الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فَصْلٌ)(تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ) أَمَّا الْقَطْعُ فَبِالنَّصِّ وَأَمَّا الْيَمِينُ فَلِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ يُعْمَلُ بِهَا عِنْدَنَا (مِنْ زَنْدِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «أَمَرَ بِقَطْعِ السَّارِقِ مِنْ الزَّنْدِ» وَيُحْسَمُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «فَاقْطَعُوا وَاحْسِمُوا» (إلَّا فِي حَرٍّ وَبَرْدٍ شَدِيدَيْنِ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُفْضِي إلَى التَّلَفِ وَالْحَدُّ زَاجِرٌ لَا مُتْلِفٌ (ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُسْرَى إنْ عَادَ فَإِنْ عَادَ لَا) أَيْ لَا يُقْطَعُ (وَحُبِسَ حَتَّى يَتُوبَ) وَعُزِّرَ أَيْضًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُقْطَعُ فِي الثَّالِثَةِ يَدُهُ الْيُسْرَى وَفِي الرَّابِعَةِ رِجْلُهُ الْيُمْنَى لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوهُ فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوهُ فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوهُ» وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم حِينَ حَجَّهُمْ عَلِيٌّ رضي الله عنه بِقَوْلِهِ إنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلًا يَمْشِي بِهَا وَلَمْ يَحْتَجَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْحَدِيثِ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِهِ وَقَالَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ تَتَبَّعْنَا هَذِهِ الْآثَارَ فَلَمْ نَجِدْ لِشَيْءٍ مِنْهَا أَصْلًا وَلَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى السِّيَاسَةِ أَوْ النَّسْخِ (فَإِنْ كَانَ) جَوَابُ هَذَا الشَّرْطِ قَوْلُهُ الْآتِي لَمْ يُقْطَعْ أَمَّا عَدَمُ الْقَطْعِ فِيمَا إذَا كَانَ (يَدُهُ الْيُسْرَى أَوْ إبْهَامُهَا أَوْ إصْبَعَاهَا أَوْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةً أَوْ شَلَّاءَ) فَلِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ الْبَطْشُ وَالْمَشْيُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ سِوَى الْإِبْهَامِ مَقْطُوعَةً أَوْ شَلَّاءَ لِأَنَّ فَوْتَهَا لَا يَمْنَعُ الْقَطْعَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَأَمَّا عَدَمُهُ فِيمَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ (أَوْ رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ) فَلِأَنَّ الدَّعْوَى حِينَئِذٍ لَا تُمْكِنُ فَلَا تَظْهَرُ السَّرِقَةُ وَأَمَّا فِيمَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ (أَوْ مَلَكَهُ بِهِبَةٍ) مَعَ الْقَبْضِ (أَوْ بِيعَ أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ مِنْ النِّصَابِ قَبْلَ الْقَطْعِ) هَذَا قَيْدٌ لِلْمِلْكِ وَالنُّقْصَانِ مَعًا فَلِأَنَّ قِيَامَ الْخُصُومَةِ عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ شَرْطُ الْقَطْعِ وَقَدْ انْتَفَى فِي الْأَوَّلِ وَقِيَامُ كَمَالِ النِّصَابِ عِنْدَ الْإِمْضَاءِ شَرْطُ الْقَطْعِ أَيْضًا وَقَدْ انْتَفَى فِي الثَّانِي وَأَمَّا فِيمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ سَرَقَ) وَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ (فَادَّعَى) كَوْنَ الْمَسْرُوقِ (مِلْكَهُ) وَإِنْ لَمْ يُبَرْهِنْ فَلِأَنَّ الشُّبْهَةَ دَارِئَةٌ لِلْحَدِّ وَتَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لِلِاحْتِمَالِ وَأَمَّا فِيمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ أَقَرَّا) أَيْ السَّارِقَانِ بِالسَّرِقَةِ (وَادَّعَاهُ) أَيْ الْمِلْكَ (أَحَدُهُمَا) وَإِنْ لَمْ يُبَرْهِنْ حَيْثُ لَا يُقْطَعَانِ فَلِأَنَّ الرُّجُوعَ عَامِلٌ فِي حَقِّ الرَّاجِعِ وَمُورِثٌ لِلشُّبْهَةِ فِي حَقِّ الْآخَرِ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِمَا عَلَى الشَّرِكَةِ قَالَ فِي الْوِقَايَةِ أَوْ سَرَقَ فَادَّعَى مِلْكَهُ أَوْ أَحَدُ السَّارِقَيْنِ أَقُولُ فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْعِبَارَةِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ وَالْمَطْلُوبُ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنْهَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ أَحَدُ السَّارِقَيْنِ عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ فَادَّعَى فَالْمَعْنَى أَوْ سَرَقَ سَارِقَانِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا وَهُوَ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنْ يُقِرَّ السَّارِقَانِ وَادَّعَى الْمِلْكَ أَحَدُهُمَا كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ لَيْسَ بِلَازِمٍ إذْ لَا إشْعَارَ فِي الْعِبَارَةِ بِالْإِقْرَارِ وَأَمَّا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
[فَصْلٌ عُقُوبَة السَّارِق]
فَصْلٌ) (قَوْلُهُ تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ) يَعْنِي بِحَضْرَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَأَمَّا حُضُورُ الشَّاهِدَيْنِ فَقَدَّمْنَا عَنْ الْحَاكِمِ مَا نَصُّهُ وَإِذَا كَانَ أَيْ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ حَاضِرًا وَالشَّاهِدَانِ غَائِبَانِ لَمْ يُقْطَعْ أَيْضًا حَتَّى يَحْضُرَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يُقْطَعُ وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمَوْتُ وَهَذَا فِي كُلِّ حَدٍّ وَحَقٍّ سِوَى الرَّجْمِ وَيَمْضِي الْقِصَاصُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ اهـ.
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِأَنِّي رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مَعْزُوًّا لِلْحَاكِمِ مَا لَا يُفِيدُ هَذَا (قَوْلُهُ وَتُحْسَمُ) الْحَسْمُ الْكَيُّ لِيَنْقَطِعَ الدَّمُ وَفِي الْمُغْرِبِ وَالْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ هُوَ أَنْ تُغْمَسَ فِي الدُّهْنِ الَّذِي أُغْلِيَ اهـ.
وَثَمَنُ الزَّيْتِ وَكُلْفَةُ الْحَسْمِ عَلَى السَّارِقِ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «فَاقْطَعُوا وَاحْسِمُوا» ) يَقْتَضِي وُجُوبَ الْحَسْمِ وَلِأَنَّهُ عُلِّلَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْسَمْ يُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ وَقَالَ الْكَمَالُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَيْ فِي الْهِدَايَةِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْسَمْ لَأَدَّى إلَى التَّلَفِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ وَالْمَنْقُولُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَا يَأْثَمُ وَيُسَنُّ تَعْلِيقُ يَدِهِ فِي عُنُقِهِ أَيْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَعِنْدَنَا ذَلِكَ مُطْلَقٌ لِلْإِمَامِ إنْ رَآهُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فِي كُلِّ مَنْ قَطَعَهُ لِيَكُونَ سُنَّةً اهـ.
(قَوْلُهُ جَوَابُ هَذَا الشَّرْطِ قَوْلُهُ الْآتِي لَمْ يُقْطَعْ) لَمْ أَرَ جَوَابَ الشَّرْطِ فِيمَا رَأَيْته مِنْ النُّسَخِ فَالْحَوَالَةُ غَيْرُ رَائِجَةٍ ثُمَّ رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ إصْبَعَاهَا) يَعْنِي غَيْرَ الْإِبْهَامِ (قَوْلُهُ أَوْ رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْقَطْعِ يُقْطَعُ وَكَذَا بَعْدَ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ اسْتِحْسَانًا وَرَدَّهُ إلَى وَلَدِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ أَوْ ذَوِي رَحِمِهِ وَكَانُوا فِي عِيَالِهِ كَرَدِّهِ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَكَذَا رَدُّهُ عَلَى امْرَأَتِهِ أَوْ أَجِيرِهِ مُسَانَهَةً أَوْ مُشَاهَرَةً أَوْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ وَلَوْ رَدَّهُ إلَى أَحَدٍ مِنْ أُصُولِهِ وَلَيْسَ فِي عِيَالِهِ لَا يُقْطَعُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ أَوْ مَلَكَهُ بِهِبَةٍ مَعَ الْقَبْضِ) هَكَذَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِالْقَبْضِ فِي الْهِدَايَةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَقْطَعُ الْخُصُوصِيَّةَ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَهَبُ لِيُخَاصِمَ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَقُولُ فِيهِ بَحْثٌ. . . إلَخْ) لَا يَخْفَى عَدَمُ اسْتِقَامَتِهِ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِأَنْ يُقِرَّا بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ يَدَّعِي الْمِلْكَ أَحَدُهُمَا بَلْ حُكْمُ ثُبُوتِهَا بِالْبَيِّنَةِ ثُمَّ ادِّعَاءُ الْمِلْكِ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ فَعِبَارَةُ الْوِقَايَةِ أَشْمَلُ
فِيمَا ذَكَرَ بِقَوْلِهِ (أَوْ لَمْ يُطَالِبْ الْمَالِكُ وَإِنْ أَقَرَّ السَّارِقُ) فَلِأَنَّ الدَّعْوَى شَرْطٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُطَالَبَةِ (سَرَقَا وَغَابَ أَحَدُهُمَا فَبَرْهَنَ عَلَى سَرِقَتِهِمَا قُطِعَ الْحَاضِرُ) لِأَنَّ السَّرِقَةَ إذَا لَمْ تَثْبُتْ عَلَى الْغَائِبِ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَبِدَعْوَى الْأَجْنَبِيِّ لَا تَثْبُتُ الشُّبْهَةُ وَلِأَنَّ احْتِمَالَ دَعْوًى مِنْ الْغَائِبِ الشُّبْهَةِ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ فَلَا تُعْتَبَرُ (وَقُطِعَ) السَّارِقُ (بِخُصُومَةِ ذِي يَدٍ حَافِظَةٍ) كَأَبٍ وَوَصِيٍّ وَمُودَعٍ وَغَاصِبٍ وَصَاحِبِ رِبًا وَمُسْتَعِيرٍ وَمُسْتَأْجِرٍ وَمُضَارِبٍ وَقَابِضٍ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَمُرْتَهِنٍ وَمُسْتَبْضِعٍ (وَخُصُومَةِ الْمَالِكِ) أَيْضًا (مَنْ سَرَقَ مِنْهُمْ) مَفْعُولُ خُصُومَةِ أَمَّا خُصُومَةُ ذِي يَدٍ حَافِظَةٍ فَلِأَنَّ السَّرِقَةَ مُوجِبَةٌ لِلْقَطْعِ فِي نَفْسِهَا وَقَدْ ظَهَرَتْ بِنَفْسِهَا عِنْدَ الْقَاضِي بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ بِنَاءً عَلَى خُصُومَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فَيَسْتَوْفِي فِي الْقَطْعِ وَلَهُمْ يَدٌ صَحِيحَةٌ وَهِيَ مَقْصُودَةٌ كَالْمِلْكِ فَإِذَا أُزِيلَتْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُخَاصِمُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ لِاسْتِرْدَادِهَا أَصَالَةً لَا نِيَابَةً لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَمِينًا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ إلَّا بِهِ وَإِنْ كَانَ ضَمِينًا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا بِهِ يَقُولُ سَرَقَ مِنِّي فَإِنْ كَانَ أَصِيلًا فِي الْخُصُومَةِ وَجَبَ الِاسْتِيفَاءُ عِنْدَ الثُّبُوتِ بِلَا حَضْرَةِ الْمَالِكِ لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَأَمَّا خُصُومَةُ الْمَالِكِ مَنْ سَرَقَ مِنْهُمْ فَلِأَنَّ لَهُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ وَهِيَ أَقْوَى مِنْ الْيَدِ الْحَافِظَةِ فَإِذَا جَازَتْ بِالثَّانِيَةِ فَلَأَنْ تَجُوزَ بِالْأُولَى أَوْلَى (لَا) أَيْ لَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ (مِنْ سَارِقٍ قُطِعَ) يَعْنِي إذَا سَرَقَ رَجُلٌ شَيْئًا فَقُطِعَ بِهِ وَبَقِيَ الْمَسْرُوقُ فِي يَدِهِ وَسَرَقَهُ مِنْ السَّارِقِ آخَرُ لَا يُقْطَعُ الثَّانِي لِأَنَّ السَّرِقَةَ إنَّمَا تُوجِبُ الْقَطْعَ إذَا كَانَتْ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ أَوْ الْأَمِينِ أَوْ الضَّمِينِ لِمَا مَرَّ آنِفًا وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْهَا هَاهُنَا إذْ السَّارِقُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا أَمِينٍ وَلَا ضَمِينٍ حَتَّى لَوْ أَتْلَفَهُ لَا يَضْمَنُ كَمَا سَيَأْتِي بِخِلَافِ مَا إذَا سَرَقَ قَبْلَ الْقَطْعِ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ وَلِرَبِّ الْمَالِ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْغَاصِبِ (وَقُطِعَ عَبْدٌ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ) لِأَنَّ إقْرَارَهُ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ لِأَنَّ الْجَزَاءَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ وَالْجِنَايَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِوَاسِطَةِ التَّكْلِيفِ وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى الْمَالِيَّةِ فَيَصِحُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالُ آدَمِيٍّ إذْ لَا تُهْمَةَ فِيهِ أَلَا يَرَى أَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ لِعَدَمِهَا (وَمَا قُطِعَ بِهِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْطُوعُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا (لِمَنْ بَقِيَ رُدَّ إلَى صَاحِبِهِ) لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ (وَإِلَّا لَا يَضْمَنُ وَإِنْ أَتْلَفَ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا غُرْمَ عَلَى السَّارِقِ بَعْدَ مَا قُطِعَتْ يَمِينُهُ» قَوْلُهُ وَإِنْ أَتْلَفَ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ بِالِاسْتِهْلَاكِ (وَلَا مَنْ سَرَقَ) عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ لَا يَضْمَنُ وَجَازَ لِلْفَصْلِ (مَرَّاتٍ فَقُطِعَ وَلَوْ) كَانَ الْقَطْعُ (بِبَعْضِهِمَا) أَيْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يُطَالِبْ الْمَالِكُ) أَيْ لَمْ يُقْطَعْ فَهَذَا مَحَلُّ جَوَابِ الشَّرْطِ كَذَا فِي الْكَنْزِ وَشَرْحِهِ لِلزَّيْلَعِيِّ ثُمَّ قَالَ.
وَفِي الْبَدَائِعِ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ قُطِعَ اسْتِحْسَانًا وَلَا يُنْتَظَرُ حُضُورُ الْغَائِبِ وَتَصْدِيقُهُ وَقِيلَ عِنْدَهُمَا يُنْتَظَرُ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُنْتَظَرُ اهـ. وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ لَيْسَتْ هَذِهِ عِبَارَةَ الْبَدَائِعِ فَإِنَّ عِبَارَتَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ الدَّعْوَى فِي الْإِقْرَارِ شَرْطٌ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ السَّارِقُ أَنَّهُ سَرَقَ مَالَ فُلَانٍ الْغَائِبِ لَمْ يُقْطَعْ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَيُخَاصِمْ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الدَّعْوَى فِي الْإِقْرَارِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ. . . إلَخْ اهـ.
(قَوْلُهُ سَرَقَا وَغَابَ أَحَدُهُمَا. . . إلَخْ) قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرُ ثُمَّ لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ لَا يُقْطَعُ إلَّا أَنْ تُعَادَ تِلْكَ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ أَوْ تَثْبُتَ بَيِّنَةٌ أُخْرَى وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ الْحَاضِرُ بِسَرِقَةٍ مَعَ الْغَائِبِ يُقْطَعُ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَخُصُومَةِ الْمَالِكِ أَيْضًا) شَامِلٌ لِمَا لَوْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يُقْطَعُ بِخُصُومَةِ الْمَالِكِ حَالَ غَيْبَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ إلَّا أَنَّ الرَّاهِنَ إنَّمَا يُقْطَعُ بِخُصُومَتِهِ حَالَ قِيَامِ الرَّهْنِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ بَعْدَهُ إذْ لَوْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا لَا يُقْطَعُ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمُرْتَهِنِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلرَّاهِنِ وِلَايَةُ الْقَطْعِ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَزْيَدَ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ النِّصَابِ اهـ.
وَكَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ قَالَ الرَّاجِي عَفْوَ رَبِّهِ يَنْبَغِي. . . إلَخْ (قَوْلُهُ لَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ سَارِقٍ) يَعْنِي لَا يَكُونُ لَهُ وَلَا لِرَبِّ السَّرِقَةِ الْقَطْعُ وَلِلْأَوَّلِ وِلَايَةُ خُصُومَةِ الِاسْتِرْدَادِ فِي رِوَايَةٍ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي أُخْرَى اهـ.
وَالْوَجْهُ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ هَذَا الْحَالُ عِنْدَ الْقَاضِي لَا يَرُدُّهُ إلَى الْأَوَّلِ وَلَا إلَى الثَّانِي إذَا رَدَّهُ لِظُهُورِ خِيَانَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَلْ يَرُدُّهُ مِنْ يَدِ الثَّانِي إلَى الْمَالِكِ إنْ كَانَ حَاضِرًا وَإِلَّا حَفِظَهُ كَأَمْوَالِ الْغَائِبِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَقُطِعَ عَبْدٌ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ) يَعْنِي إذَا كَانَ كَبِيرًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ أَصْلًا لَكِنَّهُ إنْ كَانَ مَأْذُونًا يَرُدُّ الْمَالَ إلَى الْمَالِكِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَيَضْمَنُهُ إنْ كَانَ هَالِكًا وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى يَرُدُّ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ إنْ كَانَ قَائِمًا وَإِنْ كَانَ هَالِكًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا بَعْدَ الْعِتْقِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الضِّيَاءِ عَنْ الْإِسْبِيجَابِيِّ (قَوْلُهُ إنْ بَقِيَ رُدَّ إلَى صَاحِبِهِ) أَيْ سَوَاءٌ بَقِيَ بِيَدِ السَّارِقِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا إذَا بَاعُوهُ أَوْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْقَطْعِ وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ قَبْلَهُ أَنَا أَضْمَنُهُ لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَنَا فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ رُجُوعَهُ عَنْ دَعْوَى السَّرِقَةِ إلَى دَعْوَى الْمَالِ كَمَا فِي الْفَتْحِ