الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ) لِيَكُونَ الدُّهْنُ بِمِثْلِهِ وَالزِّيَادَةُ بِالثَّجِيرِ وَلَا يَلْزَمُ الرِّبَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَ مِقْدَارُ مَا فِيهِ لَمْ يَجُزْ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الشُّبْهَةَ فِيهِ كَالْحَقِيقَةِ.
(وَيُسْتَقْرَضُ الْخُبْزُ بِوَزْنٍ لَا عَدَدٍ) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ آحَادَهُ مُتَفَاوِتَةٌ بِالْعَدَدِ دُونَ الْوَزْنِ (وَبِهِ يُفْتَى) ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَ) يُسْتَقْرَضُ (الْفُلُوسُ بِهِمَا) أَيْ بِالْوَزْنِ وَالْعَدَدِ بِالْعُرْفِ (إذْ لَا نَصَّ) فِيهَا (وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ) تُسْتَقْرَضُ (بِالْوَزْنِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْمَوْزُونَاتِ بِالنَّصِّ (كَذَا مَا ثُلُثَاهُ خَالِصٌ) ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ (وَمَا ثُلُثُهُ خَالِصٌ) يُسْتَقْرَضُ (بِعَدَدٍ إنْ تَعَامَلُوا بِهِ وَبِوَزْنٍ إنْ تَعَامَلُوا بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ فَيُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ كَمَا مَرَّ (وَلَا يُسْتَقْرَضُ الْقِيَمِيُّ) ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْمِثْلِيِّ وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ نَحْوُ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالسِّمْسِمِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَفِي التَّجْرِيدِ وَيَجُوزُ فِي الْعَدَدِيَّاتِ الَّتِي لَا تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا كَالْبَيْضِ وَالْجَوْزِ.
وَفِي الْكَافِي؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ إعَارَةُ شَرْعٍ لِإِطْلَاقِ الِانْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ إلَّا بِاسْتِهْلَاكِ أَعْيَانِهَا وَكَانَتْ الْمَنْفَعَةُ عَائِدَةً إلَى ذَاتِهَا فَقَامَ الْمِثْلُ فِي الذِّمَّةِ مَقَامَ الْعَيْنِ كَأَنَّهُ انْتَفَعَ بِالْعَيْنِ وَرَدَّهُ وَهَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ لِيُمْكِنَ إيجَابُ الْمِثْلِ فِي الذِّمَّةِ لَا فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ إذْ لَا مِثْلَ لَهُمَا.
(وَلَا رِبَا بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ مَأْذُونًا غَيْرَ مَدْيُونٍ) لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَا فِي يَدِهِ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِلْكَ مَوْلَاهُ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ لِيَتَحَقَّقَ الرِّبَا حَتَّى إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا لِتَحَقُّقِ الْبَيْعِ.
. (وَ) لَا رِبَا (بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ» وَكَذَا إذَا تَبَايَعَا فِيهَا بَيْعًا فَاسِدًا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فَإِنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ وَبِعَقْدِ الْأَمَانِ لَمْ يَصِرْ مَعْصُومًا لَكِنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ لَا يَغْدِرَهُمْ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ بِلَا رِضَاهُمْ، فَإِذَا أَخَذَهُ بِرِضَاهُمْ أَخَذَ مَالًا مُبَاحًا بِلَا غَدْرٍ (أَوْ مِنْ أَمْنٍ ثَمَّةَ) فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا أَسْلَمَ ثَمَّةَ لَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْلِمٍ مُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ رِبًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مَالَ مَنْ أَسْلَمَ ثَمَّةَ لَا عِصْمَةَ لَهُ فَصَارَ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ وَيَجُوزُ أَخْذُ مَالِ الْحَرْبِيِّ بِرِضَاهُ لِلْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ وَقَالَا: إنَّهُ رِبًا جَرَى بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ وَهُوَ حَرَامٌ، كَذَا فِي الْكَافِي
(بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ)
لَمْ يَذْكُرْ الْحُقُوقَ كَمَا ذَكَرَ فِي سَائِرِ الْمُتُونِ؛ لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ (هُوَ نَوْعَانِ) أَحَدُهُمَا (مُبْطِلٌ لِلْمِلْكِ) أَيْ مُزِيلٌ لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقُّ التَّمَلُّكِ (كَالْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْعِتْقِ وَفُرُوعِهِ) كَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَالِاسْتِيلَادِ.
(وَ) ثَانِيهِمَا (نَاقِلٌ لَهُ) أَيْ لِلْمِلْكِ مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ (كَالِاسْتِحْقَاقِ بِالْمِلْكِ) بِأَنْ ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى بَكْرٍ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْعَبْدِ مِلْكٌ لَهُ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ وَالنَّوْعَانِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا فِي أَنَّهُمَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الدُّهْنُ الْمُفْرَزُ وَالسَّمْنُ وَالدِّبْسُ أَكْثَرَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْجَوْزِ وَاللَّبَنِ وَالتَّمْرِ جَازَ، وَقَدْ عَلِمْت تَقْيِيدَهُ بِمَا إذَا كَانَ الثُّفْلُ لَهُ قِيمَةٌ وَأَظُنُّ أَنْ لَا قِيمَةَ لِثُفْلِ الْجَوْزِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِيعَ بِقِشْرَةٍ فَيُوقِدُ وَكَذَا الْعِنَبُ لَا قِيمَةَ لِثُفْلِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ زِيَادَةُ الْعَصِيرِ عَلَى مَا يَخْرُجُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالزِّيَادَةُ بِالثَّجِيرِ وَلَا يَلْزَمُ الرِّبَا) أَيْ لَا يَلْزَمُ حَالَ وُجُودِ كَثْرَةِ الْخَالِصِ عَلَى مَا يَخْرُجُ وَإِلَّا لَزِمَ.
(قَوْلُهُ: وَبِهِ أَيْ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يُفْتَى) لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِبَيَانِ قَوْلِ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ الْكَمَالُ جَعَلَ الْمُتَأَخِّرُونَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَأَنَا أَرَى أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ فَإِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ قَدْ أَهْدَرَ الْجِيرَانُ تَفَاوُتَهُ وَبَيْنَهُمْ يَكُونُ اقْتِرَاضُهُ غَالِيًا وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالتَّعَامُلِ فَجَازَ اقْتِرَاضُهُ وَزْنًا وَعَدَدًا اهـ.
(قُلْت) بَحْثُ الْكَمَالِ نَصٌّ فَهُوَ مُؤَيِّدٌ بِهِ قَالَ شَارِحُ الْمَجْمَعِ جَوَّزَ مُحَمَّدٌ اسْتِقْرَاضَهُ وَزْنًا وَعَدًّا لِتَعَارُفِ النَّاسِ عَلَى إهْدَارِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ آحَادِهِ كَمَا أَهْدَرُوا مَا بَيْنَ الْجَوْزَتَيْنِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي اسْتِقْرَاضِ الْخُبْزِ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا؛ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِالْخَبْزِ وَالْخَبَّازِ وَالتَّنُّورِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ جَدِيدًا أَوْ عَتِيقًا وَالتَّقْدِيمُ فِي التَّنُّورِ وَالتَّأْخِيرُ عَنْهُ وَيَتَفَاوَتُ جُودَةُ خُبْزِهِ بِذَلِكَ (حَتَّى إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ الْكَمَالُ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا بَيْنَهُمَا مُطْلَقًا وَلَكِنْ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّ كَسْبَهُ مَشْغُولٌ بِحَقِّ غُرَمَائِهِ فَلَا يُسْلِمْ لَهُ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ دَيْنِهِ كَمَا لَوْ أَخَذَهُ لَا بِجِهَةِ الْبَيْعِ سَوَاءٌ كَانَ اشْتَرَى مِنْهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ لَا بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْحُرِّ يَدًا وَتَصَرَّفَا فِي كَسْبِهِ فَيَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهُمَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا تَبَايَعَا فَاسِدًا) قَالَ الْكَمَالُ وَكَذَا إذَا بَاعَ مِنْهُمْ مَيْتَةً أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ قَامَرَهُمْ وَأَخَذَ الْمَالَ يَحِلُّ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَالَ مَنْ أَسْلَمَ ثَمَّةَ لَا عِصْمَةَ لَهُ) لَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْعِصْمَةِ التَّقَوُّمَ أَيْ لَا تَقَوُّمَ لَهُ فَلَا يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ لِمَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ مُعَلِّلًا لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ، وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً فَالتَّقَوُّمُ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَهُ حَتَّى لَا يَضْمَنَ بِالْإِتْلَافِ وَعِنْدَهُمَا نَفْسُهُ وَمَالُهُ مَعْصُومَانِ مُتَقَوِّمَانِ اهـ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
[بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ.]
[أَنْوَاع الِاسْتِحْقَاق]
(بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ) .
(قَوْلُهُ: لَمْ يَذْكُرْ الْحُقُوقَ) أَيْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ كَمَا ذُكِرَتْ فِيهِ فِي سَائِرِ الْمُتُونِ لِأَنَّهُ أَيْ الْمُصَنِّفَ قَدَّمَهَا فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ لِمُنَاسَبَتِهَا (قَوْلُهُ هُوَ نَوْعَانِ) ذَكَرَهُ الْعِمَادِيُّ عَنْ الزِّيَادَاتِ
يَجْعَلَانِ الْمُسْتَحِقَّ عَلَيْهِ وَمَنْ تَمَلَّكَ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنْ جِهَتِهِ مُسْتَحِقًّا عَلَيْهِ، حَتَّى أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَوْ ادَّعَى وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ يَخْتَلِفَانِ بِوَجْهٍ آخَرَ إذْ النَّوْعُ (الْأَوَّلُ يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْعُقُودِ) الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْبَاعَةِ بِلَا حَاجَةٍ فِي انْفِسَاخِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى حُكْمِ الْقَاضِي بِلَا اخْتِلَافِ رِوَايَةٍ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَلِكُلٍّ مِنْ الْبَاعَةِ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَعْ عَلَيْهِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ (وَيَرْجِعُ) هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ (عَلَى الْكَفِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَقْضِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ) فَإِنْ تَوَقَّفَ رُجُوعُ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي إنَّمَا يَكُونُ إذَا بَقِيَ أَثَرُ الْعَقْدِ وَهُوَ مِلْكٌ كَمَا فِي النَّوْعِ الثَّانِي، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ وَأَيْضًا بَدَلُ الْحُرِّ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ فَلَا يَجْتَمِعُ ثَمَنَانِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْمِلْكِ كَمَا سَيَأْتِي (وَالْحُكْمُ بِالْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ حُكْمٌ عَلَى الْكَافَّةِ) أَيْ كَافَّةِ النَّاسِ (حَتَّى لَا تُسْمَعَ دَعْوَى الْمِلْكِ مِنْ أَحَدٍ، كَذَا الْعِتْقُ وَفُرُوعُهُ) فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا يَجُوزَ اسْتِرْقَاقُ الْحُرِّ بِرِضَاهُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ خُصُومٌ فِي إثْبَاتِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى نِيَابَةً عَنْهُ تَعَالَى لِكَوْنِهِمْ عَبِيدَهُ فَكَانَ حُضُورُ الْوَاحِدِ كَحُضُورِ الْكُلِّ بِخِلَافِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ خَاصَّةً فَلَا يَنْتَصِبُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ انْتِصَابَهُ خَصْمًا إلَّا أَنَّ مَنْ تَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ جِهَتِهِ يَصِرْ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ أَيْضًا لِتَعَدِّي أَثَرِ الْقَضَاءِ إلَيْهِ لِاتِّحَادِ الْمِلْكِ وَمَنْ قَضَى إلَيْهِ فِي حَادِثَةٍ لَمْ يَصِرْ مُقْتَضِيًا لَهُ فِيهَا بِتِلْكَ الْجِهَةِ (وَأَمَّا) الْحُكْمُ (فِي) الْمِلْكِ (الْمُؤَرَّخِ فَعَلَى الْكَافَّةِ مِنْ التَّارِيخِ لَا قَبْلَهُ) يَعْنِي إذَا قَالَ زَيْدٌ لِبَكْرٍ إنَّكَ عَبْدِي مَلَكْتُكَ مُنْذُ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ فَقَالَ بَكْرٌ إنِّي كُنْتُ عَبْدَ بَشَرٍ مَلَكَنِي مُنْذُ سِتَّةِ أَعْوَامٍ فَأَعْتَقَنِي فَبَرْهَنَ عَلَيْهِ انْدَفَعَ دَعْوَى زَيْدٍ، ثُمَّ إذَا قَالَ عَمْرٌو لِبَكْرٍ إنَّكَ عَبْدِي مَلَكْتُك مُنْذُ سَبْعَةِ أَعْوَامٍ وَأَنْتَ مِلْكِي الْآنَ فَبَرْهَنَ عَلَيْهِ يُقْبَلُ وَيُفْسَخُ الْحُكْمُ بِحُرِّيَّتِهِ وَيُجْعَلُ مِلْكًا لِعَمْرٍو، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ قَاضِي خَانْ قَالَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ بَعْدَمَا حَقَّقَ الْمَسْأَلَةَ حَقَّ التَّحْقِيقِ فَصَارَتْ مَسَائِلُ الْبَابِ عَلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا عِتْقٌ فِي مِلْكٍ مُطْلَقٍ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَالْقَضَاءُ بِهِ قَضَاءٌ عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ، وَالثَّانِي الْقَضَاءُ بِالْعِتْقِ فِي مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ مِنْ وَقْتِ التَّارِيخِ وَلَا يَكُونُ قَضَاءً قَبْلَهُ فَلْيَكُنْ هَذَا عَلَى ذِكْرٍ مِنْك فَإِنَّ الْكُتُبَ الْمَشْهُورَةَ خَالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ الْفَائِدَةِ.
. (وَ) النَّوْعُ (الثَّانِي لَا يُوجِبُ انْفِسَاخَهَا) أَيْ انْفِسَاخَ الْعُقُودِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْمِلْكِ (وَالْحُكْمُ) بِهِ أَيْ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ (حُكْمٌ عَلَى ذِي الْيَدِ) حَتَّى يُؤْخَذَ الْمُدَّعِي مِنْ يَدِهِ (وَعَلَى مَنْ تَلَقَّى) ذُو الْيَدِ (الْمِلْكَ مِنْهُ) بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ وَسَائِطَ (فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْمِلْكِ مِنْهُمْ) لِكَوْنِهِمْ مَحْكُومًا عَلَيْهِمْ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَالْحُكْمُ بِهِ حُكْمٌ عَلَى ذِي الْيَدِ إلَى آخِرِهِ (بَلْ دَعْوَى النِّتَاجِ) بِأَنْ يَقُولَ بَائِعٌ مِنْ الْبَاعَةِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ مُسْتَحِقًّا عَلَيْهِمْ) أَيْ الْبَاعَةِ الْمَعْلُومِينَ مِنْ الْمَقَامِ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُ) أَيْ الْبَاعَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعِمَادِيُّ بَعْدَ هَذَا وَوَجْهُ عَدَمُ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ قَوْلُ الْكَمَالِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ كَاسْمِهَا مُبَيِّنَةً لِمَا كَانَ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ فَيَظْهَرُ بِهَا مَا كَانَ قَبْلَهُ قِبْلِيَّةً لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ مُعَيَّنٍ وَلِهَذَا يَرْجِعُ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَا يَسْمَعُ دَعْوَى أَحَدِهِمْ أَنَّهُ مَلَكَهُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ صَارُوا مَقْضِيًّا عَلَيْهِمْ بِالْقَضَاءِ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَخِيرِ كَمَا لَوْ ادَّعَتْ فِي يَدِ الْأَخِيرِ أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ حَيْثُ يَرْجِعُونَ.
(قَوْلُهُ: يَخْتَلِفَانِ بِوَجْهٍ آخَرَ) قَالَ الْعِمَادِيُّ وَوَجْهُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ النَّاقِلَ إذَا وَرَدَ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاعَةِ لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْكَفِيلِ مَا لَمْ يَقْضِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْحُكْمُ بِالْحُرِّيَّةِ حُكْمٌ عَلَى الْكَافَّةِ) قَالَ الْعِمَادِيُّ وَمَنْ ادَّعَى حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ أُمِّهِ وَلَا اسْمَ أَبِ الْأُمِّ وَجَدِّهَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ حُرَّ الْأَصْلِ وَتَكُونُ أُمُّهُ رَقِيقَةً بِأَنْ اسْتَوْلَدَ جَارِيَتَهُ فَالْوَلَدُ عَلَقَ حُرَّ الْأَصْلِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُمُّ حُرِّيَّةً.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي لَا يُوجِبُ انْفِسَاخَهَا) أَيْ فَيُوجِبُ تَوَقُّفَ الْعَقْدِ السَّابِقِ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ، فَإِذَا لَمْ يُجِزْ قِيلَ يَنْفَسِخُ إذَا قَبَضَ الْمُسْتَحَقُّ وَقِيلَ يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ الْقَضَاءِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يَرْجِعْ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ، فَإِذَا رَجَعَ الْآنَ يَنْفَسِخُ حَتَّى لَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ بَعْدَمَا قَضَى لَهُ أَوْ بَعْدَمَا قَبَضَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ يَصِحُّ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقَضَاءَ لِلْمُسْتَحِقِّ لَا يَكُونُ فَسْخًا لِلْبِيَاعَاتِ مَا لَمْ يَرْجِعْ كُلٌّ عَلَى بَائِعِهِ بِالْقَضَاءِ.
وَفِي الزِّيَادَاتِ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ مَا لَمْ يَأْخُذْ الْعَيْنَ بِحُكْمِ الْقَاضِي وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يَفْسَخْ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
وَمَعْنَى هَذَا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى الْفَسْخِ كَمَا فِي الْعِمَادِيَّةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: بَلْ دَعْوَى النِّتَاجِ بِأَنْ يَقُولَ بَائِعٌ مِنْ الْبَاعَةِ. . . إلَخْ) أَقُولُ هَذَا لَا يَصِحُّ عَلَى إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي بَائِعٍ لَمْ يَتَلَقَّ الْمِلْكَ مِنْ غَيْرِهِ فَيَصِحُّ مِنْهُ دَعْوَى النِّتَاجِ عِنْدَهُ لِعَدَمِ التَّنَاقُضِ مِنْهُ، أَمَّا مَنْ تَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ غَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ دَعْوَى النِّتَاجِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ النِّتَاجُ قَدْ وُجِدَ عِنْدَهُ حَقِيقَةً فَإِعْدَامُهُ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ بِبَيْعِهِ أَوْ هِبَتِهِ أَوْ نَحْوِهَا فَيَمْتَنِعُ دَعْوَى النِّتَاجِ لِلتَّنَاقُضِ كَمَا
حِينَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ أَنَا لَا أُعْطِي الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ كَاذِبٌ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ نَتَجَ فِي مِلْكِي أَوْ مِلْكِ بَايِعِي بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِهَا فَيُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَيَبْطُلُ الْحُكْمُ إنْ أَثْبَتَ (أَوْ تَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ) بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا لَا أُعْطِي الثَّمَنَ؛ لِأَنِّي اشْتَرَيْته مِنْ الْمُسْتَحِقِّ فَيُسْمَعُ أَيْضًا (وَلَا تُعَادُ الْبَيِّنَةُ لِلرُّجُوعِ) هَذَا أَيْضًا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَالْحُكْمُ بِهِ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي إذَا كَانَ الْحُكْمُ لِلْمُسْتَحِقِّ حُكْمًا عَلَى الْبَاعَةِ، فَإِذَا أَرَادَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُشْتَرِينَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ.
(وَ) لَكِنْ (لَا يَرْجِعُ أَحَدٌ) مِنْ الْمُشْتَرِينَ (عَلَى بَائِعِهِ فَقَبِلَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ) حَتَّى لَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْأَوْسَطِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى بَائِعِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي الْأَخِيرُ (وَلَا يُرْجَعُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا يَحْصُلُ رُجُوعُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ (عَلَى الْكَفِيلِ) أَيْ الضَّامِنِ بِالدَّرْكِ (قَبْلَ الْقَضَاءِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ) لِأَنَّهُ أَصْلٌ وَمِنْهُ يَسْرِي الْحُكْمُ إلَى الْكَفِيلِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ ثَمَنَانِ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْمُسْتَحِقِّ مَمْلُوكٌ.
(ثُمَّ الرُّجُوعُ) أَيْ رُجُوعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ (إنَّمَا يَكُونُ إذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْبَيِّنَةِ) لِمَا عَرَفْت أَنَّهَا حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ، أَمَّا إذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ أَوْ بِإِقْرَارِ وَكِيلِ الْمُشْتَرِي بِالْخُصُومَةِ أَوْ بِنُكُولِهِ فَلَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَفِي زِيَادَاتِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَامِدٍ الْبُخَارِيِّ اشْتَرَى دَارًا وَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ مِلْكُ الْمُسْتَحِقِّ لِيَرْجِعَ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ لَا يُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، أَمَّا لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُ الْمُسْتَحِقِّ تُقْبَلُ وَيُؤْخَذُ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ وَلَوْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ بِذَلِكَ وَلَكِنْ طَلَبَ يَمِينَهُ بِاَللَّهِ مَا هِيَ لِلْمُدَّعِي كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَنْكُلَ عَنْ الْيَمِينِ فَيَصِيرُ بِنُكُولِهِ كَالْمُقِرِّ وَيَسْتَرِدُّ مِنْهُ الثَّمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ، كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ حِفْظُهُ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ، وَقَدْ فَرَّعَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَمَبِيعَةٌ وَلَدَتْ) عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَا بِاسْتِيلَادِهِ (فَاسْتُحِقَّتْ بِبَيِّنَةٍ تَبِعَهَا وَلَدُهَا) أَيْ يَأْخُذُهَا الْمُسْتَحِقُّ وَوَلَدَهَا (وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا) لِرَجُلٍ (لَا) أَيْ لَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا بَلْ يَأْخُذُهَا الْمُقِرُّ لَهُ لَا وَلَدَهَا وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُثْبِتُ الْمِلْكَ مِنْ الْأَصْلِ وَالْوَلَدُ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا يَوْمَئِذٍ فَيَثْبُتُ بِهَا الِاسْتِحْقَاقُ فِيهِمَا وَالْإِقْرَارُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ فِي الْمُخْبِرِ بِهِ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْخَبَرِ وَمَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ.
(التَّنَاقُضُ يَمْنَعُ دَعْوَى الْمِلْكِ) لِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَّهَمًا فِيهَا (لَا) دَعْوَى (الْحُرِّيَّةِ) أَمَّا الْحُرِّيَّةُ الْأَصْلِيَّةُ فَلِخَفَاءِ حَالِ الْعُلُوقِ فَإِنَّ الْوَلَدَ يُجْلَبُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ صَغِيرًا وَلَا يَعْلَمُ بِحُرِّيَّةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيُقِرُّ بِالرِّقِّ ثُمَّ يَعْلَمُ بِحُرِّيَّةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَدَّعِي الْحُرِّيَّةَ وَالتَّنَاقُضُ فِيمَا فِي طَرِيقِهِ خَفَاءٌ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى، وَأَمَّا الْعَارِضِيَّةُ فَلِأَنَّ الْمَوْلَى يَنْفَرِدُ بِالْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ بِلَا عِلْمِ الْعَبْدِ فَيَجْرِي فِيهِ أَيْضًا الْخَفَاءُ فَيُجْعَلُ التَّنَاقُضُ فِيهِ عَفْوًا، وَإِذَا أَقَامَ الْمُكَاتَبُ بَيِّنَةً عَلَى إعْتَاقِ سَيِّدِهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ تُقْبَلُ لِاسْتِقْلَالِ سَيِّدِهِ بِالتَّحْرِيرِ (وَالطَّلَاقِ) فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا اخْتَلَعَتْ ثُمَّ أَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ الْخُلْعِ فَإِنَّهَا تُسْمَعُ، وَإِنْ تَنَاقَضَتْ لِلْخَفَاءِ فِي تَطْلِيقِهِ لِاسْتِقْلَالِهِ بِهِ (وَالنَّسَبِ) كَمَا إذَا قَالَ لَيْسَ هَذَا ابْنِي ثُمَّ قَالَ هَذَا ابْنِي فَيُسْمَعُ، وَكَذَا إذَا قَالَ لَسْتُ أَنَا بِوَارِثِ فُلَانٍ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ وَارِثُهُ وَبَيَّنَ جِهَةَ إرْثِهِ يَصِحُّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
إذَا لَمْ يَحْصُلْ النِّتَاجُ عِنْدَهُ أَصْلًا لِمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الدَّعْوَى مِنْ أَنَّ الِاسْتِشْرَاءَ وَالِاسْتِيهَابَ وَالِاسْتِيدَاعَ وَالِاسْتِئْجَارَ يَمْنَعُ دَعْوَى الْمِلْكِ لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا إقْرَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِلْكٌ لِذِي الْيَدِ فَيَكُونُ الطَّلَبُ بَعْدَهُ تَنَاقُضًا اهـ. وَالتَّنَاقُضُ حَاصِلٌ مِنْ بَائِعٍ تَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ غَيْرِهِ يَدَّعِي النِّتَاجَ عِنْدَهُ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَمَبِيعَةٌ وَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَا بِاسْتِيلَادِهِ) إنَّمَا قُيِّدَ بِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِيلَادِهِ لِمَكَانِ قَوْلِهِ أَيْ يَأْخُذُهَا الْمُسْتَحِقُّ وَوَلَدَهَا وَإِلَّا فَاسْتِيلَادُهُ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْوَلَدِ بِالْبَيِّنَةِ فَيَكُونُ وَلَدُ الْمَغْرُورِ وَهُوَ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ لِمُسْتَحِقِّهِ وَيَلْزَمُ عُقْرَهَا بِالْوَطْءِ وَيَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ عَلَى بَائِعِهِ لَا بِالْعُقْرِ، وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ لَا شَيْءَ عَلَى أَبِيهِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ دَعْوَى النَّسَبِ.
(قَوْلُهُ: تَبِعَهَا وَلَدُهَا) قَالَ الْكَمَالُ وَيُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ بِالْوَلَدِ بِخُصُوصِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ يَوْمَ الْقَضَاءِ لِانْفِصَالِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ وَقِيلَ يَصِيرُ مُقْتَضِيًا بِهِ تَبَعًا كَمَا أَنَّ ثُبُوتَ اسْتِحْقَاقِهِ يَكُونُ تَبَعًا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِرَجُلٍ لَا يَتَّبِعُهَا وَلَدُهَا) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ النِّهَايَةِ الْوَلَدُ إنَّمَا لَا يَتَّبِعُهَا فِي الْإِقْرَارِ إذَا لَمْ يَدَّعِهِ الْمُقِرُّ لَهُ مَا إذَا ادَّعَاهُ كَانَ لَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَهُ. اهـ. .
وَفَرَّعَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَلَوْ قَالَ رَجُلٌ) لِآخَرَ (اشْتَرِنِي فَإِنِّي عَبْدٌ فَاشْتَرَاهُ) ثُمَّ ادَّعَى الْحُرِّيَّةَ (فَأَثْبَتَ حُرِّيَّتَهُ ضَمِنَ) الْعَبْدُ (إنْ لَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ بَائِعُهُ) لِأَنَّ الْمُقِرَّ بِالْعُبُودِيَّةِ ضَمِنَ سَلَامَةَ نَفْسِهِ أَوْ سَلَامَةَ الثَّمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ الْبَائِعِ فَجَعَلَ الْمُشْتَرِيَ مَغْرُورًا وَالتَّغْرِيرَ فِي الْمُعَاوَضَةِ سَبَبُ الضَّمَانِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، فَإِذَا ظَهَرَ حُرِّيَّتُهُ وَأَهْلِيَّتُهُ لِلضَّمَانِ وَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ الْبَائِعِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ (وَرَجَعَ) أَيْ الْعَبْدُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْبَائِعِ إذَا وَجَدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنًا عَلَى الْبَائِعِ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِيهِ فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا كَمُعِيرِ الرَّهْنِ إذَا قَضَى الدَّيْنَ لِتَخْلِيصِ الرَّهْنِ حَيْثُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَدْيُونِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ اشْتَرِنِي أَوْ قَالَهُ وَلَمْ يَقُلْ: إنِّي عَبْدٌ لَيْسَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ (وَإِنْ عَلِمَ) أَيْ مَكَانَ بَائِعِهِ (فَلَا) أَيْ لَا يَضْمَنُ الْعَبْدُ (بِخِلَافِ الرَّهْنِ) فَإِنَّهُ إذَا قَالَ ارْتَهِنِّي فَإِنِّي عَبْدٌ لَا يُجْعَلُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ وَالرَّهْنُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ حَبْسٌ بِلَا عِوَضٍ يُقَابِلُهُ وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ دَفْعُ إشْكَالٍ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الدَّعْوَى شَرْطٌ فِي حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالتَّنَاقُضُ يُفْسِدُ الدَّعْوَى.
(لَا عِبْرَةَ لِتَارِيخِ الْغَيْبَةِ) بَلْ الْعِبْرَةُ لِتَارِيخِ الْمِلْكِ (فَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحِقُّ غَابَتْ عَنِّي مُنْذُ سَنَةٍ) يَعْنِي اسْتَحَقَّ رَجُلٌ دَابَّةً مِنْ يَدِ آخَرَ وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ عِنْدَ الدَّعْوَى غَابَتْ عَنِّي هَذِهِ الدَّابَّةُ مُنْذُ سَنَةٍ فَقَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِالدَّابَّةِ لِلْمُسْتَحِقِّ أَخْبَرَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ الْبَائِعَ عَنْ الْقِصَّةِ (فَقَالَ الْبَائِعُ لِي بَيِّنَةٌ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكًا لِي مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ) بَلْ يَقْضِي الْقَاضِي بِالدَّابَّةِ لِلْمُسْتَحِقِّ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ مَا ذَكَرَ تَارِيخَ الْمِلْكِ بَلْ ذَكَرَ تَارِيخَ غَيْبَةِ الدَّابَّةِ فَبَقِيَتْ دَعْوَاهُ الْمِلْكَ بِلَا تَارِيخٍ وَالْبَائِعُ ذَكَرَ تَارِيخَ الْمِلْكِ وَدَعْوَاهُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْهُ فَصَارَ كَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ ادَّعَى مِلْكَ بَائِعِهِ بِتَارِيخِ سَنَتَيْنِ، إلَّا أَنَّ التَّارِيخَ لَا يُعْتَبَرُ حَالَةُ الِانْفِرَادِ كَمَا سَيَأْتِي فَسَقَطَ اعْتِبَارُ ذِكْرِهِ وَبَقِيَتْ الدَّعْوَى فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَيَقْضِي بِالدَّابَّةِ (الْعِلْمُ بِالِاسْتِحْقَاقِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرُّجُوعِ) يَعْنِي إذَا اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ رَجُلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لَهُ بَلْ لِغَيْرِهِ فَبَعْدَمَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ وَلَا يَمْنَعُ عِلْمُهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ صِحَّةَ رُجُوعِهِ (فَإِذَا اسْتَوْلَدَ مَشْرِيَّةً يُعْلَمُ غَصْبُ الْبَائِعِ إيَّاهَا كَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ) يَعْنِي اشْتَرَى جَارِيَةً مَغْصُوبَةً وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْبَائِعَ غَاصِبٌ فَاسْتَوْلَدَهَا كَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا لِانْعِدَامِ الْغُرُورِ لِعِلْمِهِ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ وَلَوْ أَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَقَرَّ بَعْدَ الشِّرَاءِ بِمَلَكِيَّةِ الْمَبِيعِ لِلْمُسْتَحِقِّ لَا يَبْطُلُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ، كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ.
(لَا يَحْكُمُ بِسِجِلِّ الِاسْتِحْقَاقِ بِشَهَادَةِ أَنَّهُ كِتَابُ كَذَا بَلْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى مَضْمُونِهِ) يَعْنِي إذَا اسْتَحَقَّ دَابَّةً مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي بِبُخَارَى وَقَبَضَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ السِّجِلَّ وَوَجَدَ بَائِعُهُ بِسَمَرْقَنْدَ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ وَأَظْهَرَ سِجِلَّ قَاضِي بُخَارَى وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذَا كِتَابُ قَاضِي بُخَارَى لَا يَجُوزُ لِقَاضِي سَمَرْقَنْدَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَيَقْضِي لِلْمُسْتَحِقِّ عَلَيْهِ بِالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ مَا لَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ أَنَّ قَاضِيَ بُخَارَى قَضَى بِبُخَارَى عَلَى الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ بِالدَّابَّةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا مِنْ هَذَا الْبَائِعِ وَأَخْرَجَهَا مِنْ يَدِ الْمُسْتَحِقِّ عَلَيْهِ هَذَا لِأَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: إنَّ الدَّعْوَى شَرْطٌ فِي حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ) يَعْنِي مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ الْكَمَالُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ دَعْوَى الْعَبْدِ شَرْطٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَالْعِتْقِ الْعَارِضِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَقَرَّ بَعْدَ الشِّرَاءِ بِمَلَكِيَّةِ الْمَبِيعِ لِلْمُسْتَحِقِّ لَا يَبْطُلُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ، كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ) قُلْت قَدْ نَقَلَ الْعِمَادِيُّ قَبْلَ هَذَا عَنْ الذَّخِيرَةِ مَا صُورَتُهُ ثُمَّ اسْتِحْقَاقُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُشْتَرِي إنَّمَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ إذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْبَيِّنَةِ، أَمَّا إذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ أَوْ بِإِقْرَارِ وَكِيلِهِ بِالْخُصُومَةِ أَوْ نُكُولِهِ لَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ.
نَفْسِ السِّجِلِّ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي وَعَلَى قَصْرِ يَدِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ كَذَا مَا سِوَى نَقْلِ الشَّهَادَةِ وَالْوَكَالَةِ الْمُرَادُ بِمَا سِوَاهُمَا الْمَحَاضِرُ وَالسِّجِلَّاتُ وَالصُّكُوكُ فَإِنَّ فِي كُلٍّ مِنْهَا تَجِبُ الشَّهَادَةُ عَلَى مَضْمُونِ الْمَكْتُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِكُلٍّ مِنْهَا كَوْنُهُ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ بِخِلَافِ نَقْلِ الْوَكَالَةِ وَالشَّهَادَةِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا حُصُولُ الْعِلْمِ لِلْقَاضِي وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ كَوْنُ شُهُودِ الطَّرِيقِ كُفَّارًا، وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ كَافِرًا (قَبَضَ كُلَّ الْمَبِيعِ فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهُ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي قَدْرِهِ) أَيْ قَدْرِ ذَلِكَ الْبَعْضِ (فَإِنْ أَوْرَثَ) أَيْ اسْتِحْقَاقُ الْبَعْضِ (الْعَيْبَ فِي الْبَاقِي أَوْ كَانَ) الْمُسْتَحِقُّ (شَيْئَيْنِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ) كَالسَّيْفِ بِالْغِمْدِ وَالْقَوْسِ بِالْوَتَرِ (خُيِّرَ) الْمُشْتَرِي (فِيهِ) أَيْ الْبَاقِي وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُورِثْ عَيْبًا فِي الْبَاقِي وَلَمْ يَكُنْ شَيْئَيْنِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ (لَزِمَهُ) أَيْ لَزِمَ الْبَاقِي الْمُشْتَرِيَ (بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ) تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْبَيْعَ إذَا بَطَلَ فِي قَدْرِ الْبَعْضِ الْمُسْتَحَقِّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ اسْتِحْقَاقُ مَا اسْتَحَقَّ يُورِثُ الْعَيْبَ فِي الْبَاقِي، كَمَا إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ شَيْئًا وَاحِدًا مِمَّا فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ كَالدَّارِ وَالْأَرْضِ وَالْكَرْمِ وَالْعَبْدِ وَنَحْوِهَا فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي الْبَاقِي إنْ شَاءَ رَضِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ وَفِي الْحُكْمِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَاسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ اسْتِحْقَاقُ مَا اسْتَحَقَّ لَا يُورِثُ عَيْبًا فِي الْبَاقِي، كَمَا إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ فَاسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا أَوْ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ أَوْ حَمْلَةَ وَزْنِيٍّ فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَبْعِيضِهِ فَلَزِمَ الْبَاقِي الْمُشْتَرِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَيْسَ لَهُ الْخِيَارُ، كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ (أَوْ بَعْضِهِ) عَطْفٌ عَلَى كُلِّ الْمَبِيعِ (فَاسْتَحَقَّ الْمَقْبُوضَ أَوْ غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الْمَقْبُوضِ (بَطَلَ) الْبَيْعُ (فِيهِ) أَيْ فِيمَا إذَا قَبَضَ الْبَعْضَ (أَيْضًا) أَيْ كَمَا بَطَلَ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ فِي صُورَةِ قَبْضِ الْكُلِّ (وَخُيِّرَ) الْمُشْتَرِي (فِي الْبَاقِي) سَوَاءٌ (أَوْرَثَ) اسْتِحْقَاقُ الْبَعْضِ (الْعَيْبَ فِيهِ أَوْ لَا) لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ قَبْلَ التَّمَامِ.
(ادَّعَى حَقًّا) مَجْهُولًا (فِي دَارٍ فَصُولِحَ عَلَى شَيْءٍ) كَمِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلًا (فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهَا) أَيْ بَعْضَ الدَّارِ (لَمْ يَرْجِعْ) صَاحِبُ الدَّارِ (بِشَيْءٍ) مِنْ الْبَدَلِ (عَلَى الْمُدَّعِي) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ دَعْوَاهُ فِيمَا بَقِيَ، وَإِنْ قَلَّ (أَوْ) اسْتَحَقَّ (كُلَّهَا) أَيْ كُلَّ الدَّارِ (رَدَّ كُلَّ الْعِوَضِ) لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ أَخَذَ عِوَضَ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ فَيَرُدُّ (وَإِنْ ادَّعَاهَا) أَيْ الدَّارَ كُلَّهَا (فَصُولِحَ عَلَى شَيْءٍ) كَمِائَةٍ (فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهَا) أَيْ بَعْضَ الدَّارِ (رَجَعَ بِحِصَّتِهِ) لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى مِائَةٍ وَقَعَ عَنْ كُلِّ الدَّارِ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ مِنْهَا شَيْءٌ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ الْقَدْرَ فَيُرَدُّ بِحِسَابِهِ مِنْ الْعِوَضِ (صَالَحَ عَنْ الدَّنَانِيرِ عَلَى دَرَاهِمَ وَقَبَضَهَا) أَيْ الدَّرَاهِمَ (فَاسْتُحِقَّتْ) أَيْ الدَّرَاهِمُ (بَعْدَ التَّفَرُّقِ رَجَعَ بِالدَّنَانِيرِ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الصُّلْحَ فِي مَعْنَى الصَّرْفِ، فَإِذَا اُسْتُحِقَّ الْبَدَلُ بَطَلَ الصُّلْحُ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ.
(جَازَ إعْتَاقُ مُشْتَرٍ مِنْ غَاصِبٍ بِإِجَازَةِ بَيْعِهِ) يَعْنِي لَوْ غَصَبَ رَجُلٌ عَبْدًا أَوْ بَاعَهُ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فَأَجَازَ الْمَالِكُ بَيْعَ الْغَاصِبِ جَازَ عِتْقُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ إذْ لَا عِتْقَ بِدُونِ الْمِلْكِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» وَالْمَوْقُوفُ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ وَلَوْ أَفَادَ يَثْبُتُ مُسْتَنَدًا وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَالْمُصَحِّحُ لَهُ الْمِلْكُ الْكَامِلُ لِلْحَدِيثِ وَلَهُمَا أَنَّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: جَازَ إعْتَاقُ مُشْتَرٍ مِنْ غَاصِبٍ بِإِجَازَةِ بَيْعِهِ) كَذَا لَوْ أَدَّى الْغَاصِبُ الضَّمَانَ وَكَذَا وَقْفُ الْأَرْضِ الْمُشْتَرَاةِ مِنْ غَاصِبِهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ