الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا إذا لم يكن لعذرٍ.
الفصل الثاني
أن الصيد تتعدد كفارته بتعدُّد قتله
، فكلَّما قتل صيدًا
(1)
فعليه جزاؤه، سواء جزى الأولَ أو لم يَجْزِ. هذا أشهر الروايتين عن أبي عبد الله، رواها ابن القاسم وسندي وحنبل في موضع
(2)
.
قال في رواية ابن القاسم: وإذا قتل المحرم الصيد فحُكِمَ عليه، ثم عاد فقتل، فإنه يُحكَم عليه كلَّما
(3)
عاد. والذين قالوا: إن عاد لم يُحكم عليه إنما ذهبوا إلى التأويل فيه. والأمر على الحكم الأول عليه كفارة.
وقد رُوي عن عمر بن الخطاب وغيره أنهم حكموا في الخطأ وفيمن قتل، ولم يسألوه هل كان قَتل قبل هذا أم لا
(4)
؟ وإنما وجب عليه لتعظيم الإحرام مكانه، والكفارة تجب على المحرم إذا قتل الصيد عمدًا أو خطأً في الوجهين جميعًا، وقد روي عن عمر وغيره أنهم حكموا في الخطأ.
وروى حنبل
(5)
عنه أنه إذا لم يكفِّر عن الأول فكفارة واحدة كسائر المحظورات
(6)
. وهذا ينبغي أن يكون فيما جزاؤه واحد، فأما إذا اختلف
(1)
«صيدًا» ساقطة من المطبوع.
(2)
انظر «التعليقة» (2/ 300) و «المغني» (5/ 419).
(3)
في النسختين: «كما» . ولعل الصواب ما أثبتُّ.
(4)
سبقت آثار عن عمر وغيره في جزاء الصيد.
(5)
كما في «المستوعب» (1/ 482).
(6)
ق: «المحضورات» تصحيف.
الجزاء
(1)
. هكذا ذكرها القاضي وغيره في موضع.
ولفظهما في موضع آخر
(2)
: لا جزاء عليه، ينتقم الله منه. وهذا يقتضي أنه لا يكفّر عن الصّيد إلا مرةً واحدة، فإن قتله ثانيًا لم يُحكم عليه، سواء كفَّر عن الأول أو لم يكفِّر. وهو الصواب في هذه الرواية.
ومن أصحابنا من يجعلها على ثلاث روايات
(3)
.
وهذا إنما يكون في العمد. فأما الخطأ
…
(4)
. وهل يُفرَّق بين إحرام، أو إحرامين
…
(5)
.
لأن الله قال: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} إلى قوله: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [المائدة: 95]، فتوعَّد العائد إلى قتله بالانتقام، ولم يذكر شيئًا آخر كما ذكره في البادئ، بل فرَّق بينهما، فجعل على البادئ الجزاء، وعلى العائد الانتقام.
ولأنه جعل الجزاء ليذوق القاتل وبال أمره بقتل الصيد، وذلك بإخراج الجزاء، ثم جعل العائد ينتقم الله منه، وإنما ذاك بعذابٍ يُنزِله الله به لا يكون له فيه فعلٌ، والجزاء هو يُخرِجه.
وأيضًا فإنه جعل الطعام كفارة للقتل، ومن ينتقم منه لم يكفّر ذنبه.
(1)
كذا في النسختين بدون جواب الشرط.
(2)
كما في «التعليقة» (2/ 300).
(3)
كما في «المغني» (5/ 419).
(4)
بياض في النسختين.
(5)
بياض في النسختين.
ويؤيِّد ذلك ما روى عكرمة عن ابن عباس قال: إذا أصاب المحرمُ
(1)
ثم عاد، قيل له: اذهبْ فينتقم الله منك. رواه النجّاد
(2)
.
وقال ابن أبي عَروبة في «المناسك»
(3)
عن قتادة: إنْ أصاب الصيدَ مرارًا خطأً حُكِم عليه، وإن أصابه متعمدًا حُكِم عليه مرّةً واحدةً، ومن عاد فينتقم الله منه. قال: ذُكِر لنا أن رجلًا عاد في عمدٍ، فبعث الله عليه نارًا فأكلتْه.
وأيضًا فإنه إذا تكرَّر منه القتل فقد تغلَّظ الذنب، ولحِقَ بالكبائر الغليظة، وتلك لا كفارة فيها، كقتل العمد والزنا واليمين الغموس ونحو ذلك، بخلاف أول مرة فإنه قد يُعذَر فيه
(4)
.
ووجه الأول: أن الله قال: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} ، وهذا نهيٌ عن قتله في كل مرة؛ ثم قال:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} ، وهذا يعمُّ جميعَ الصيد وجميعَ القتلاتِ على سبيل الجمع والبدل، كما يعمُّ جميعَ القاتلين، كما عمَّ قوله:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92].
(1)
في المطبوع بعدها زيادة: «الصيد» ، ليست في النسختين والتعليقة، والمعنى مفهوم بدونها.
(2)
عزاه إليه القاضي في «التعليقة» (2/ 303). ورواه أيضًا عبد الرزاق (8184) وابن أبي شيبة (16011) والطبري (8/ 716) وابن أبي حاتم (4/ 1209) بنحوه. وسيأتي من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.
(3)
ليس في المطبوع منه، وقد أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (8182) وفي «التفسير» (1/ 194) عن معمر عنه بنحوه. وأما قوله: «ذكر لنا أن رجلًا
…
» فعزاه في «الدر المنثور» (5/ 530) إلى تفسير أبي الشيخ الأصبهاني.
(4)
«فيه» ساقطة من المطبوع.
ويوجب أيضًا تكرُّرَ الجزاء بتكرر شرطه، كما في قوله:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: 196]، وكما في قوله:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6]. هذا هو المعهود في خطاب الشرع، وإن لم يُحمل خطابُ الناس على ذلك. على أن الشرط في خطاب الناس إذا تعلق بمحلٍّ واحد لم يتكرر بتكرُّره في ذلك المحلّ، كقوله: من دخل داري فله درهم، وإن تعلق بمَحَالَّ: تكرر بتكرُّره في تلك المحالّ، كما لو قال: من دخل دوري فله بكل دخولٍ درهم. وهنا محل القتل هو الصيد، وهو متعدد.
وأيضًا فإنه أوجب في المقتول مثله من النَّعم، وذلك يقتضي أنه إذا قتل كثيرًا وجب كثير من النعم.
وأيضًا فإن جزاء الصيد بدلُ مُتْلَفٍ متعدد بتعدد مبدله، كدية الآدمي وكفارته.
وأيضًا فإن الجزاء شُرع جابرًا لما فوَّت، وماحيًا لما ارتكب، وزاجرًا عن الذنب. وهذا يوجب تكرره بتكرر سببه، كسائر المكفِّرات من الظهار والقتل والأيمان ومحظورات الإحرام وغير ذلك.
وأما الآية فقد قال: {فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95]، وهذا كقوله:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23]. {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} في الجاهلية {وَمَنْ عَادَ} في الإسلام {فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} ، وقوله:{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22]. ويوضّح ذلك أن قوله: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} إخبار عن عفوه عما مضى حين نزول الآية، قبل أن
يقتل أحد صيدًا يُحكم عليه فيه، وما ذاك إلا ما قتلوه قبل نزول
(1)
الآية.
وأيضًا فإن العفو يقتضي عدم المؤاخذة واللوم، ولو كان العفو عما يقتله في الإسلام لما أوجب عليه الجزاء.
وأيضًا فإن قتل الصيد خطيئة عظيمة، ومثل هذه لا يقع [ق 318] العفو عنها عمومًا؛ فإن العفو عنها عمومًا يقتضي أن لا تكون ذنبًا. ألا ترى أن السيئات لما كفّرهن الله كان ذلك مشروطًا باجتناب الكبائر، فإن العفو عن الشيء والنهي عنه لا يجتمعان. ووجوب الجزاء بقتل الصيد متعمدًا لا يقتضي رفع المأثم، بل هو فاسق بذلك إلا أن يتوب.
وقوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} يوجب توعُّد قاتل الصيد بالانتقام منه، وذلك لا يمنع وجوب الجزاء عليه، كما قال:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93]، ولم يمنع ذلك وجوب الدية والقَوَد. وقوله:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، وقوله في المحاربين:{ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]، ولم يمنع ذلك وجوبَ ردّ المسروق إن كان باقيًا، وقيمته إن كان تالفًا، وقوله:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2] لم يمنع ذلك وجوب رجم أو نفي
(2)
.
وهذا كثير، قد يذكر الله وعيد الذنوب في موضع، ويذكر جزاءها في الدنيا في موضع آخر.
(1)
«نزول» ساقطة من المطبوع.
(2)
في المطبوع: «ونفي» خلاف النسختين.
ثم يقال: من جملة الانتقام إيجاب
(1)
الجزاء عليه، كما قال:{لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: 95]، فيكون قد عفا عما سلف قبل نزول الآية، فلا عقاب فيه ولا جزاء، ومن عاد بعدها فينتقم الله منه بالعقوبة والجزاء.
الفصل الثالث
إذا فعل محظوراتٍ من أجناس مثل أن يلبس ويتطيَّب ويحلق، فعنه: عليه لكل
(2)
جنسٍ كفارة، سواء فعلها في مرة أو
(3)
مرات، لسبب أو أسباب.
قال ابن منصور
(4)
: قلت: قال سفيان: في الطيب كفارة، وفي الثياب كفارة، وفي الشعر كفارة. قال أحمد: جيّد، في كل واحدٍ كفارة.
وقال في رواية [ابن] إبراهيم
(5)
في محرم مرض في الطريق، فحلق رأسه ولبس ثيابه واطَّلَى: عليه هديانِ. وهذا اختيار
…
(6)
.
ونقل عنه ابن منصور
(7)
في محرم مسَّ طيبًا، ولبس ثوبًا، وحلق رأسه
(8)
، ولبس الخفين، وما أشبه ذلك مما لا ينبغي له أن يفعل، قال: عليه كفارة واحدة، وإن فعل ذلك واحدًا بعد واحد فعليه دم لكل واحد.
(1)
في النسختين: «وجوب» . والمثبت من هامشهما بعلامة ص.
(2)
في المطبوع: «بكل» خلاف النسختين.
(3)
«مرة أو» ساقطة من المطبوع.
(4)
هو الكوسج في «مسائله» (1/ 598). وانظر «التعليقة» (1/ 460).
(5)
هو ابن هانئ في «مسائله» (1/ 157). ونقلها القاضي في «التعليقة» (1/ 461).
(6)
بياض في النسختين.
(7)
هو الكوسج في «مسائله» (1/ 565). وقد سبق ذكرها.
(8)
«ولبس
…
رأسه» ساقطة من المطبوع.
فقد نصَّ على أنه إذا فعل ذلك في مكان واحد [و] وقتٍ واحد دفعةً واحدة= لم يلزمه إلا كفارة واحدة. وهكذا حرَّر هذه الرواية ابن أبي موسى والقاضي في «المجرد» وابن عقيل وغيرهم، واختارها ابن أبي موسى، قال
(1)
: ولو لبس المحرم ثيابه، ومسَّ طيبًا، ولبس الخفيَّن، وحلق شعره، وأتى بذلك كله في مكان واحد= لزمه كفارة واحدة. وقيل عنه: كفارتان، إلا أن يفرِّق ذلك فيلزمه لكلّ فعلٍ كفارة واحدة، قولا واحدا.
وأطلق القاضي في «خلافه»
(2)
وأبو الخطاب وغيره القول بأن عنه رواية بالتداخل في الأجناس المختلفة مطلقًا، وحكى القاضي ذلك عن أبي بكر. ولفظ المنصوص يخالف ذلك. وذكر في «المجرد» رواية ثالثة
…
(3)
.
فصل
وأما صفة الأجناس: فإن الطيب كله جنس واحد، واللباس كله جنس واحد، ويدخل فيه تظليل المحمل. وتقليم الأظفار جنس واحد، وحلق الشعر جنس واحد، والمباشرة كلها جنس واحد، يعني إذا اتحد موجبها
(4)
. هكذا ذكره أصحابنا القاضي وأصحابه ومن بعدهم.
ويحتمل كلامه
(5)
أن يكون الحلق والتقليم جنسًا واحدًا.
(1)
في «الإرشاد» (ص 177).
(2)
أي «التعليقة» (1/ 460).
(3)
بياض في النسختين.
(4)
في النسختين: «لوجهها» . ولعل الصواب ما أثبته.
(5)
في النسختين: «كلام» .