الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني والعشرون
237 -
عن عمران بن حصينٍ ، قال: أُنزلت آية المُتعة في كتاب الله تعالى. ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولَم ينزل قرآنٌ يُحرّمها ، ولَم ينه عنها حتّى مات. قال رجلٌ برأيه ما شاء.
قال البخاريّ: يقال: إنّه عمر.
ولمسلمٍ: نزلت آية المتعة - يعني مُتعة الحجّ - وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثمّ لَم تنزل آيةٌ تنسخ آية مُتعة الحجّ ، ولَم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى مات (1) ولهما بمعناه. (2)
قوله: (عن عمران بن حصين) الخزاعيّ، ولمسلمٍ من طريق شعبة عن قتادة عن مطرّف: بعث إليّ عمران بن حصين في مرضه الذي توفّي فيه ، فقال: إنّي كنت محدّثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك .. فذكر الحديث.
قوله: (أنزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى) أي: بجوازه. يشير إلى قوله تعالى (فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ) الآية. ورواه مسلم من طريق عبد الصّمد بن عبد الوارث عن همّام عن قتادة بلفظ " ولَم ينزل فيه القرآن " أي: بمنعه.
وتوضّحه رواية مسلم الأخرى من طريق شعبة وسعيد بن أبي
(1) أخرجه البخاري (4246) ومسلم (1226) من طريق أبي بكر عمران بن مسلم عن أبي رجاء عن عمران بن حصين رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري (1496) ومسلم (1226) من طريق مطرف عن عمران نحوه. طوَّله مسلم واختصره البخاري. وسيذكر الشارح رحمه الله جلَّ رواياته.
عروبة كلاهما عن قتادة بلفظ " ثمّ لَم ينزل فيها كتاب الله ، ولَم ينه عنها نبيّ الله ". وزاد من طريق شعبة عن حميد بن هلال عن مطرّف " ولَم ينزل فيه القرآن بحرمةٍ " وله من طريق أبي العلاء عن مطرّف " فلم تنزل آية تنسخ ذلك ، ولَم تنه عنه حتّى مضى لوجهه ".
وللإسماعيليّ من طريق عفّان عن همّام " تمتّعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فيه القرآن ، ولَم ينهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولَم ينسخها شيء ".
وقد أخرجه البخاري من طريق أبي رجاء العطارديّ عن عمران بلفظ " أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولَم ينزل قرآن بحرمةٍ فلم ينه عنها حتّى مات، قال رجل برأيه ما شاء.
قوله: (قال رجلٌ برأيه ما شاء) في رواية أبي العلاء " ارتأى كلّ امرئٍ بعدما شاء أن يرتئي " قائل ذلك هو عمران بن حصين، ووهِم من زعم أنّه مطرّف الرّاوي عنه لثبوت ذلك في رواية أبي رجاء عن عمران كما ذكرته قبل.
قوله: (قال البخاريّ: يقال: إنّه عمر) حكى الحميديّ: أنّه وقع في البخاريّ في رواية أبي رجاء عن عمران ، قال البخاريّ: يقال إنّه عمر، أي: الرّجل الذي عناه عمران بن حصين.
ولَم أر هذا في شيء من الطّرق التي اتّصلت لنا من البخاريّ، لكن نقله الإسماعيليّ عن البخاريّ كذلك ، فهو عمدة الحميديّ في ذلك، وبهذا جزم القرطبيّ والنّوويّ وغيرهما.
وكأنّ البخاريّ أشار بذلك إلى رواية الجريريّ عن مطرّف ، فقال في
آخره: ارتأى رجلٌ برأيه ما شاء. يعني عمر، كذا في الأصل أخرجه مسلم عن محمّد بن حاتم عن وكيع عن الثّوريّ عنه.
وقال ابن التّين: يحتمل أن يريد عمر أو عثمان.
وأغرب الكرمانيّ فقال: ظاهر سياق كتاب البخاريّ أنّ المراد به عثمان، وكأنّه لقرب عهده بقصّة عثمان مع عليّ (1) جزم بذلك، وذلك غير لازم فقد سبقت قصّة عمر مع أبي موسى (2) في ذلك.
(1) قصّة علي وعثمان. أخرجها البخاري (1569) ومسلم (1223) سعيد بن المسيب، قال: اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلمَّا أن رأى عليٌ ذلك، أهلَّ بهما جميعاً. وأخرجاها من طرق أخرى.
فائدة:
قال الشارح في الفتح (3/ 425): تنبيه: ذكر ابن الحاجب حديث عثمان في التمتع دليلا لمسألة إتفاق أهل العصر الثاني بعد اختلاف أهل العصر الأول. فقال: وفي الصحيح أنَّ عثمان كان نهى عن المتعة. قال البغوي: ثم صار إجماعاً.
وتعقب: بأنَّ نهيَ عثمان عن المتعة. إن كان المراد به الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج فلم يستقر الإجماع عليه ، لأنَّ الحنفية يخالفون فيه ، وإن كان المراد به فسخ الحج إلى العمرة فكذلك ، لأنَّ الحنابلة يخالفون فيه ، ثم وراء ذلك أن رواية النسائي السابقة مشعرة بأن عثمان رجع عن النهي فلا يصح التمسك به ، ولفظ البغوي بعد أن ساق حديث عثمان في " شرح السنة " هذا خلاف علي ، وأكثر الصحابة على الجواز ، واتفقت عليه الأئمة بعد فحمله على أن عثمان نهى عن التمتع المعهود.
والظاهر أنَّ عثمان ما كان يبطله ، وإنما كان يرى أن الإفراد أفضل منه ، وإذا كان كذلك فلم تتفق الأئمة على ذلك فإن الخلاف في أي الأمور الثلاثة أفضل باق والله أعلم ، وفيه أن المجتهد لا يلزم مجتهداً آخر بتقليده لعدم إنكار عثمان على علي ذلك مع كون عثمان الإمام إذ ذاك. والله أعلم الحديث
(2)
قصة أبي موسى مع عمر. أخرجها البخاري (1724) ومواضع أخرى. ومسلم (1221) عن طارق بن شهاب عن أبي موسى، قال: قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: أحججت؟ فقلت: نعم، فقال: بِمَ أهللت؟ قال قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فقد أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة، وأحلَّ ، قال: فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من بني قيس فَفَلَتْ رأسي، ثم أهللت بالحج ، قال: فكنت أفتي به الناس، حتى كان في خلافة عمر رضي الله عنه، فقال له رجل: يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس، رويدك بعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقال: يا أيها الناس، مَن كنا أفتيناه فتيا فليتَّئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فائتموا، قال: فقدم عمر رضي الله عنه، فذكرت ذلك له، فقال: إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَم يحل حتى بلغ الهدي محله.
ووقعت لمعاوية أيضاً مع سعد بن أبي وقّاص في صحيح مسلم قصّة في ذلك.
والأولى أن يُفسّر بعمر ، فإنّه أوّل من نهى عنها ، وكأنّ من بعده كان تابعاً له في ذلك، وفي مسلم أيضاً ، أنّ ابن الزّبير كان ينهى عنها وابن عبّاس يأمر بها، فسألوا جابراً فأشار إلى أنّ أوّل من نهى عنها عمر.
ثمّ في حديث عمران هذا ما يعكّر على عياض وغيره في جزمهم أنّ المتعة التي نهى عنها عمر وعثمان هي فسخ الحجّ إلى العمرة لا العمرة التي يحجّ بعدها، فإنّ في بعض طرقه عند مسلم التّصريح بكونها متعة الحجّ، وفي رواية له أيضاً " أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمر بعض أهله في العشر " وفي رواية له " جمع بين حجٍّ وعمرة " ومراده التّمتّع المذكور. وهو الجمع بينهما في عام واحد كما في البخاري صريحاً في حديث ابن
عبّاس.
ولمسلمٍ من طريق إبراهيم بن أبي موسى الأشعريّ عن أبيه ، أنّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك .. الحديث.
وفي هذه الرّواية تبيين عمر العلة التي لأجلها كره التّمتّع ، وهي قوله: قد علمتُ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعله ، ولكن كرهت أن يظلّوا معرّسين بهنّ - أي بالنّساء - ثمّ يروحوا في الحجّ تقطر رءوسهم. انتهى.
وكان من رأي عمر عدم التّرفّه للحجّ بكل طريق، فكره لهم قرب عهدهم بالنّساء ، لئلا يستمرّ الميل إلى ذلك بخلاف من بعد عهده به، ومن يفطم ينفطم.
وقد أخرج مسلم من حديث جابر أنّ عمر قال: افصلوا حجّكم من عمرتكم فإنّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعمرتكم. وفي رواية " إنّ الله يحلّ لرسوله ما شاء، فأتمّوا الحجّ والعمرة كما أمركم الله ".
ومحصّل جواب عمر في منعه النّاس من التّحلّل بالعمرة. أنّ كتاب الله دالٌّ على منع التّحلّل لأمره بالإتمام فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحجّ، وأنّ سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً دالة على ذلك ، لأنّه لَم يحلّ حتّى بلغ الهدي محلّه.
لكنّ الجواب عن ذلك: ما أجاب به هو صلى الله عليه وسلم حيث قال: ولولا أنّ معي الهدي لأحللتُ. فدلَّ على جواز الإحلال لمن لَم يكن معه هدي، وتبيّن من مجموع ما جاء عن عمر في ذلك أنّه منع منه سدّاً للذّريعة.
وقال المازريّ: قيل: إنّ المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحجّ إلى
العمرة. وقيل: العمرة في أشهر الحجّ ثمّ الحجّ من عامه، وعلى الثّاني إنّما نهى عنها ترغيباً في الإفراد الذي هو أفضل لا أنّه يعتقد بطلانها وتحريمها.
وقال عياض: الظّاهر أنّه نهى عن الفسخ. ولهذا كان يضرب النّاس عليها كما رواه مسلم بناء على معتقده أنّ الفسخ كان خاصّاً بتلك السّنة.
قال النّوويّ: والمختار أنّه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ ، ثمّ الحجّ من عامه. وهو على التّنزيه للتّرغيب في الإفراد كما يظهر من كلامه، ثمّ انعقد الإجماع على جواز التّمتّع من غير كراهة ونفي الاختلاف في الأفضل، ويمكن أن يتمسّك من يقول بأنّه إنّما نهى عن الفسخ بقوله في الحديث الذي أشرنا إليه قريباً من مسلم " أنّ الله يحلّ لرسوله ما شاء " والله أعلم.
وفيه من الفوائد أيضاً
جواز نسخ القرآن بالقرآن ولا خلاف فيه، وجواز نسخه بالسّنّة وفيه اختلاف شهير، ووجه الدّلالة منه قوله " ولَم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإنّ مفهومه أنّه لو نهى عنها لامتنعت ، ويستلزم رفع الحكم ومقتضاه جواز النّسخ، وقد يؤخذ منه أنّ الإجماع لا ينسخ به لكونه حصر وجوه المنع في نزول آية أو نهي من النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
وفيه وقوع الاجتهاد في الأحكام بين الصّحابة، وإنكار بعض المجتهدين على بعض بالنّصِّ.