الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الحجّ
أصل الحجّ في اللّغة القصد، وقال الخليل: كثرة القصد إلى معظّم.
وفي الشّرع القصد إلى البيت الحرام بأعمالٍ مخصوصة.
وهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان، نقل الطّبريّ ، أنّ الكسر لغة أهل نجد والفتح لغيرهم، ونقل عن حسين الجعفيّ ، أنّ الفتح الاسم والكسر المصدر، وعن غيره عكسه.
ووجوب الحجّ معلوم من الدّين بالضّرورة.
وأجمعوا على أنّه لا يتكرّر إلَاّ لعارضٍ كالنّذر.
واختلف هل هو على الفور أو التّراخي؟ وهو مشهور.
وفي وقت ابتداء فرضه.
فقيل: قبل الهجرة وهو شاذٌّ، وقيل: بعدها.
ثمّ اختلف في سَنتِه.
والجمهور. على أنّها سنة ستٍّ ، لأنّها نزل فيها قوله تعالى (وأتمّوا الحجّ والعمرة لله) وهذا ينبني على أنّ المراد بالإتمام ابتداء الفرض.
ويؤيّده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النّخعيّ بلفظ " وأقيموا " أخرجه الطّبريّ بأسانيد صحيحة عنهم.
وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشّروع، وهذا يقتضي تقدُّم فرضه قبل ذلك. وقد وقع في قصّة ضمام (1) ذِكر الأمر بالحجّ، وكان
(1) قصته أخرجها البخاري في " صحيحه "(61) من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك، يقول: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= دخل رجلٌ على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك. فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك. فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك؟ فقال: سل عما بدا لك ، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي .. فسأله عن الصلاة والصوم والزكاة.
قال الشارح في " الفتح "(1/ 201): (تنبيه): لم يذكر الحج في رواية شريك هذه، وقد ذكره مسلم وغيره فقال " وإنَّ علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا؟ قال: صدق " وأخرجه مسلم أيضاً ، وهو في حديث أبي هريرة وابن عباس أيضاً.
وأغرب ابن التين فقال: إنما لم يذكره لأنه لم يكن فرض. وكأنَّ الحامل له على ذلك ما جزم به الواقدي ومحمد بن حبيب ، أنَّ قدوم ضمام كان سنة خمس فيكون قبل فرض الحج، لكنه غلط من أوجه.
أحدها: أن في رواية مسلم ، أنَّ قدومه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال الرسول، وآية النهي في المائدة ونزولها متأخر جداً.
ثانيها: أنَّ إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه بعد فتح مكة.
ثالثها: أنَّ في القصة أنَّ قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة.
رابعها: في حديث ابن عباس ، أنَّ قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد - وهو ابن بكر بن هوازن - في الإسلام إلَاّ بعد وقعة حنين. وكانت في شوال سنة ثمان.
فالصواب أنَّ قدوم ضمام كان في سنة تسع. وبه جزم ابن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما.
وغفل البدر الزركشي فقال: إنما لم يذكر الحج لأَنَّه كان معلوماً عندهم في شريعة إبراهيم انتهى. وكأنه لم يراجع صحيح مسلم فضلاً عن غيره. انتهى كلام الشارح.
قلت: لعلَّ الزركشي يرى المغايرة بين روايتي البخاري ومسلم ، وأنهما قصتان. لتغاير السياق واختلاف السند.
فالحديث في صحيح مسلم (12) من رواية ثابت عن أنس بن مالك، قال: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله، ونحن نسمع، فجاء رجلٌ من أهل البادية، فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أنَّ علينا خمس صلوات. فذكر الأركان ، ثم قال: ثم ولى، قال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لئن صدق ليدخلنَّ الجنة. والله تعالى أعلم.
قدومه على ما ذكر الواقديّ سنة خمس، وهذا يدلّ - إن ثبت - على تقدّمه على سنة خمس أو وقوعه فيها.
وأمّا فضله فمشهور ، ولا سيّما في الوعيد على تركه في الآية. (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حِجُّ الْبَيْت مَنْ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ)
تقسيم: النّاس قسمان، من يجب عليه الحجّ ، ومن لا يجب، الثّاني العبد وغير المكلف وغير المستطيع.
ومن لا يجب عليه. إمّا أن يجزئه المأتيّ به أو لا، الثّاني. العبد وغير المكلف. والمستطيع إمّا أن تصحّ مباشرته منه أو لا، الثّاني غير المميّز. ومن لا تصحّ مباشرته. إمّا أن يباشر عنه غيره أو لا، الثّاني الكافر. فتبيّن أنّه لا يشترط لصحّة الحجّ إلَاّ الإسلام.