الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قولك شرا، ولن أتعرّض لك، قم فادخل!
وعن محمد بن سلاّم قال، قال هلال بن عطية لبشّار؛ وكان يمازحه: إنّ الله عز وجل لم يذهب بصر أحد إلاّ عوّضه منه شيئا فما عوّضك؟ قال: الطويل العريض! قال: وما هو؟ قال: ألاّ أراك ولا أرى أمثالك من الثقلاء! ثم قال له:
يا هلال! أتطيعني في نصيحة أخصّك بها؟ قال: نعم! قال: إنك كنت تسرق الحمير زمانا ثم تبت وصرت (68) رافضيا فعد إلى سرقة الحمير-والله-خير لك من الرفض! وكان هلال يستثقل فقال فيه (من الوافر):
وكيف يخفّ لي بصري وسمعي
…
وحولي عسكران من الثقال
قعودا حول دسكرتي وعندي
…
كأنّ لهم عليّ فضول مال
إذا ما شئت صبّحني هلال
…
وأيّ الناس أثقل من هلال
ذكر سنة خمس وستين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراع واجد وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور بالله. وعزل سالما وأبا قطنة وولّى مكانهما إبراهيم بن صالح حربا وخراجا. والقاضي ابن اليسع بحاله.
ومن أخبار بشّار عن هشام ابن الكلبي قال، كان أول بدء بشّار أنه عشق جارية يقال لها فاطمة سمعها تغنّي فأنشأ يقول (من الرمل):
درّة بحرّية مكنونة
…
مازها التاجر من بين الدرر
وفيها يقول (من الرمل):
أيّها النوّام هبّوا ويحكم
…
واسألوني اليوم ما طعم السهر
وعن العبّاس بن خالد البرمكّي قال: كان الزوّار قديما يسمّون إلى أيّام خالد بن برمك السؤّال فقال خالد: هذا والله اسم أستقبحه لطلاّب الخير خصوصا أن يكونوا من أشراف الناس والأحرار! وإني لأرفع الكريم أن يسمّي أمثال هؤلاء المؤمّلين من أبناء النعم بمثل ذلك ولعلّه خير ممن يقصد وأفضل وأكثر أدبا! ولكنّا نسميهم من الآن الزوّار! فقال بشّار يمدحه بذلك (69)(من الطويل):
حذا خالد في فعله حذو برمك
…
فمجد له مستطرف وأثيل
وكان ذوو الآمال يدعون قبله
…
بلفظ على الإعدام فيه دليل
يسمّون بالسّؤال في كلّ موطن
…
وإن كان منهم نابه وجليل
فسمّاهم الزوّار سترا عليهم
…
فأستاره في المجتدين سدول
وقال بشار هذا الشعر في الساعة التي تكلّم فيها خالد بهذا الكلام في أمر الزوّار فأعطاه لكلّ بيت ألف درهم.
وعن أبي شبل عاصم بن وهب قال؛ نهق حمار ذات يوم بقرب بشّار فخطر بباله بيت فقال (من البسيط):
ما قام أير حمار فامتلا شبقا
…
إلاّ تحرّك عرق في است
…
؟
ووقف وصار يقول: في است من؟ فسلّم عليه في ذلك الوقت صديق له يسمى تسنيم بن الحواري فضحك بشّار وصفّق بيديه وقال: في است تسنيم. فقال له تسنيم: ويحك ماذا؟! فأنشده البيت فقال له: عليك لعنة الله فما عندك فرق بين صديقك وعدوّك؟ أيّ شيء حملك على هذا؟ ألاّ قلت: في است حمّاد، الذي هجاك وفضحك وأعياك؟! وليست قافيتك على الميم فأعذرك! فقال: صدقت والله في هذا كلّه ولكن ما زلت أقول: في است من! ولا يخطر ببالي أحد حتّى سلّمت عليّ فرزقته! فقال تسنيم: إذا كان <هذا> جواب السلام عليك فلا سلّمك الله ولا سلّم على من يسلّم عليك. وجعل بشّار يضحك ويصفّق وتسنيم يوسعه شتما.
وقالت امرأة لبشار: ما أدري لم يهابك الناس مع قبح وجهك! فقال بشار: ليس من حسنه يهاب الأسد!
وعن دماذ قال، (70) حدّثنا رجل من الأنصار قال، جاء أبو الشمقمق إلى بشّار يشكو إليه الضيقة، ويحلف له أن ليس عنده شيء! فقال له بشّار: والله ما عندي شيء يعينك، ولكن قم معي إلى عقبة بن سلم! فقام معه فذكر له أبا الشمقمق وكان معروفا شاعرا وأوسعه شكرا وثناء فأمر له بخمس مائة درهم فقال له بشّار (من مجزوء الكامل):
يا واحد العرب الذي
…
أمسى وليس له نظير
لو كان مثلك آخر
…
ما كان في الدنيا فقير
وعن عبد الرحمن بن العبّاس بن فضل عن أبيه قال: كان الشعراء
يجلسون بالليل في مسجد الرصافة ينشدون ويتحدّثون، وكنت أجيء إلى ذلك. فصحت يوما ببشّار وقلت: يا أبا معاذ! من الذي يقول (من الهزج):
أحبّ الخاتم الأحم
…
ر من حبّ مواليه
فأعرض عنّي وأخذ في بعض إنشاده. ثم صحت به: يا أبا معاذ! من الذي يقول:
*إنّ سلمى خلقت من قصب السكّر*
فغضب وصاح: من هذا الذي يقرّعنا منذ الليلة بأشياء كنا نعبث بها في الحداثة؟ فتركته ساعة ثم صحت: يا أبا معاذ! من ذا يقول هذا (من الطويل):
أخشّاب حقا أنّ دارك تزعج
…
وإنّ الذي بيني وبينك ينهج
فقال: ويحك عن مثل هذا فسل! ثم أنشدها حتّى أتى على آخرها. وفي هذه القصيدة يقول بشّار وفيه غناء (من الطويل):
فواكبدا قد أنضج الشوق نصفها
…
ونصف على نار الصبابة ينضج
وواحزنا منهنّ يحففن هودجا
…
وفي الهودج المحفوف بدر متوّج
فإن جئتها بين النساء فقل لها
…
عليك سلام مات من يتزوّج
(71)
بكيت وما في الدمع منك خليفة
…
ولكنّ أحزاني عليك توهّج
الشعر لبشّار، والغناء فيه لسليم بن سلاّم.
وعن أبي غسّان دماذ قال: سألت أبا عبيدة عن السبب الذي من أجله نهى المهديّ بشارا عن ذكر النساء، قال: كان أوّل ذلك اشتهار نساء البصرة وشبّانها بشعره حتّى قال سوّار بن عبد الله الأكبر ومالك بن دينار: ما شيء أدعى
لأهل المصر إلى الفسق كأشعار هذا الأعمى، وما زالا يعظانه. وكان واصل بن عطاء يقول: إنّ من أخدع حبائل الشيطان لكلمات هذا الأعمى الملحد. فلمّا كثر ذلك وانتهى خبره من وجوه كثيرة إلى المهديّ نهاه عن ذكر النساء، وقول التشبيب بهنّ-وكان المهديّ من أشدّ الناس غيرة-فقلت: ما أحسب شعر هذا أبلغ في هذه المعاني من شعر جميل وكثيّر عزّة وعروة بن حزام وقيس بن ذريح وعمر بن أبي ربيعة وتلك الطبقة! فقال لي: ليس كلّ من سمع تلك الأشعار يعرف المراد منها، وبشّار يقارب النساء حتّى لا يخفى عليهنّ ما يقول، وأيّ حرّة حصان تسمع قول بشّار فلا يؤثّر في قلبها فكيف بالمرأة الغزلة التي لا همّة لها إلاّ الرجال؟ وهاك من قوله، وأنشد (من المنسرح):
قد لامني في خليلتي عمر
…
واللوم في غير كنهه ضجر
قال أفق قلت لا فقال بلى
…
قد شاع في الناس منكم الخبر
قلت وإن شاع ما اعتذارك ممّ
…
ما ليس لي فيه عندهم عذر
ماذا عليهم وما لهم خرسوا
…
لو أنّهم في عيوبهم نظروا
أعشق وحدي فيقتلون به
…
كالترك تغزو فتقتل الخزر
يا عجبا للخلاف يا عجبا
…
في في من لام في الهوى الحجر
حسبي وحسب الذي كلفت به
…
منّي ومنها الحديث والنظر
أو قبلة في خلال ذاك وما
…
بأس إذا لم تحلّ لي الأزر
(72)
أو عضّة في ذراعها ولها
…
فوق ذراعي من عضّها أثر
أو لمسة دون مرطها بيدي
…
والباب قد حال دونه الستر
والساق برّاقة خلاخلها
…
أو مصّ ريق وقد علا البهر
واسترخت الكفّ للعراك وقا
…
لت إيه عنّي والدمع ينحدر
إنهض فما أنت كالذي زعموا
…
أنت وربّي مغازل أشر
قد غابت اليوم عنك حاضنتي
…
فالله لي منك فيك ينتصر
يا ربّ خذ لي فقد ترى ضرعي
…
من فاسق جاء ماله سكر
أهوى إلى معضدي فرضرضه
…
ذو قوّة ما يطاق مقتدر
ألصق بي لحية له خشنت
…
ذات سواد كأنها الإبر
حتّى علاني وأسرتي غيب
…
ويلي عليهم لو أنّهم حضروا
أقسم بالله لا نجوت بها
…
فاذهب فأنت المساور الظفر
كيف يأمّي إن رأت شفتي
…
أم كيف إن شاع منك ذا الخبر
قد كنت أخشى الذي ابتليت به
…
منك فماذا تقول يا عبر
قلت لها عند ذاك يا سكني
…
لا بأس إنّي مجرّب خبر
قولي لها بقّة لها ظفر
…
إن كان في البقّ ماله ظفر
ثم قال لي: بمثل هذا الشعر يميل القلب، ويلين الصعب، وتسلب الحرّة فكيف بالغزلة.
وعن أبي عبيدة قال، قال رجل يوما لبشّار في المسجد الجامع يداعبه: يا أبا معاذ! يعجبك الغلام الجادل؟ فقال غير مكترث ولا محتشم: لا ولكن تعجبني أمّه!.قال، وأنشد أبو أيّوب لبشّار في ثقيل فقال (من السريع):
هل لك في مالي وعرضي معا
…
وكلّ ما يملك جيرانيه
واذهب إلى أبعد ما ينتوى
…
لا ردّك الله ولا ماليه
وعن محمد بن عمران الضبّي قال، أنشدنا الوليد بن يزيد قول بشّار (73) (من الخفيف):
أيها الساقيان صبّا شرابي
…
واسقياني من ريق بيضاء رود
إنّ دائي الظما وإنّ دوائي
…
شربة من رضاب ثغر برود
ولها مضحك كثغر الأقاحي
…
وحديث كالوشي وشي البرود
نزلت في السواد من حبّة القل
…
ب ونالت زيادة المستزيد
ثم قالت نلقاك بعد ليال
…
والليالي يبلين كلّ جديد
عندها الصبر عن لقائي وعندي
…
زفرات يأكلن قلب الحديد
قال؛ فطرب الوليد وقال: من لي بمزاج كاسي هذه من ريق سلمى فيروي ظمئي، ويطفئ حرقي! ثم بكى حتى مزج كأسه بدمعه، وقال: إن فاتنا ذاك فهذا.
وعن عبد الله بن أبي بكر قال، كان لنا جار بزّاز يكنّى أبا بدر، وكان صديقا لبشّار، فبعث إليه ذات يوم يطلب منه ثيابا بنسيئة فلم يصادفها عنده فقال يهجوه (من الهزج):
ألا إنّ أبا بدر
…
زنا في ليلة القدر
ولم يرع-تعالى اللّ
…
هـ ربّي-حرمة الشهر
وكتبها في رقعة وبعثها إليه، ولم يكن أبو بدر ممن يقول الشعر، فقلبها وكتب في ظهرها يقول (من الهزج):
ألا إنّ أبا بدر
…
له في ذلكم عذر