُ لَهُ وَوَلَايَةُ الزَّوْجِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَهَبْت لَك هَذِهِ الْغِرَارَةَ الْحِنْطَةَ وَالزِّقَّ السَّمْنَ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا أَحَالَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَهَبْتُ لَكَ هَذَا الزِّقَّ مُتَنَاوِلًا لِلظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ صَارَتْ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا تَقَدَّمَ نَصَّ عَلَى الْمَظْرُوفِ فَقَطْ بِخِلَافِ مَا هُنَا (قَوْلُهُ: وَتَمَّ هِبَةُ مَا مَعَ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِلَا قَبْضٍ جَدِيدٍ)، فَإِنْ قُلْت: هَذَا ظَاهِرًا لَا فِيمَا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ بِطَرِيقِ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ لِكَوْنِ يَدِهِ يَدَ الْمَالِكِ نِيَابَةً عَنْهُ فِي الْحِفْظِ فَكَيْفَ يَنُوبُ هَذَا الْقَبْضُ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ قُلْنَا يَدُ الْمَالِكِ حُكْمِيَّةٌ وَالْقَابِضُ حَقِيقَةٌ فَبِاعْتِبَارِهَا نَزَلَ قَابِضًا لِإِقَامَةِ يَدِهِ مَقَامَ يَدِ الْمَالِكِ حُكْمًا مَا دَامَ عَامِلًا لَهُ وَبَعْدَ الْهِبَةِ لَيْسَ بِعَامِلٍ لَهُ فَتُعْتَبَرُ الْحَقِيقَةُ (قَوْلُهُ أَوْ أَمَانَةً) يَعْنِي كَالْمُسْتَأْجَرَةِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يُوفِ بِمَا يَشْمَلُهُ الْمَتْنُ مِنْ الْعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ كَالْغَصْبِ وَالرَّهْنِ لَكِنْ لَمَّا ذَكَرَ خِلَافَ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ كَمَسْأَلَةِ الْهِبَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ احْتَاجَ إلَى الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةُ الْهِبَةِ أَعَمَّ لِشُمُولِهَا الْعَيْنَ الْمَضْمُونَةَ أَيْضًا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَصْلِ يُشِيرُ إلَى هَذَا
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ فَيُشْتَرَطُ قَبْضُهُ) أَقُولُ وَهَكَذَا وَقَعَ فِي التَّبْيِينِ وَلَعَلَّ حَقَّ الْعِبَارَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إذَا كَانَ مَعْلُومًا) أَقُولُ وَلَوْ دَارًا يَسْكُنُهَا الْأَبُ وَمَتَاعُهُ فِيهَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَوْ يَسْكُنُهَا غَيْرُهُ بِلَا أُجْرَةٍ وَالْأُمُّ كَالْأَبِ لَوْ مَيِّتًا وَالِابْنُ فِي يَدِهَا وَلَيْسَ لَهُ وَصِيٌّ وَكَذَا مَنْ يَعُولُهُ وَالصَّدَقَةُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْهِبَةِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَهَبَتْ دَارَهَا مِنْ زَوْجِهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِيهَا مَعَ الزَّوْجِ جَازَ) كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ قُلْت: لِأَنَّهَا وَمَا فِي يَدِهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ فَلَمْ تَكُنْ يَدُهَا مَانِعَةً مِنْ قَبْضِهِ اهـ لَكِنْ نُقِلَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَهَبَ مِنْ امْرَأَتِهِ وَأَنْ تَهَبَ لِزَوْجِهَا أَوْ الْأَجْنَبِيِّ دَارًا وَهُمَا سَاكِنَانِ فِيهَا وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ لِلْوَلَدِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْوَاهِبِ ثَابِتَةٌ عَلَى الدَّارِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَتَمَّ مَا وَهَبَ أَجْنَبِيٌّ لَهُ) أَيْ لِلطِّفْلِ بِقَبْضِهِ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ إلَّا إذَا وَهَبَ لَهُ أَعْمَى لَا نَفْعَ لَهُ وَتَلْحَقُهُ مُؤْنَتُهُ، فَإِنَّ قَبُولَهُ بَاطِلٌ وَيُرَدُّ إلَى الْوَاهِبِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ قَبَضَ زَوْجُهَا لَهَا أَيْ الصَّغِيرَةِ) أَقُولُ لَا يَخْفَى عَدَمُ مَعْرِفَةِ قَيْدِ الصِّغَرِ مِنْ الْمَتْنِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَقَامُ فِي الْهِبَةِ لِلصَّغِيرِ اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ
(قَوْلُهُ: وَلَكِنْ بَعْدَ الزِّفَافِ) أَقُولُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا فِي الصَّحِيحِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ