الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثامن عشر
199 -
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال. قالوا: إنّك تواصل ، قال: إنّي لست كهيئتكم ، إنّي أُطعم وأُسقى. (1)
ورواه أبو هريرة وعائشة وأنس بن مالك رضي الله عنهم. (2)
الحديث التاسع عشر
200 -
ولمسلم (3) عن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه: فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السّحر.
قوله: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال) وفي البخاري من طريق جويرية عن نافع ذكر السّبب. ولفظه " أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم واصل فواصل النّاس، فشقّ عليهم، فنهاهم " وكذا رواه أبو قرّة عن موسى بن عقبة عن نافع.
وأخرجه مسلم من طريق ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع مثله ، وزاد " في رمضان " لكن لَم يقل فشقّ عليهم.
(1) أخرجه البخاري (1822 ، 1861) ومسلم (1102) من طرق عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه به.
(2)
سيأتي إن شاء الله تخريج أحاديثهم ضمن كلام الشارح عنها.
(3)
وهِم المصنف رحمه الله في عزوه لمسلم. وإنما هو من أفراد البخاري (1962 - 1967) وزاد " قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: لست كهيئتكم. إني أبيت لي مُطعمٌ يُطعمني، وساق يَسقين.
وللشيخين عن عائشة " نهى عن الوصال رحمة لهم "، وللبخاري عن شعبة عن قتادة عن أنس " لا تواصلوا. قالوا: إنك تواصل ، قال: لست كأحدٍ منكم .. الحديث ". ولابن خزيمة من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم عن شعبة " إياكم والوصال ".
قوله: (قالوا: يا رسولَ الله إنك تواصل) كذا في أكثر الأحاديث، وفي رواية أبي هريرة عند البخاري " فقال رجلٌ من المسلمين " ، وكأنّ القائل واحدٌ ونسب القول إلى الجميع لرضاهم به.
ولَم أقف على تسمية القائل في شيءٍ من الطّرق.
قوله: (إني لست كهيئتكم) في رواية لهما " لست مثلكم " وفي حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عند مسلم " لستم في ذلك مثلي " ونحوه في مرسل الحسن عند سعيد بن منصور.
وفي حديث أبي هريرة في البخاري " وأيّكم مثلي " وهذا الاستفهام يفيد التّوبيخ المشعر بالاستبعاد، وقوله " مثلي " أي: على صفتي أو منزلتي من ربّي.
قوله: (إني أطعم وأسقى) في رواية جويريّة المذكورة " إنّي أظلّ أطعم وأسقى ". وللبخاري من طريق شعبة عن قتادة عن أنس " إنّي أطعم وأسقى، أو إنّي أبيت أطعم وأسقى " هذا الشّكّ من شعبة، وقد رواه أحمد عن بهزٍ عنه بلفظ " إنى أظلّ - أو قال - إنّي أبيت " وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ " إنّ ربّي يطعمني ويسقيني " أخرجه التّرمذيّ.
وللبخاري عن أبي هريرة " إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " كذا في الطريقين عن أبي هريرة. (1)
وقد رواه ثابتٌ عن أنس كما في الصحيحين " إنّي أظلّ يطعمني ربّى ويسقيني " وبيَّن في روايته سبب الحديث. وهو أنه صلى الله عليه وسلم واصَلَ في آخر الشهر فواصل ناسٌ من أصحابه فبلغه ذلك (2).
وهي محمولةٌ على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ ، لأنّ المتحدّث عنه هو الإمساك ليلاً لا نهاراً.
وأكثر الرّوايات إنّما هي " أبيت " وكأنّ بعض الرّواة عبّر عنها بأظلّ نظراً إلى اشتراكهما في مطلق الكون، يقولون كثيراً: أضحى فلان كذا مثلاً. ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضّحى، ومنه قوله تعالى (وإذا بشّر أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهه مسودّاً) فإنّ المراد به مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهارٍ دون ليلٍ.
وقد رواه أحمد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة كلّهم عن أبي
(1) أخرجه البخاري (1864) ومسلم أيضاً (1103) من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقال رجلٌ من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني. فلمَّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال ، واصل بهم يوماً، ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخَّر الهلال لزدتكم. كالمنكِّل لهم حين أبوا أن ينتهوا.
ثم رواه البخاري (1865) من طريق معمر عن همام عن أبي هريرة مختصراً. ولم أره في مسلم من هذا الطريق.
ورواه مسلم (1104) من طرق أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه. كما سيذكره الشارح.
(2)
أخرجه البخاري (6814) ومسلم (1104) من رواية حميد عن ثابت. وفيه: لو مدَّ لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم.
معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ " إنّي أظلّ عند ربّي فيطعمني ويسقيني " وكذلك رواه أحمد أيضاً عن ابن نمير، وأبو نعيم في " المستخرج " من طريق إبراهيم بن سعيد عن ابن نمير عن الأعمش، وأخرجه أبو عوانة عن عليّ بن حرب عن أبي معاوية كذلك، وأخرجه هو وابن خزيمة من طريق عبيدة بن حميدٍ عن الأعمش كذلك.
ووقع لمسلم فيه شيءٌ غريبٌ ، فإنّه أخرجه عن ابن نمير عن أبيه فقال بمثل حديث عمارة عن أبي زرعة. ولفظ عمارة المذكور عنده " إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقيني " وقد عرفت أنّ رواية ابن نمير عند أحمد فيها " عند ربّي " وليس ذلك في شيء من الطّرق عن أبي هريرة إلَاّ في رواية أبي صالح.
ولَم ينفرد بها الأعمش. فقد أخرجها أحمد أيضاً من طريق عاصم بن أبي النّجود عن أبي صالح، ووقعت في حديث غير أبي هريرة.
وأخرجها الإسماعيليّ في حديث عائشة أيضاً عن الحسن بن سفيان عن عثمان بن أبي شيبة عن عبدة عن هشام عن أبيه عن عائشة (1) بلفظ " أظلّ عند الله يطعمني ويسقيني ".
وعن عمران بن موسى عن عثمان بلفظ " عند ربّي " ووقعت أيضاً
(1) حديث عائشة. أخرجه البخاري (1863) ومسلم (1105) من طرق عن عبدة به بلفظ " إني يطعمني ربي ويسقيني ".
دون قوله (عند الله). ولذا عزا الحافظُ هذه الروايةُ للإسماعيلي وحده.
كذلك عند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من مرسل الحسن بلفظ " إنّي أبيت عند ربّي ".
واختلف في معنى قوله " يطعمني ويسقيني ".
فقيل: هو على حقيقته ، وأنّه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله. كرامةً له في ليالي صيامه.
وتعقّبه ابن بطّال ومن تبعه: بأنّه لو كان كذلك لَم يكن مواصلاً، وبأنّ قوله " يظلّ " يدلّ على وقوع ذلك بالنّهار فلو كان الأكل والشّرب حقيقةً لَم يكن صائماً.
وأجيب: بأنّ الرّاجح من الرّوايات لفظ " أبيت " دون أظلّ، وعلى تقدير الثّبوت فليس حمل الطّعام والشّراب على المجاز بأولى له من حمل لفظ " أظلّ " على المجاز.
وعلى التّنزّل فلا يضرّ شيءٌ من ذلك ، لأنّ ما يؤتى به الرّسول على سبيل الكرامة من طعام الجنّة وشرابها لا تجري عليه أحكام المكلفين فيه كما غسل صدره صلى الله عليه وسلم في طست الذّهب، مع أنّ استعمال أواني الذّهب الدّنيويّة حرامٌ.
وقال ابن المنيّر في الحاشية: الذي يفطر شرعاً إنّما هو الطّعام المعتاد، وأمّا الخارق للعادة كالمحضر من الجنّة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال وإنّما هو من جنس الثّواب كأكل أهل الجنّة في الجنّة، والكرامة لا تبطل العبادة.
وقال غيره: لا مانع من حمل الطّعام والشّراب على حقيقتهما، ولا
يلزم شيء ممّا تقدّم ذكره، بل الرّواية الصّحيحة " أبيت " وأكله وشربه في الليل ممّا يؤتى به من الجنّة لا يقطع وصاله خصوصيّةً له بذلك، فكأنّه قال لَمّا قيل له: إنّك تواصل، فقال: إنّي لست في ذلك كهيئتكم " أي: على صفتكم في أنّ من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله، بل إنّما يطعمني ربّي ويسقيني، ولا تنقطع بذلك مواصلتي، فطعامي وشرابي على غير طعامكم وشرابكم صورةً ومعنًى.
وقال الزّين بن المنيّر: هو محمولٌ على أنّ أكله وشربه في تلك الحالة كحال النّائم الذي يحصل له الشّبع والرّيّ بالأكل والشّرب ويستمرّ له ذلك حتّى يستيقظ ، ولا يبطل بذلك صومه ، ولا ينقطع وصاله ، ولا ينقص أجره.
وحاصله أنّه يحمل ذلك على حالة استغراقه صلى الله عليه وسلم في أحواله الشّريفة حتّى لا يؤثّر فيه حينئذٍ شيء من الأحوال البشريّة.
وقال الجمهور: قوله " يطعمني ويسقيني " مجاز عن لازم الطّعام والشّراب وهو القوّة، فكأنّه قال: يعطيني قوّة الآكل والشّارب، ويفيض عليّ ما يسدّ مسد الطّعام والشّراب ويقوى على أنواع الطّاعة من غير ضعف في القوّة ولا كلالٍ في الإحساس.
أو المعنى إنّ الله يخلق فيه من الشّبع والرّيّ ما يغنيه عن الطّعام والشّراب فلا يحسّ بجوعٍ ولا عطشٍ.
والفرق بينه وبين الأوّل.
أنّه على الأوّل ، يعطى القوّة من غير شبعٍ ولا ريٍّ مع الجوع
والظّمأ. وعلى الثّاني ، يعطى القوّة مع الشّبع والرّيّ.
ورجح الأوّل: بأنّ الثّاني ينافي حال الصّائم ويفوّت المقصود من الصّيام والوصال، لأنّ الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها.
قال القرطبيّ: ويبعده أيضاً النّظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم، فإنّه كان يجوع أكثر ممّا يشبع ، ويربط على بطنه الحجارة من الجوع.
قلت: وتمسّك ابن حبّان بظاهر الحال. فاستدل بهذا الحديث على تضعيف الأحاديث الواردة بأنّه صلى الله عليه وسلم كان يجوع ، ويشدّ الحجر على بطنه من الجوع، قال: لأنّ الله تعالى كان يطعم رسوله ويسقيه إذا واصل ، فكيف يتركه جائعاً حتّى يحتاج إلى شدّ الحجر على بطنه؟.
ثمّ قال: وماذا يغني الحجر من الجوع؟ ثمّ ادّعى: أنّ ذلك تصحيفٌ ممّن رواه ، وإنّما هي الحجز. بالزّاي جمع حجزة.
وقد أكثر النّاس من الرّدّ عليه في جميع ذلك، وأبلغ ما يردّ عليه به. أنّه أخرج في " صحيحه " من حديث ابن عبّاس قال: خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالهاجرة فرأى أبا بكر وعمر فقال: ما أخرجكما؟ قالا: ما أخرجنا إلَاّ الجوع، فقال: وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلَاّ الجوع " الحديث.
فهذا الحديث يردّ ما تمسّك به.
وأمّا قوله " وما يغني الحجر من الجوع؟.
فجوابه: أنّه يقيم الصّلب ، لأنّ البطن إذا خلا ربّما ضعف صاحبه عن القيام لانثناء بطنه عليه، فإذا ربط عليه الحجر اشتدّ وقوي
صاحبه على القيام، حتّى قال بعض من وقع له ذلك: كنت أظنّ الرّجلين يحملان البطن، فإذا البطن يحمل الرّجلين.
ويحتمل: أن يكون المراد بقوله " يطعمني ويسقيني " أي: يشغلني بالتّفكّر في عظمته والتّملي بمشاهدته والتّغذّي بمعارفه وقرّة العين بمحبّته والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطّعام والشّراب.
وإلى هذا جنح ابن القيّم ، وقال: قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى ذوقٍ وتجربةٍ يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والرّوح عن كثير من الغذاء الجسمانيّ ، ولا سيّما الفرح المسرور بمطلوبه، الذي قرّت عينه بمحبوبه.
واستُدل بمجموع هذه الأحاديث على أنّ الوصال من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وعلى أنّ غيره ممنوع منه إلَاّ ما وقع فيه التّرخيص من الإذن فيه إلى السّحر.
ثمّ اختلف في المنع المذكور:
فقيل: على سبيل التّحريم ، وقيل: على سبيل الكراهة، وقيل: يحرم على من شقّ عليه ، ويباح لمن لَم يشقّ عليه.
وقد اختلف السّلف في ذلك.
القول الأول: نُقل التّفصيل عن عبد الله بن الزّبير، وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عنه ، أنّه كان يواصل خمسة عشر يوماً.
وذهب إليه من الصّحابة أيضاً. أخت أبي سعيد ، ومن التّابعين عبد الرّحمن بن أبي نعمٍ وعامر بن عبد الله بن الزّبير وإبراهيم بن زيد
التّيميّ وأبو الجوزاء. كما نقله أبو نعيم في ترجمته في " الحلية " وغيرهم رواه الطّبريّ وغيره.
ومن حجّتهم حديث أبي هريرة ، نّه صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه بعد النّهي. متفق عليه ، فلو كان النّهي للتّحريم لَمَا أقرّهم على فعله، فعلم أنّه أراد بالنّهي الرّحمة لهم والتّخفيف عنهم. كما صرّحت به عائشة في حديثها، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم ، ولَم ينكر على من بلغه أنّه فعله ممّن لَم يشقّ عليه.
ونظير ذلك في صيام الدّهر، فمن لَم يشقّ عليه ولَم يقصد موافقة أهل الكتاب ولا رغب عن السّنّة في تعجيل الفطر. لَم يمنع من الوصال.
القول الثاني: ذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال، وعن الشّافعيّة في ذلك وجهان: التّحريم والكراهة، هكذا اقتصر عليه النّوويّ.
وقد نصّ الشّافعيّ في " الأمّ " على أنّه محظورٌ، وأغرب القرطبيّ. فنقل التّحريم عن بعض أهل الظّاهر على شكٍّ منه في ذلك، ولا معنى لشكّه ، فقد صرّح ابن حزمٍ بتحريمه ، وصحَّحه ابن العربيّ من المالكيّة.
القول الثالث: ذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعةٌ من المالكيّة إلى جواز الوصال إلى السّحر لحديث أبي سعيد المذكور.
وهذا الوصال لا يترتّب عليه شيء ممّا يترتّب على غيره ، إلَاّ أنّه في
الحقيقة بمنزلة عشائه إلَاّ أنّه يؤخّره ، لأنّ الصّائم له في اليوم والليلة أكلةٌ فإذا أكلها السّحرَ كان قد نقلها من أوّل الليل إلى آخره. وكان أخفّ لجسمه في قيام الليل.
ولا يخفى أنّ محل ذلك ما لَم يشقّ على الصّائم وإلا فلا يكون قربةً.
وانفصل أكثر الشّافعيّة عن ذلك: بأنّ الإمساك إلى السّحر ليس وصالاً ، بل الوصال أن يمسك في الليل جميعه كما يمسك في النّهار، وإنّما أطلق على الإمساك إلى السّحر وصالاً لمشابهته الوصال في الصّورة، ويحتاج إلى ثبوت الدّعوى بأنّ الوصال إنّما هو حقيقةٌ في إمساك جميع الليل.
وقد ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يواصل من سحرٍ إلى سحرٍ. أخرجه أحمد وعبد الرّزّاق من حديث عليٍّ، والطّبرانيّ من حديث جابر، وأخرجه سعيد بن منصور مرسلاً من طريق ابن أبي نجيحٍ عن أبيه ومن طريق أبي قلابة، وأخرجه عبد الرّزّاق من طريق عطاء.
واحتجّوا للتّحريم بقوله في الحديث المتقدّم " إذا أقبل الليل من هاهنا ، وأدبر النّهار من هاهنا. فقد أفطر الصّائم " إذ لَم يجعل الليل محلاًّ لسوى الفطر. فالصّوم فيه مخالفةٌ لوضعه كيوم الفطر.
وأجابوا أيضاً: بأنّ قوله " رحمةً لهم " لا يمنع التّحريم. فإنّ من رحمته لهم أن حرّمه عليهم.
وأمّا مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريراً بل تقريعاً وتنكيلاً، فاحتمل منهم ذلك لأجل مصلحة النّهي في أكيد زجرهم، لأنّهم إذا
باشروا ظهرت لهم حكمة النّهي ، وكان ذلك أدعى إلى قلوبهم لِمَا يترتّب عليهم من الملل في العبادة والتّقصير فيما هو أهمّ منه وأرجح من وظائف الصّلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشّديد ينافي ذلك.
وقد صرّح بأنّ الوصال يختصّ به لقوله " لست في ذلك مثلكم " وقوله " لست كهيئتكم " هذا مع ما انضمّ إلى ذلك من استحباب تعجيل الفطر كما تقدّم في بابه (1).
قلت: ويدلّ على أنّه ليس بمحرّمٍ حديث أبي داود من طريق عبد الرّحمن ابن أبي ليلى عن رجُلٍ من الصّحابة قال: نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الحجامة والمواصلة ، ولَم يحرّمهما إبقاءً على أصحابه " وإسناده صحيحٌ، فإنّ الصّحابيّ صرّح فيه بأنّه صلى الله عليه وسلم لَم يحرّم الوصال.
وروى البزّار والطّبرانيّ من حديث سمرة: نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الوصال، وليس بالعزيمة.
وأمّا ما رواه الطّبرانيّ في " الأوسط " من حديث أبي ذرٍّ ، أنّ جبريل قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّ الله قد قَبِلَ وصالك ، ولا يحلّ لأحدٍ بعدك. فليس إسناده بصحيحٍ. فلا حجّة فيه.
ومن أدلة الجواز. إقدام الصّحابة على الوصال بعد النّهي ، فدلَّ على أنّهم فهموا أنّ النّهي للتّنزيه لا للتّحريم ، وإلا لَمَا أقدموا عليه.
ويؤيّد أنّه ليس بمحرّمٍ أيضاً حديث بشير بن الخصاصية. أخرجه أحمد والطّبرانيّ وسعيد بن منصور وعبد بن حميدٍ وابن أبي حاتم في "
(1) أي: في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الماضي برقم (197).
تفسيرهما " بإسنادٍ صحيحٍ إلى ليلى امرأة بشير بن الخصاصية ، قالت: أردتُ أن أصوم يومين مواصلةً فمنعني بشير ، وقال: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا ، وقال: يفعل ذلك النّصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى، أتمّوا الصّيام إلى الليل فإذا كان الليل فأفطروا " لفظ ابن أبي حاتم.
فإنه صلى الله عليه وسلم سوّى في عِلَّة النّهي بين الوصال وبين تأخير الفطر حيث قال في كلٍّ منهما: إنّه فِعْل أهل الكتاب، ولَم يقل أحدٌ بتحريم تأخير الفطر سوى بعض من لا يعتدّ به من أهل الظّاهر.
ومن حيث المعنى ما فيه من فَطَمَ النّفس وشهواتها وقمعها عن ملذوذاتها فلهذا استمرّ على القول بجوازه مطلقاً أو مقيّداً من تقدّم ذكره. والله أعلم.
وفي أحاديث الباب من الفوائد.
استواء المكلفين في الأحكام، وأنّ كلّ حكم ثبت في حقّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثبت في حقّ أمّته إلَاّ ما استثني بدليلٍ.
وفيه جواز معارضة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله ولَم يعلم المستفتي بسرّ المخالفة، وفيه الاستكشاف عن حكمة النّهي.
وفيه ثبوت خصائصه صلى الله عليه وسلم. وأنّ عموم قوله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ) مخصوص.
وفيه أنّ الصّحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته ويبادرون إلى الائتساء به إلَاّ فيما نهاهم عنه.
وفيه أنّ خصائصه لا يتأسّى به في جميعها، وقد توقّف في ذلك إمام الحرمين.
وقال أبو شامة: ليس لأحدٍ التّشبّه به في المباح كالزّيادة على أربع نسوةٍ، ويستحبّ التّنزّه عن المُحرَّم عليه والتّشبّه به في الواجب عليه كالضّحى، وأمّا المستحبّ فلم يتعرّض له، والوصال منه فيحتمل أن يقال: إن لَم ينه عنه لَم يمنع الائتساء به فيه.
وفيه بيان قدرة الله تعالى على إيجاد المسبّبات العاديات من غير سببٍ ظاهرٍ كما تقدّم. والله أعلم.
قوله في حديث أبي سعيد رضي الله عنه: (فليواصل إلى السحر) تقدّم أنّه قول أحمد وطائفةٍ من أصحاب الحديث، وتقدّم توجيهه، وأنّ من الشّافعيّة مَن قال: إنّه ليس بوصالٍ حقيقةً.
تنْبيه: وقع عند ابن خزيمة في حديث أبي صالح عن أبي هريرة من طريق عبيدة بن حميدٍ عن الأعمش عنه تقييد وصال النّبيّ صلى الله عليه وسلم بأنّه إلى السّحر، ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواصل إلى السّحر، ففعل بعض أصحابه ذلك فنهاه، فقال: يا رسولَ الله إنّك تفعل ذلك .. الحديث.
وظاهره يعارض حديث أبي سعيد هذا، فإنّ مقتضى حديث أبي صالح النّهي عن الوصال إلى السّحر. وصريح حديث أبي سعيد الإذن بالوصال إلى السّحر.
والمحفوظ في حديث أبي صالح إطلاق النّهي عن الوصال بغير
تقييد بالسّحر، ولذلك اتّفق عليه جميع الرّواة عن أبي هريرة، فرواية عبيدة بن حميدٍ هذه شاذّةٌ.
وقد خالفه أبو معاوية - وهو أضبط أصحاب الأعمش - فلم يذكر ذلك. أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية، وتابعه عبد الله بن نمير عن الأعمش كما تقدّم.
وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة بن حميدٍ محفوظة. فقد أشار ابن خزيمة إلى الجمع بينهما: بأنّه يحتمل أن يكون نهى صلى الله عليه وسلم عن الوصال أوّلاً مطلقاً سواءٌ جميع الليل أو بعضه.
وعلى هذا يُحمل حديث أبي صالح، ثمّ خصّ النّهي بجميع الليل فأباح الوصال إلى السّحر، وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد.
أو يُحمل النّهي في حديث أبي صالح على كراهة التّنزيه، والنّهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السّحر على كراهة التّحريم. والله أعلم.