المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث التاسع 224 - عن عبد الله بن عبّاسٍ رضي الله - فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري - جـ ٤

[عبد السلام العامر]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الزكاة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب صدقة الفطر

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌كتاب الصيام

- ‌(باب

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌باب الصوم في السّفر وغيره

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌الحديث الخامس عشر

- ‌الحديث السادس عشر

- ‌الحديث السابع عشر

- ‌الحديث الثامن عشر

- ‌الحديث التاسع عشر

- ‌باب أفضل الصيام وغيره

- ‌الحديث العشرون

- ‌الحديث الواحد والعشرون

- ‌الحديث الثاني والعشرون

- ‌الحديث الثالث والعشرون

- ‌الحديث الرابع والعشرون

- ‌الحديث الخامس والعشرون

- ‌الحديث السادس والعشرون

- ‌الحديث السابع والعشرون

- ‌باب ليلة القدر

- ‌الحديث الثامن والعشرون

- ‌الحديث التاسع والعشرون

- ‌الحديث الثلاثون

- ‌باب الاعتكاف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌كتاب الحجّ

- ‌باب المواقيت

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب ما يلبس المُحرم من الثياب

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب الفدية

- ‌الحديث السابع

- ‌باب حرمة مكة

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌باب ما يجوز قتله

- ‌الحديث العاشر

- ‌باب دخول مكة وغيره

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌الحديث الخامس عشر

- ‌الحديث السادس عشر

- ‌الحديث السابع عشر

- ‌الحديث الثامن عشر

- ‌باب التّمتّع

- ‌الحديث التاسع عشر

- ‌الحديث العشرون

- ‌الحديث الواحد والعشرون

- ‌الحديث الثاني والعشرون

- ‌باب الهدي

- ‌الحديث الثالث والعشرون

- ‌الحديث الرابع والعشرون

- ‌الحديث الخامس والعشرون

- ‌الحديث السادس والعشرون

- ‌الحديث السابع والعشرون

- ‌باب الغسل للمحرم

- ‌الحديث الثامن والعشرون

- ‌باب فسخ الحجّ إلى العمرة

- ‌الحديث التاسع والعشرون

- ‌الحديث الثلاثون

- ‌الحديث الواحد والثلاثون

- ‌الحديث الثاني والثلاثون

- ‌الحديث الثالث والثلاثون

- ‌الحديث الرابع والثلاثون

- ‌الحديث الخامس والثلاثون

- ‌الحديث السادس والثلاثون

- ‌الحديث السابع والثلاثون

- ‌الحديث الثامن والثلاثون

- ‌الحديث التاسع والثلاثون

- ‌باب المُحرم يأكل من صيد الحلال

- ‌الحديث الأربعون

- ‌الحديث الواحد والأربعون

الفصل: ‌ ‌الحديث التاسع 224 - عن عبد الله بن عبّاسٍ رضي الله

‌الحديث التاسع

224 -

عن عبد الله بن عبّاسٍ رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكّة: لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهادٌ ونيّةٌ. وإذا استنفرتم فانفروا ، وقال يوم فتح مكّة: إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق الله السّموات والأرض. فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنّه لَم يحل القتال فيه لأحدٍ قبلي ، ولَم يحل لي إلَاّ ساعةً من نهارٍ فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعضد شوكُه ، ولا يُنفَّر صيُده ، ولا يُلتقطُ لقطته إلَاّ من عرّفها. ولا يُختلَى خلاها. فقال العبّاس: يا رسولَ الله ، إلَاّ الإذخر فإنّه لقينهم وبيوتهم. فقال: إلَاّ الإذخر (1).

قال المصنِّف: القين: الحداد.

قوله: (يوم فتح مكّة) هو ظرف للقول المذكور.

قوله: (لا هجرة بعد الفتح) أي: فتح مكّة أو المراد ما هو أعمّ من ذلك إشارة إلى أنّ حكم غير مكّة في ذلك حكمها فلا تجب الهجرة من بلدٍ قد فتحه المسلمون.

أمّا قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة:

الأوّل: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبةٌ.

(1) أخرجه البخاري (1510 ، 1737 ، 2631 ، 2612 ، 3017) ومسلم (1353) من طريق منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس. مطوّلاً ومختصراً.

وأخرجه البخاري (1284) ومواضع أخرى من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس نحوه.

ص: 438

الثّاني: قادر ، لكنّه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته. فمستحبّة لتكثير المسلمين بها ومعونتهم وجهاد الكفّار والأمن من غدرهم والرّاحة من رؤية المنكر بينهم.

الثّالث: عاجز يعذر من أسرٍ أو مرضٍ أو غيره. فتجوز له الإقامة فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر

قال الخطّابيّ وغيره: كانت الهجرة فرضاً في أوّل الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلمّا فتح الله مكّة دخل النّاس في دين الله أفواجاً فسقط فرض الهجرة إلى المدينة وبقي فرض الجهاد والنّيّة على من قام به أو نزل به عدوّ. انتهى.

وكانت الحكمة أيضاً في وجوب الهجرة على من أسلم ، ليسلم من أذى ذويه من الكفّار فإنّهم كانوا يعذّبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت (إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ، قالوا كنّا مستضعفين في الأرض، قالوا أَلَم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) الآية.

وهذه الهجرة باقية الحكم في حقّ من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها، وقد روى النّسائيّ من طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جدّه مرفوعاً: لا يقبل الله من مشرك عملاً بعدما أسلم أو يفارق المشركين.

ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعاً: أنا بريء من كلّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين. وهذا محمول على من لَم يأمن على دينه.

ص: 439

قوله: (ولكن جهاد ونيّة) المعنى أنّ وجوب الهجرة من مكّة انقطع بفتحها إذ صارت دار إسلام، ولكن بقي وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه، وفسّره بقوله:(فإذا استنفرتم فانفروا) أي: إذا دعيتم إلى الغزو فأجيبوا.

قال الطّيبيّ وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لِمَا قبله، والمعنى أنّ الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت إلَاّ أنّ المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نيّة صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم والفرار بالدّين من الفتن والنّيّة في جميع ذلك. انتهى

وتضمّن الحديث بشارة من النّبيّ صلى الله عليه وسلم بأنّ مكّة تستمرّ دار إسلام.

وللنّاس في الجهاد حالان:

إحداهما: في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، والأخرى: بعده.

فأمّا الأولى: فأوّل ما شُرع الجهاد بعد الهجرة النّبويّة إلى المدينة اتّفاقاً. ثمّ بعد أن شرّع هل كان فرض عين أو كفاية؟.

قولان مشهوران للعلماء. وهما في مذهب الشّافعيّ.

وقال الماورديّ: كان عيناً على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيّده وجوب الهجرة قبل الفتح في حقّ كلّ من أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام.

وقال السّهيليّ: كان عيناً على الأنصار دون غيرهم، ويؤيّده مبايعتهم للنّبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة على أن يئووا رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصروه،

ص: 440

فيخرج من قولهما أنّه كان عيناً على الطّائفتين كفاية في حقّ غيرهم، ومع ذلك فليس في حقّ الطّائفتين على التّعميم، بل في حقّ الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حقّ المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفّار ابتداء.

ويؤيّد هذا ما وقع في قصّة بدر فيما ذكره ابن إسحاق، فإنّه كالصّريح في ذلك.

وقيل: كان عيناً في الغزوة التي يخرج فيها النّبيّ صلى الله عليه وسلم دون غيرها، والتّحقيق: أنّه كان عيناً على من عيّنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حقّه. ولو لَم يخرج.

الحال الثّاني: بعده صلى الله عليه وسلم فهو فرض كفاية على المشهور إلَاّ أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدوّ ويتعيّن على من عيّنه الإمام، ويتأدّى فرض الكفاية بفعله في السّنة مرّة عند الجمهور.

ومن حجّتهم: أنّ الجزية تجب بدلاً عنه ، ولا تجب في السّنة أكثر من مرّة اتّفاقاً فليكن بدلها كذلك.

وقيل: يجب كلَّما أمكن. وهو قويّ.

والذي يظهر أنّه استمرّ على ما كان عليه في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد وانتشر الإسلام في أقطار الأرض ، ثمّ صار إلى ما تقدّم ذكره، والتّحقيق أيضاً أنّ جنس جهاد الكفّار متعيّن على كلّ مسلم ، إمّا بيده وإمّا بلسانه وإمّا بماله وإمّا بقلبه. والله أعلم.

قوله: (وإذا استنفرتم فانفروا) قال النّوويّ: يريد أنّ الخبر الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنّيّة الصّالحة، وإذا

ص: 441

أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصّالحة فاخرجوا إليه.

وقال الطّيبيّ: قوله " ولكن جهاد " معطوف على محلّ مدخول " لا هجرة " أي: الهجرة من الوطن إمّا للفرار من الكفّار أو إلى الجهاد أو إلى غير ذلك كطلب العلم، فانقطعت الأولى وبقي الأخريان فاغتنموهما ولا تقاعدوا عنهما، بل إذا استنفرتم فانفروا.

قلت: وليس الأمر في انقطاع الهجرة من الفرار من الكفّار على ما قال، وقد تقدّم تحرير ذلك.

وقال ابن العربيّ: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، كانت فرضاً في عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، واستمرّت بعده لمن خاف على نفسه، والتي انقطعت أصلاً هي القصد إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم حيث كان.

وفي الحديث بشارة بأنّ مكّة تبقى دار إسلام أبداً. وفيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عيّنه الإمام، وأنّ الأعمال تعتبر بالنّيّات.

تكملة: قال ابن أبي جمرة ما محصّله: إنّ هذا الحديث يمكن تنزيله على أحوال السّالك ، لأنّه أوّلاً يؤمر بهجرةٍ مألوفه حتّى يحصل له الفتح، فإذا لَم يحصل له أمر بالجهاد وهو مجاهدة النّفس والشّيطان مع النّيّة الصّالحة في ذلك.

قوله: (إنّ هذا بلد حرّمه الله) وللبخاري " وإذا استنفرتم فانفروا ، فإن هذا بلد .. " الفاء جواب بشرطٍ محذوف تقديره: إذا علمتم

ص: 442

ذلك فاعلموا أنّ هذا بلد حرام، وكأنّ وجه المناسبة أنّه لَمّا كان نصب القتال عليه حراماً كان التّنفير يقع منه لا إليه.

ولَمَّا روى مسلم هذا الحديث عن إسحاق عن جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس. فَصَلَ الكلام الأوّل من الثّاني بقوله: وقال يوم الفتح: إنّ الله حرّم .. إلخ " فجعله حديثاً آخر مستقلاً، وهو مقتضى صنيع من اقتصر على الكلام الأوّل كعليّ بن المدينيّ عن جرير. كما في البخاري.

قوله: (حرّمه الله) سبق مشروحاً في حديث أبي شُريح، ووقع في رواية غير الكشميهنيّ " حرّم الله " بحذف الهاء.

قوله: (وهو حرام بحرمة الله) أي بتحريمه، وقيل: الحرمة الحقّ. أي: حرام بالحقّ المانع من تحليله.

واستدلَّ به على تحريم القتل والقتال بالحرم.

فأمّا القتل: فنقل بعضهم الاتّفاق على جواز إقامة حدّ القتل فيها على من أوقعه فيها، وخصّ الخلاف بمن قتل في الحلّ ثمّ لجأ إلى الحرم، وممّن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزيّ.

واحتجّ بعضهم: بقتل ابن خطل بها، ولا حجّة فيه ، لأنّ ذلك كان في الوقت الذي أحلت فيه للنّبيّ صلى الله عليه وسلم كما تقدّم.

وزعم ابن حزم: أنّ مقتضى قول ابن عمر وابن عبّاس وغيرهما أنّه لا يجوز القتل فيها مطلقاً، ونقل التّفصيل عن مجاهد وعطاء.

وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم حتّى يخرج إلى الحلّ باختياره،

ص: 443

لكن لا يجالس ولا يكلم، ويوعظ ويذكّر حتّى يخرج.

وقال أبو يوسف: يخرج مضطرّاً إلى الحلّ، وفعله ابن الزّبير.

وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوسٍ عن ابن عبّاس " من أصاب حدّاً ، ثمّ دخل الحرم ، لَم يُجالس ، ولَم يُبايع "

وعن مالك والشّافعيّ: يجوز إقامة الحدّ مطلقاً فيها، لأنّ العاصي هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن.

وأمّا القتال: فقال الماورديّ: من خصائص مكّة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل. فإن أمكن ردّهم بغير قتال لَم يجز، وإن لَم يمكن إلَاّ بالقتال:

القول الأول: قال الجمهور: يقاتلون ، لأنّ قتال البغاة من حقوق الله تعالى فلا يجوز إضاعتها.

القول الثاني: قال آخرون: لا يجوز قتالهم بل يضيّق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطّاعة.

قال النّوويّ: والأوّل نصّ عليه الشّافعيّ، وأجاب أصحابه عن الحديث: بحمله على تحريم نصب القتال بما يعمّ أذاه كالمنجنيق، بخلاف ما لو تحصّن الكفّار في بلد فإنّه يجوز قتالهم على كلّ وجه.

وعن الشّافعيّ قول آخر بالتّحريم. اختاره القفّال وجزم به في " شرح التّلخيص " ، وقال به جماعة من علماء الشّافعيّة والمالكيّة.

قال الطّبريّ: من أتى حدّاً في الحلّ واستجار بالحرم فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن ينصب عليه الحرب بل يحاصره

ص: 444

ويضيّق عليه حتّى يذعن للطّاعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: وإنّما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. فعلم أنّها لا تحلّ لأحدٍ بعده بالمعنى الذي حلت له به وهو محاربة أهلها والقتل فيها. ومال ابن العربيّ إلى هذا.

وقال ابن المنير: قد أكّد النّبيّ التّحريم بقوله " حرّمه الله " ثمّ قال " فهو حرام بحرمة الله " ثمّ قال " ولَم تحلّ لي إلَاّ ساعة من نهار " وكان إذا أراد التّأكيد ذكر الشّيء ثلاثاً. قال: فهذا نصّ لا يحتمل التّأويل.

وقال القرطبيّ: ظاهر الحديث يقتضي تخصيصه صلى الله عليه وسلم بالقتال لاعتذاره عمّا أبيح له من ذلك مع أنّ أهل مكّة كانوا إذ ذاك مستحقّين للقتال والقتل لصدّهم عن المسجد الحرام وإخراجهم أهله منه وكفرهم، وهذا الذي فهمه أبو شُريح كما تقدّم، وقال به غير واحد من أهل العلم.

وقال ابن دقيق العيد: يتأكّد القول بالتّحريم بأنّ الحديث دالٌّ على أنّ المأذون للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فيه لَم يؤذن لغيره فيه، والذي وقع له إنّما هو مطلق القتال لا القتال الخاصّ بما يعمّ كالمنجنيق فكيف يسوغ التّأويل المذكور؟ وأيضاً فسياق الحديث يدلّ على أنّ التّحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدّماء فيها، وذلك لا يختصّ بما يستأصل.

واستدل به على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم.

قال القرطبيّ: معنى قوله " حرّمه الله ". أي: يحرم على غير المُحرم

ص: 445

دخوله حتّى يحرم، ويجري هذا مجرى قوله تعالى (حرّمت عليكم أمّهاتكم) أي: وطؤهنّ، و (حرّمت عليكم الميّتة) أي: أكلها، فعرف الاستعمال يدلّ على تعيين المحذوف.

قال: وقد دلَّ على صحّة هذا المعنى اعتذاره عن دخوله مكّة غير محرم مقاتلاً بقوله " لَم تحلّ لي إلَاّ ساعة من نهار " الحديث. قال: وبهذا أخذ مالك والشّافعيّ في أحد قوليهما ومن تبعهما في ذلك ، فقالوا: لا يجوز لأحدٍ أن يدخل مكّة إلَاّ محرماً، إلَاّ إذا كان ممّن يكثر التّكرار.

قلت: وتقدّم القول في ذلك (1).

قوله: (وإنّه لَم يَحلّ القتال) الهاء في " أنّه " ضمير الشّأن، وللبخاري " لا يحل " وهي أشبه لقوله قبلي. وللبخاري من طريق خالد الطحان عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ " فلم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي " ومثله لأحمد من طريق وهيب عن خالد.

قال ابن بطّال: المراد بقوله " ولا تحلّ لأحدٍ بعدي " الإخبار عن الحكم في ذلك لا الإخبار بما سيقع لوقوع خلاف ذلك في الشّاهد كما وقع من الحجّاج وغيره. انتهى

ومحصّله أنّه خبر بمعنى النّهي، بخلاف قوله " فلم تحلّ لأحدٍ قبلي

(1) انظر حديث ابن عبَّاس برقم (216) ، وسيأتي أيضاً إن شاء الله في حديث أنس رقم (226)

ص: 446

" فإنّه خبر محض، أو معنى قوله " ولا تحلّ لأحدٍ بعدي " أي: لا يحلّها الله بعدي، لأنّ النّسخ ينقطع بعده لكونه خاتم النّبيّين.

قوله: (لا يعضد شوكه) تقدّم البحث فيه في حديث أبي شُريح.

قوله: (ولا ينفّر صيده) بضمّ أوّله وتشديد الفاء المفتوحة.

قيل: هو كناية عن الاصطياد.

وقيل: هو على ظاهره ، فأخرج البخاري عن خالد عن عكرمة، قال: هل تدري ما لا ينفر صيدها؟ هو أن ينحيه من الظل ينزل مكانه. قيل: نبّه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف وسائر أنواع الأذى. تنبيهاً بالأدنى على الأعلى.

وقد خالف عكرمةَ عطاءٌ ومجاهدٌ ، فقالا: لا بأس بطرده ما لَم يفض إلى قتله. أخرجه ابن أبي شيبة.

وروى ابن أبي شيبة أيضاً من طريق الحكم عن شيخٍ من أهل مكّة ، أنّ حَمَامَاً كان على البيت فذَرَقَ على يد عمر، فأشار عمر بيده فطار فوقع على بعض بيوت مكّة، فجاءت حيّة فأكلته، فحكم عمرُ على نفسه بشاةٍ. وروي من طريق أخرى عن عثمان نحوه.

قال النّوويّ: يحرم التّنفير - وهو الإزعاج - عن موضعه، فإن نفّره عصى سواء تلف أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن وإلا فلا. قال العلماء: يستفاد من النّهي عن التّنفير تحريم الإتلاف بالأولى.

قوله: (ولا يُلتقط لُقطته إلَاّ من عرّفها) وللبخاري " ولا تحلّ

ص: 447

لقطتها إلَاّ لمنشد " وفي رواية لهما عن أبي هريرة " ولا تحلّ ساقتها إلَاّ لمنشد " أي: معرّفٍ. وأمّا الطّالب فيقال له النّاشد، تقول: نشدت الضّالة إذا طلبتها وأنشدتها إذا عرّفتها.

وأصل الإنشاد والنّشيد رفع الصّوت، والمعنى لا تحلّ لقطتها إلَاّ لمن يريد أن يعرّفها فقط، فأمّا من أراد أن يعرّفها ثمّ يتملكها فلا.

واستدل بحديثي ابن عبّاس وأبي هريرة (1) ، على أنّ لقطة مكّة لا تلتقط للتّمليك بل للتّعريف خاصّةً ، وهو قول الجمهور.

وإنّما اختصّت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربّها، لأنّها إن كانت للمكّيّ فظاهر، وإن كانت للآفاقيّ فلا يخلو أفق غالباً من واردٍ إليها، فإذا عرّفها واجدها في كل عامٍ سهل التّوصّل إلى معرفة صاحبها، قاله ابن بطّال.

وقال أكثر المالكيّة وبعض الشّافعيّة: هي كغيرها من البلاد، وإنّما تختصّ مكّة بالمبالغة في التّعريف ، لأنّ الحاجّ يرجع إلى بلده وقد لا يعود ، فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التّعريف.

واحتجّ ابن المنير لمذهبه بظاهر الاستثناء، لأنّه نفى الحل واستثنى المنشد فدلَّ على أنّ الحل ثابت للمنشد لأنّ الاستثناء من النّفي إثبات، قال: ويلزم على هذا أنّ مكّة وغيرها سواء، والقياس يقتضي تخصيصها.

والجواب: أنّ التّخصيص إذا وافق الغالب لَم يكن له مفهوم،

(1) حديث أبي هريرة سيأتي إن شاء الله مطوّلاً في القصاص. رقم (345)

ص: 448

والغالب أنّ لقطة مكّة ييأس ملتقطها من صاحبها، وصاحبها من وجدانها لتفرّق الخلق إلى الآفاق البعيدة، فربّما داخل الملتقط الطّمع في تملّكها من أوّل وهلةٍ فلا يعرّفها ، فنهى الشّارع عن ذلك وأمر أن لا يأخذها إلَاّ من عرّفها، وفارقت في ذلك لقطة العسكر ببلاد الحرب بعد تفرّقهم فإنّها لا تعرّف في غيرهم باتّفاق، بخلاف لقطة مكّة فيشرع تعريفها لإمكان عود أهل أفق صاحب اللّقطة إلى مكّة فيحصل متوصّل إلى معرفة صاحبها.

وقال إسحاق بن راهويه: قوله: " إلَاّ لمنشد " أي: لمن سمع ناشداً يقول: مَن رأى لي كذا؟ فحينئذ يجوز لواجد اللّقطة أن يعرّفها ليردّها على صاحبها. وهو أضيق من قول الجمهور ، لأنّه قيّده بحالةٍ للمعرّف دون حالة.

وقيل: المراد بالمنشد الطّالب. حكاه أبو عبيد ، وتعقّبه: بأنّه لا يجوز في اللّغة تسمية الطّالب منشداً.

قلت: ويكفي في ردّ ذلك قوله في حديث ابن عبّاس " لا يلتقط لقطتها إلَاّ معرّف " والحديث يفسّر بعضه بعضاً، وكأنّ هذا هو النّكتة في تصدير البخاريّ الباب بحديث ابن عبّاس.

وأمّا اللّغة فقد أثبت الحربيُّ جوازَ تسمية الطّالب منشداً، وحكاه عياض أيضاً.

واستُدل به على أنّ لقطة عرَفَة والمدينة النّبويّة كسائر البلاد لاختصاص مكّة بذلك.

ص: 449

وحكى الماورديّ في " الحاوي " وجهاً في عرفة ، أنّها تلتحق بحكم مكّة ، لأنّها تجمع الحاجّ كمكّة ولَم يرجّح شيئاً.

وليس الوجه المذكور في " الرّوضة " ولا أصلها.

واستُدل به على جواز تعريف الضّالة في المسجد الحرام بخلاف غيره من المساجد، وهو أصحّ الوجهين عند الشّافعيّة. والله أعلم.

قوله: (ولا يُختلى خلاها) بالخاء المعجمة، والخلا مقصور، وذكر ابن التّين ، أنّه وقع في رواية القابسيّ بالمدّ وهو الرّطب من النّبات ، واختلاؤه قطعه واحتشاشه.

واستدل به.

وهو القول الأول: على تحريم رعيه لكونه أشدّ من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيّون واختاره الطّبريّ.

القول الثاني: قال الشّافعيّ: لا بأس بالرّعي لمصلحة البهائم وهو عمل النّاس، بخلاف الاحتشاش فإنّه المنهيّ عنه فلا يتعدّى ذلك إلى غيره.

وفي تخصيص التّحريم بالرّطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه، وهو أصحّ الوجهين للشّافعيّة ، لأنّ النّبت اليابس كالصّيد الميّت.

قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدلّ عليه أنّ في بعض طرق حديث أبى هريرة " ولا

ص: 450

يحتشّ حشيشها " (1).

قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته النّاس في الحرم من بقل وزرع ومشموم. فلا بأس برعيه واختلائه.

قوله: (فقال العبّاس) أي: ابن عبد المطّلب كما وقع مبيّناً في البخاري من وجه آخر.

قوله: (إلَاّ الإذخر) يجوز فيه الرّفع والنّصب، أمّا الرّفع فعلى البدل ممّا قبله، وأمّا النّصب فلكونه استثناء واقعاً بعد النّفي.

وقال ابن مالك: المختار النّصب لكون الاستثناء وقع متراخياً عن المستثنى منه فبعدت المشاكلة بالبدليّة، ولكون الاستثناء أيضاً عرض في آخر الكلام ولَم يكن مقصوداً.

والإذخر: نبت معروف عند أهل مكّة طيّب الرّيح له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السّهل والحزن، وبالمغرب صنف منه. فيما قاله ابن البيطار، قال: والذي بمكّة أجوده، وأهل مكّة يسقفون به البيوت بين الخشب ، ويسدّون به الخلل بين اللبنات في القبور ، ويستعملونه بدلاً من الحلفاء في الوقود، ولهذا قال العبّاس " فإنّه لقينهم " وهو بفتح القاف وسكون التّحتانيّة بعدها نون. أي الحدّاد.

(1) أخرج هذه الرواية. ابنُ أبي خيثمة في " التاريخ الكبير " له (1/ 141) من طريق حماد بن سلمة ، وأبو أحمد الحاكم في " فوائده "(رقم 28) من طريق عبد العزيز الدراوردي كلاهما عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به .. وإسناده جيَّد.

لكن رواه ابن أبي شيبة في " المصنَّف "(36900) عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب مرسلاً. ضمن حديث طويل.

ص: 451

وقال الطّبريّ: القين عند العرب كلّ ذي صناعة يعالجها بنفسه، ووقع في رواية البخاري " فإنّه لا بدّ منه للقين والبيوت ".

قال ابن دريدٍ: أصل القين الحدّاد ثمّ صار كلّ صائغٍ عند العرب قيناً.

وقال الزّجّاج: القين الذي يصلح الأسنّة، والقين أيضاً الحدّاد. وقال الخليل: التّقيين التّزيين، ومنه سُمِّيت المغنّية قينةً ، لأنّ من شأنها الزّينة.

وفي رواية للبخاري أيضاً " فإنّه لصاغتنا وقبورنا " ووقع في مرسل مجاهد عند عمر بن شبّة الجمع بين الثّلاثة، ووقع عنده أيضاً " فقال العبّاس: يا رسولَ الله، إنّ أهل مكّة لا صبر لهم عن الإذخر لقينهم وبيوتهم " وهذا يدلّ على أنّ الاستثناء في حديث الباب لَم يرد به أن يستثني هو. وإنّما أراد به أن يلقّنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم الاستثناء.

وقوله صلى الله عليه وسلم في جوابه " إلَاّ الإذخر " هو استثناء بعض من كلّ لدخول الإذخر في عموم ما يختلى.

واستدل به على جواز النّسخ قبل الفعل ، وليس بواضحٍ.

وعلى جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومذهب الجمهور اشتراط الاتّصال إمّا لفظاً. وإمّا حكماً لجواز الفصل بالتّنفّس مثلاً.

وقد اشتهر عن ابن عبّاس الجواز مطلقاً، ويمكن أن يحتجّ له بظاهر هذه القصّة.

وأجابوا عن ذلك: بأنّ هذا الاستثناء في حكم المتّصل لاحتمال أن

ص: 452

يكون صلى الله عليه وسلم أراد أن يقول إلَاّ الإذخر فشغله العبّاس بكلامه فوصل كلامه بكلام نفسه ، فقال: إلَاّ الإذخر.

وقد قال ابن مالك: يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء متّصلاً بالمستثنى منه.

واختلفوا هل كان قوله صلى الله عليه وسلم " إلَاّ الإذخر " باجتهادٍ أو وحي؟.

قيل: كأن الله فوّض له الحكم في هذه المسألة مطلقاً.

وقيل: أوحى إليه قبل ذلك أنّه إن طلب أحدٌ استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله.

وقال الطّبريّ: ساغ للعبّاس أن يستثني الإذخر ، لأنّه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكّة تحريم القتال دون ما ذكر من تحريم الاختلاء ، فإنّه من تحريم الرّسول صلى الله عليه وسلم باجتهاده. فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر، وهذا مبنيّ على أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم كان له أن يجتهد في الأحكام.

وليس ما قاله بلازمٍ ، بل في تقريره صلى الله عليه وسلم للعبّاس على ذلك. دليل على جواز تخصيص العامّ.

وحكى ابن بطّال عن المُهلَّب: أنّ الاستثناء هنا للضّرورة كتحليل أكل الميتة عند الضّرورة، وقد بيّن العبّاس ذلك. بأنّ الإذخر لا غنى لأهل مكّة عنه.

وتعقّبه ابن المنير: بأنّ الذي يباح للضّرورة يشترط حصولها فيه، فلو كان الإذخر مثل الميتة لامتنع استعماله إلَاّ فيمن تحقّقت ضرورته

ص: 453

إليه، والإجماع على أنّه مباح مطلقاً بغير قيد الضّرورة. انتهى.

ويحتمل: أن يكون مراد المُهلَّب بأنّ أصل إباحته كانت للضّرورة وسببها، لا أنّه يريد أنّه مقيّد بها.

قال ابن المنير: والحقّ أنّ سؤال العبّاس كان على معنى الضّراعة، وترخيص النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان تبليغاً عن الله إمّا بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادّعى أنّ نزول الوحي يحتاج إلى أمد متّسع فقد وهم.

وفي الحديث بيان خصوصيّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم بما ذكر في الحديث، وجواز مراجعة العالم في المصالح الشّرعيّة، والمبادرة إلى ذلك في المَجَامع والمشاهد، وعظيم منزلة العبّاس عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنايته بأمر مكّة لكونه كان بها أصله ومنشؤه.

وفيه رفع وجوب الهجرة عن مكّة إلى المدينة، وإبقاء حكمها من بلاد الكفر إلى يوم القيامة، وأنّ الجهاد يشترط أن يقصد به الإخلاص ووجوب النّفير مع الأئمّة.

تكميل: في رواية للبخاري " لصاغتنا وقبورنا " بوّب عليه في البيوع " باب ما قيل في الصوّاغ " بفتح أوّله على الإفراد وبضمّه على الجمع ، يقال صائغٌ وصوّاغٌ بالتّحتانيّة. وأصله عمل الصّياغة.

قال ابن المنيّر: فائدة التّرجمة لهذه الصّياغة وما بعدها التّنبيه على أنّ ذلك كان في زمنه صلى الله عليه وسلم وأقرّه مع العلم به ، فيكون كالنّصّ على جوازه ، وما عداه يؤخذ بالقياس.

وللبخاري عن عليٍ قال: واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع.

ص: 454

وهم رهطٌ من اليهود، فيؤخذ منه جواز معاملة الصّائغ ولو كان غير مسلم، ويؤخذ منه أنّه لا يلزم من دخول الفساد في صنعةٍ أن تترك معاملة صاحبها ولو تعاطاها أراذل النّاس مثلاً.

ولعل البخاري أشار إلى حديث " أكذب النّاس الصّبّاغون والصّوّاغون " وهو حديثٌ مضطرب الإسناد أخرجه أحمد وغيره.

ص: 455