الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تلميذ، وللسادة الكتّاب من أهل الأدب من جملة العبيد؛ إذ ليس نقتبس إلاّ من أنوارهم، ولا نغترف إلاّ من بحارهم رضوان الله عليهم، وزاد من برّه وإحسانه في جنانه إليهم. ثم إنّي أعوذ بربّ الناس، من شرّ الوسواس الخنّاس؛ وأبتدئ بذكر أوّل دولة الخلفاء من بني العبّاس. والمرجوّ من الله التوفيق والإرشاد إلى سلوك هذه الطريق الجادّ.
(4) ذكر ابتداء الدولة العباسيّة
أدام الله أيام سلطانها
قال القاضي ابن خلّكان رحمه الله تعالى في تاريخه إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه افتقد عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه في وقت صلاة الظهر فلم يجده؛ فقال لأصحابه: ما بال أبي العبّاس لم يحضر؟ فقالوا: ولد له مولود.
فلمّا صلّى <عليّ> عليه السلام قال: امضوا بنا إليه. فأتاه فهنّأه فقال: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، ما سمّيته؟ قال: أيجوز أن أسمّيه حتى تسمّيه أنت؟! فأمر به فأخرج إليه فأخذه وحنّكه ودعا له وردّه إليه وقال: خذ إليك أبا الأملاك، سمّيته عليّا وكنّيته أبا الحسن. فلمّا قام معاوية رضي الله عنه خليفة قال لابن عبّاس: ليس لكم اسمه وكنيته، وقد كنّيته أبا محمد، فجرت عليه. هذا ما ذكره القاضي ابن خلّكان عن المبرّد في كتابه المسمى بالكامل.
وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء إنّ عليّا لّما قدم على عبد الملك بن مروان قال له: غيّر اسمك أو كنيتك! قال: أمّا الاسم فلا وأمّا
الكنية فكنيتي بأبي محمّد فغيّر كنيته. انتهى كلام أبي نعيم.
قلت: وقد ذكر الطبريّ رحمه الله في تاريخه أنّ عليّ بن عبد الله بن عبّاس دخل على عبد الملك بن مروان فأكرمه وأجلسه على سريره وسأله عن كنيته فأخبره فقال: لا يجتمع في عسكري هذا الاسم وهذه الكنية لأحد، وسأله هل له من ولد-وكان قد ولد له يومئذ محمد بن عليّ بن عبّاس-فأخبره فكنّاه أبا محمد.
انتهى كلام الطبريّ هاهنا.
ورأيت في مسوّداتي عن الواقديّ أنّ عليّ بن عبد الله بن عبّاس ولد في الليلة التي قتل فيها الإمام عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، والله أعلم بالصواب في ذلك.
وإنّ عليّا هذا ضرب بالسياط مرّتين كلتا هما ضربه الوليد بن عبد الملك أحدهما في تزويجه لبابة ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب؛ وكانت تحت عبد الملك بن مروان أولا فعضّ ذات يوم تفّاحة ثم رمى بها إليها فتناولت سكّينا فقال: وما تصنعين بها؟ قالت: أميط عنها الأذى! فطلّقها. وكان عبد الملك شديد البخر كما تقدّم من الكلام. وقيل إنّ الذباب كان إذا وصل إلى فيه تساقط ميتا لشدّة بخره، فتزوّجها عليّ بن عبد الله بن عبّاس في خلافة الوليد فقبض عليه الوليد وضربه وقال: إنما تتزّوج بأمّهات الخلفاء لتضع منهم! لأنّ مروان بن الحكم إنّما تزوّج بأمّ خالد بن <يزيد> بن معاوية ليضع منه. فقال عليّ بن عبد الله:
إنما تزوجتها لما أرادت الخروج من هذا البلد وأنا ابن عمّها لأكون لها محرما!
وأمّا ضربه إياه ثاني مرّة ما روي عن أبي عبد الله محمد بن شجاع بإسناد
متّصل قال: رأيت عليّا بن عبد الله بن عبّاس مضروبا بالسياط يدار به على بعير ووجهه ممّا يلي ذنب البعير، وصائح يصح عليه: هذا عليّ بن عبد الله بن عبّاس الكذّاب! فأتيته وقلت: ما هذا الذي نسبوك فيه إلى الكذب؟! قال: بلغهم عني أنّ هذا الأمر سيكون في ولدي والله ليكوننّ فيهم حتى تملكه عبيدهم الصغار العيون، العراض الوجوه؛ الذين كأنّ في وجوههم المجانّ أي الدرق.
ورأيت في مسوّداتي أنّ عليا هذا دخل على هشام بن عبد الملك-وهو الصحيح؛ فمن قال إنّه دخل على سليمان بن عبد الملك فقد غلط-ومعه ابناه الخليفتان السفّاح والمنصور ولدي محمد ابنه. فأوسع هشام له عن سريره وبرّه وسأله عن حاجته فقال له: علىّ ثلاثون ألف درهم! فأمر بقضائها. ثم قال:
استوص بابنيّ خيرا! فقال: أفعل! فشكره وقال: وصلتك رحم! فلمّا نهض وولّى قال هشام لأصحابه: إنّ هذا الشيخ قد أسنّ واختلّ وخلط فصار يقول إنّ هذا الأمر سينتقل في ولده فسمعه عليّ فالتفت إليه وقال: والله ليكوننّ، وليملكنّ هذان! وأشار إلى ولديه-وخرج وهشام يضحك من قوله.
وذكر المبرّد في كتابه الكامل أنّ عليا هذا كان مفرطا في الطول والجسامة إذا طاف كان كأنما الناس حوله يمشون وهو راكب. وكان يكون إلى منكب أبيه عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب أبيه العبّاس، وكذلك العبّاس إلى منكب أبيه عبد المطّلب وقد تقدّم هذا الكلام عند ذكر من أفرط به الطول في الجزء الذي قبله. وقال المبرّد أيضا إنّ العباس كان عظيم الصوت جهوريّة؛ وجاءتهم مرة غارة وقت الصباح فصاح بأعلى صوته: واصباحاه! فلم تسمعه حامل إلاّ وضعت!