الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الزكاة
الزّكاة في اللّغة النّماء، يقال: زكا الزّرع إذا نما، وترد أيضاً في المال، وترِد أيضاً بمعنى التّطهير.
وشرعاً بالاعتبارين معاً:
أمّا بالأوّل. فلأنّ إخراجها سببٌ للنّماء في المال، أو بمعنى أنّ الأجر بسببها يكثر، أو بمعنى أنّ متعلقها الأموال ذات النّماء كالتّجارة والزّراعة.
ودليل الأوّل " ما نقص مال من صدقة "(1) ولأنّها يضاعف ثوابها كما جاء " إنّ الله يربّي الصّدقة "(2).
وأمّا بالثّاني. فلأنّها طهرة للنّفس من رذيلة البخل، وتطهير من الذّنوب. وهي الرّكن الثّالث من الأركان التي بني الإسلام عليها.
وقال ابن العربيّ: تطلق الزّكاة على الصّدقة الواجبة والمندوبة والنّفقة والحقّ والعفو. وتعريفها في الشّرع. إعطاء جزء من النّصاب الحوليّ إلى فقير ونحوه غير هاشميّ ولا مطّلبيٍّ. ثمّ لها ركن وهو
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (6757) من حديث أبي هريرة مرفوعاً " ما نقصتْ صدقةٌ من مال ، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلَاّ عزاً ، وما تواضع أحدٌ لله إلَاّ رفعَه الله.
(2)
أخرجه البخاري (1410) ومسلم (2389) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تصدًّق بعدل تمرةٍ من كسب طيَّب - ولا يقبل الله إلَاّ الطيب - وإنَّ الله يتقبلها بيمينه، ثم يربّيها لصاحبه كما يربِّي أحدكم فلوَّه حتى تكون مثل الجبل.
الإخلاص، وشرط هو السّبب وهو ملك النّصاب الحوليّ، وشرط من تجب عليه وهو العقل والبلوغ والحرّيّة. ولها حِكمٌ ، وهو سقوط الواجب في الدّنيا وحصول الثّواب في الأخرى. وحكمةٌ ، وهي التّطهير من الأدناس ورفع الدّرجة واسترقاق الأحرار. انتهى.
وهو جيّد ، لكن في شرط من تجب عليه اختلاف. والزّكاة أمر مقطوع به في الشّرع يستغنى عن تكلّف الاحتجاج له، وإنّما وقع الاختلاف في فروعه. وأمّا أصل فرضيّة الزّكاة فمن جحدها كفر.
فائدة: اختلف في أول وقتِ فرْضِ الزكاة.
فذهب الأكثر. إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان. أشار إليه النووي (1) في باب السير من الروضة.
وجزم ابن الأثير في " التاريخ ": بأن ذلك كان في التاسعة.
وفيه نظر. ففي البخاري في حديث ضمام بن ثعلبة ، وفي حديث وفد عبد القيس ، وفي عدة أحاديث ذِكر الزكاة، وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل. وكانت في أول السابعة ، وقال فيهما " يأمرنا بالزكاة ". لكن يمكن تأويل كل ذلك. كما سيأتي في آخر الكلام.
وقوَّى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير. بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطوَّلة ففيها " لَمَّا أنزلت آية الصدقة بعث النبي صلى الله عليه وسلم عاملاً فقال: ما هذه إلَاّ جزية أو أخت الجزية ".
والجزية إنما وجبت في التاسعة فتكون الزكاة في التاسعة، لكنه
(1) يحيى بن شرف ، سبق ترجمته (1/ 22)
حديث ضعيف لا يحتج به. (1)
وادَّعى ابن خزيمة في " صحيحه " ، أنَّ فرضها كان قبل الهجرة.
واحتجَّ بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة. وفيها أنَّ جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن النبي صلى الله عليه وسلم: ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. انتهى.
وفي استدلاله بذلك نظرٌ، لأنَّ الصلوات الخمس لم تكن فُرضت بعد، ولا صيام رمضان.
فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مُدَّةٍ قد وقع فيها ما ذكر من قصة الصلاة والصيام، وبلغ ذلك جعفراً فقال: يأمرنا. بمعنى يأمر به أمته، وهو بعيد جداً.
وأولى ما حُمل عليه حديث أم سلمة هذا - إنْ سلم من قدح في إسناده - أنَّ المراد بقوله " يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام " أي: في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس ولا بالصيام صيام رمضان ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول. والله أعلم.
ومما يدلُّ على أنَّ فرض الزكاة كان قبل التاسعة حديث أنس في
(1) أخرجه الطبري في " تفسيره "(14/ 370) والبيهقي في " الشعب "(4187) والبغوي في " التفسير "(4/ 76) وغيرهم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مطولاً.
وهو في البخاري مختصراً. كما سيأتي.
قصة ضمام بن ثعلبة. وقوله " أنشدك الله. الله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا "(1). وكان قدوم ضمام سنة خمس. (2)
وإنما الذي وقع في التاسعة بعث العُمَّال لأخذ الصدقات، وذلك يستدعي تقدم فريضة الزكاة قبل ذلك.
ومما يدلُّ على أنَّ فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أنَّ صيام رمضان إنما فرض بعد الهجرة، لأنَّ الآية الدالة على فرضيته مدنية بلا خلاف.
وثبت عند أحمد وابن خزيمة أيضاً والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلتْ فريضة الزكاة فلم يأمرنا ، ولم ينهنا. ونحن نفعله.
إسناده صحيح ، ورجاله رجال الصحيح إلَاّ أبا عمار الراوي له عن قيس بن سعد ، وهو كوفي اسمه عريب - بالمهملة المفتوحة - ابن حميد. وقد وثقه أحمد وابن معين.
(1) أخرجه البخاري (61) من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك، يقول: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، دخل رجلٌ على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك. فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك .. الحديث.
(2)
كذا جزم الشارح في الزكاة بأنَّ قدومه سنة خمس. وسيأتي نقل كلام الشارح في ضعْف هذا القول من عدة أوجه. وأنه في السنة التاسعة. انظر أول كتاب الحج.
وهو دالٌّ على أنَّ فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان ، وذلك بعد الهجرة. وهو المطلوب.
ووقع في " تاريخ الإسلام ": في السنة الأولى فرضت الزكاة.
وقد أخرج البيهقي في " الدلائل " حديث أم سلمة المذكور من طريق " المغازي " لابن إسحاق من رواية يونس بن بكير عنه. وليس فيه ذكر الزكاة، وابن خزيمة أخرجه من حديث ابن إسحاق ، لكن من طريق سلمة بن الفضل عنه، وفي سلمة مقالٌ. والله أعلم.