الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب ليلة القدر
الحديث الثامن والعشرون
209 -
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ، أنّ رجالاً من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم أُروا ليلة القدر في المنام في السّبع الأواخر. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت في السّبع الأواخر. فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السّبع الأواخر. (1)
قوله: (أنّ رجالاً من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم) لَم أقف على تسمية أحدٍ من هؤلاء.
قوله: (أروا ليلة القدر) أروا بضمّ أوّله على البناء للمجهول. أي: قيل لهم في المنام: إنّها في السّبع الأواخر.
والظّاهر أنّ المراد به أواخر الشّهر، وقيل: المراد به السّبع التي أوّلها ليلة الثّاني والعشرين وآخرها ليلة الثّامن والعشرين.
فعلى الأوّل: لا تدخل ليلة إحدى وعشرين ، ولا ثلاثٍ وعشرين.
وعلى الثّاني: تدخل الثّانية فقط ، ولا تدخل ليلة التّاسع والعشرين، وقد رواه البخاري من طريق الزّهريّ عن سالمٍ عن أبيه ، إنّ ناساً أروا ليلة القدر في السّبع الأواخر، وإنّ ناساً أروا أنّها في العشر
(1) أخرجه البخاري (1911) ومسلم (1165) من طريق مالك ، والبخاري (1105) من طريق أيوب كلاهما عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه.
وللبخاري (6590) ومسلم (1165) من حديث سالم عن أبيه نحوه.
الأواخر، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: التمسوها في السّبع الأواخر.
وكأنّه صلى الله عليه وسلم نظر إلى المتّفق عليه من الرّوايتين فأمر به، وقد رواه أحمد عن ابن عيينة عن الزّهريّ بلفظ: رأى رجلٌ أنّ ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: التمسوها في العشر البواقي في الوتر منها.
ورواه أحمد من حديث عليٍّ مرفوعاً: إن غلبتم فلا تغلبوا في السّبع البواقي. ولمسلمٍ عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر بلفظ: من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر.
ولمسلمٍ من طريق عقبة بن حريثٍ عن ابن عمر: التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعُف أحدكم أو عجَز فلا يغلبن على السّبع البواقي. وهذا السّياق يرجّح الاحتمال الأوّل من تفسير السّبع.
قوله: (ليلة القدر).
اختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة.
فقيل: المراد به التعظيم كقوله تعالى (وما قدروا الله حق قدره) والمعنى أنها ذات قدر لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو أنَّ الذي يحييها يصير ذا قدر.
وقيل: القدر هنا التضييق كقوله تعالى (ومن قُدر عليه رزقه) ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها، أو لأنَّ الأرض تضيق فيها عن الملائكة.
وقيل: القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة لقوله تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم).
وبه صدر النووي كلامه. فقال: قال العلماء سميت ليلة القدر لِما تَكْتب فيها الملائكة من الأقدار لقوله تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم) ورواه عبد الرزاق وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم.
وقال التوربشتي: إنما جاء القدر بسكون الدال، وإن كان الشائع في القدر الذي هو مؤاخي القضاء فتح الدال ليعلم أنه لَم يرد به ذلك. وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة لتحصيل ما يلقى إليهم فيها مقداراً بمقدار.
قوله: (أرى) بفتحتين. أي: أعلم، والمراد أبصر مجازاً.
قوله: (رؤياكم) قال عياضٌ: كذا جاء بإفراد الرّؤيا، والمراد مرائيكم ، لأنّها لَم تكن رؤيا واحدةً وإنّما أراد الجنس.
وقال ابن التّين: كذا روي بتوحيد الرّؤيا، وهو جائزٌ لأنّها مصدرٌ، قال: وأفصح منه رؤاكم جمع رؤيا ليكون جمعاً في مقابلة جمعٍ.
قوله: (تواطأت) بالهمزة. أي: توافقت وزناً ومعنًى، أي: توافقُ جماعةٍ على شيء واحد ولو اختلفت عباراتهم.
وقال ابن التّين. روي بغير همزٍ والصّواب بالهمز، وأصله أن يطأ الرّجل برجله مكان وطء صاحبه.
وفي هذا الحديث دلالةٌ على عظم قدر الرّؤيا ، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجوديّة بشرط أن لا يخالف القواعد الشّرعيّة.
ويستفاد من الحديث أنّ توافق جماعة على رؤيا واحدة دالٌّ على صدقها وصحّتها ، كما تستفاد قوّة الخبر من التّوارد على الإخبار من جماعة.