الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
و
الرواية الثالثة: إن قدِمَ في العشر لم ينحَرْ ولم يحِلَّ، وإن قدِمَ قبل العشر نحَرَ وحلَّ إن شاء
. ثم هل يحلُّ في العشر بالتقصير؟ مبنيٌّ على ما سبق؛ لكن المنصوص عنه أنه يحِلُّ به، قال في رواية يوسف بن موسى
(1)
وحرب فيمن قدِمَ متمتعًا وساقَ الهدي: فإن قدِمَ في شوال نحَرَ الهدي وحلَّ وعليه هديٌ آخر، وإذا قدِمَ في العشر أقام على إحرامه ولم يحِلَّ، فقيل له: معاوية يقول: قصَّرتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمِشْقَصٍ، فقال: إنما حلَّ بمقدار التقصير، ويرجع حرامًا مكانه.
وقال في رواية أبي طالب: إذا كان قبل العشر نحرَ، لا
(2)
يضيع، لا يموت، لا يُسْرَق.
وهذا هو [ق 337] الذي ذكره القاضي في «المجرد» من غير خلافٍ، قال: لأن له قبل العشر أن ينحر الهدي ويبقى بلا هَدْي، وفي العشر ليس له أن ينحر الهدي فلا يتحلل. وعامة أصحابنا على أنه ممنوع من الإحلال إذا قدِمَ في العشر رواية واحدة.
وقال القاضي في «خلافه»
(3)
: هذه الرواية تقتضي أن سَوْق الهدي لا يمنع التحلُّل عنده، وإنما استحبَّ له المقام على إحرامه إذا دخل في العشر؛ لأنه لا يطول تلبُّسُه بالإحرام، وإذا دخل قبل العشر طال تلبُّسُه، فلا يأمنُ مواقعةَ المحظور.
والطريقة المشهورة هي الصواب.
(1)
كما في «التعليقة» (1/ 311).
(2)
في النسختين: «ولا» . والواو كأنها مقحمة.
(3)
أي «التعليقة» (1/ 312).
ووجهُ ذلك
(1)
أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما قَدِموا في العشر، ومنعهم من الإحلال لأجل سَوْق الهدي، فثبت الحكم في مثل ذلك، ومن قَدِم قبل العشر لا يُشبِه ذلك؛ لأن المدة تطول، فيخاف أن يموت الهديُ أو يضِلّ أو يُسرق.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المضحِّي إذا دخل العشْرُ أن يأخذ من شَعره أو بَشَرِه
(2)
، فالمتمتع الذي معه الهدي أولى أن لا يأخذ من شَعره وبَشَرِه، وما قبل العشر ليس بوقتٍ لمنع المُضَحِّي، فجاز أن لا يكون وقتًا لمنع المُهْدِي.
ولأن العشر من أول أوقات النسك، وفيها تُضاعَف الأعمال الصالحة، ويُشرع
(3)
التكبير الذي هو شعار العيد، وهي الأيام المعلومات التي يُذكر الله فيها على ما رزق من بهيمة الأنعام، ولها خصائص كثيرة، فجاز أن يؤخّر النحرُ والحلُّ فيها إلى يوم النحر، بخلاف ما قبلها.
وعلى هذه الرواية يُنْحَر الهديُ قبل العشر، وعليه هديٌ آخر نصّ عليه؛ لأن دم المتعة لا يُنحَر إلا يوم النحر، وإنما فائدة النحر جواز إحلاله
(4)
من العمرة.
ومن أصحابنا من يحكي رواية: أنه يُجزئه ذلك عن هدي المتعة، وعلى
(1)
أي وجه الرواية الثالثة، لا الرواية الأولى التي صوَّبها المؤلف فيما يأتي، وردَّ ما يخالفها.
(2)
كما في حديث أم سلمة الذي أخرجه مسلم (1977).
(3)
في المطبوع: «وشرع» خلاف النسختين.
(4)
س: «حلاله» .
هذه الرواية
(1)
لو كان مفردًا أو قارنًا فهل ينحر الهدي قبل العشر؟ وهل له أن يتحلل؟
والرواية الأولى اختيار أصحابنا، لما ذكرنا من الأحاديث الصريحة بذلك.
وهم وإن قدِمُوا في العشر لكن النبي صلى الله عليه وسلم علَّل بعلةٍ عامة، فقال:
…
(2)
. ولأنه قال لأصحابه: «من كان منكم
(3)
أهدى فلا يحلّ من شيء حَرُم منه حتى يقضي حجَّه»، وهذا نهيٌ عن التحلُّل بالتقصير وغيره؛ فإنه نكرة في سياق النفي فكيف يجوز؟
وأمر الذين لم يسوقوا الهدي أن يتحللوا بالتقصير، فكيف يجوز أن يسوِّي بينهم في التقصير بعد إذنه فيه لمن لم يَسُقِ الهدي دون من ساق؟ وقال عن نفسه:«لا يحلُّ منّي حرامٌ حتى يبلغ الهدي محلَّه» . وهذا نص في اجتنابه كلَّ المحرمات من التقصير وغيره.
ثم هم إنما أنكروا أنه أمرهم بالتقصير ولم يقصِّر، فلو كان قد قصَّر زال هذا. ثم هو صلى الله عليه وسلم قد خطبهم بهذا وأمرهم به وهو على المروة والناس حوله، فلو كان قد قصَّر من شعر رأسه لم يخْفَ ذلك على أصحابه في مثل ذلك المشهد العظيم، وكيف يقصِّر ولم يأمر غيره ممن ساق الهدي بالتقصير؟
ومن تأمل أحاديث حجة الوداع وأحوالها كان كالجازم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم
(1)
في النسختين: «العمرة» . والتصحيح من هامشهما.
(2)
بياض في النسختين.
(3)
«منكم» ساقطة من المطبوع.
يحلَّ بشيء من الأشياء.
فأما حديث معاوية فحديث شاذٌّ، وقد طعن الناس فيه قديمًا وحديثًا كما أخبر قيس بن سعد
(1)
، فإنهم أنكروا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصّر.
ويُشبِه ــ والله أعلم ــ أن يكون أصله أن معاوية قصَّر من رأس النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة، فإنه في عمرة القضية لم يكن أسلم بعدُ.
والرواية الصحيحة المتصلة إنما فيها أنه قصَّر من رأس النبي صلى الله عليه وسلم على المروة بمِشْقَصٍ، وكانت عمرة الجعرانة ليلًا، فانفرد معاوية بعلم هذا.
أما حجة الوداع فكان وقوفه على المروة ضُحًى، والناس كلهم حوله، ومثل هذا لا يجوز أن ينفرد بروايته الواحدُ، وكانت الجعرانة في ذي القعدة.
وأما الرواية التي فيها: «أنه قصَّر من رأسه في العشر»
(2)
فرواية منقطعة؛ لأن عطاء لم يسمع من معاوية، ومراسيله ضعاف، ويُشبِه أن يكون الراوي لما سمع «عن معاوية أنه قصَّر من رأس النبي صلى الله عليه وسلم بمِشْقَصٍ» اعتقد أنه كان
(3)
في حجته، وقد عُلِم أن دخوله مكةَ كان في العشر، فحملَ هذا على هذا.
يوضِّح هذا أن ابن عباس احتجَّ على معاوية بروايته هذه في جواز العمرة في أشهر الحج، وهم قد كانوا يسمُّون كل معتمر في أشهر الحج متمتعًا، وإن لم يحج من عامه، ولهذا لما
(4)
سئل سعد عن المتعة قال: «فعلناها
(1)
«بن سعد» ساقطة من المطبوع.
(2)
سبق تخريجها قريبًا.
(3)
«كان» ساقطة من المطبوع.
(4)
«لما» ساقطة من المطبوع.
وهذا كان كافرًا بالعُرُش»
(1)
يعني معاوية، ومعاوية قد كان مسلمًا قبل حجة الوداع، وإنما أراد: فعلنا العمرةَ في أشهر الحج قبل أن يُسلِم معاوية، يعني عمرة القضية، فكيف ينهى عن العمرة في أشهر الحج؟!
فصل
فإن أراد المعتمر في أشهر الحج أن يرجع إلى مسافة القصر، فقياس المذهب أن يجوز له النحر والتحلل؛ لأنه قد أراد أن يخرج من حكم التمتع، فأشبه ما لو أراد أن يرجع من غير نية [ق 338] العود، أو أراد أن يقيم ولا يحج.
ومن كان من حاضري المسجد الحرام فتمتَّع وتطوَّع بهديٍ، فقال القاضي وابن عقيل: ينحره عقيب عمرته؛ لأنه لا هديَ عليه، فهو بمنزلة من اعتمر ولم يحج من عامه.
والصواب ....
(2)
.
فصل
وكما أنه ممنوع من التحلل فهو ممنوع من نَحْر الهدي الذي ساقه، سواء كان واجبًا أو تطوعًا إذا قدِمَ في العشر، وإن قدم قبله فعلى الروايتين، وسواء كان محرمًا بعمرة أو حجٍّ أو بهما؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ساقوا الهدي كان فيهم المفرد والقارن والمتمتع، وقد منع الجميع من النحر والإحلال.
(1)
أخرجه مسلم (1225).
(2)
بياض في النسختين.