الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر سنة سبع وستين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراع واحد وأربعة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور بالله. وعزل إبراهيم بن صالح وولّى مكانه موسى بن مصعب على الحرب والخراج، وعزل القاضي ابن اليسع وولّى غوث بن سليمان الحضرمي ولاية ثانية.
ومن أخبار بشّار عن النضر بن الحجّاج قال، قال بشّار: دعاني عقبة بن سلم ودعا حمّاد عجرد وأعشى باهلة، فلمّا اجتمعنا قال لنا إنه خطر ببالي البارحة مثل يتمثّل به الناس:«ذهب الحمار يطلب قرنين فرجع بلا أذنين» فأخرجوه لي من الشعر ومن أخرجه فله خمسة آلاف درهم، وإن لم تفعلوا جلدتكم كلّكم خمسمائة سوط! فقال حمّاد: أجّلنا-أعزّ الله الأمير-شهرا! وقال الأعشى: أجّلنا أسبوعين! قال؛ وبشّار ساكت! فقال عقبة: أيه يا أعمى! ما لك لا تتكلّم أعمى الله قلبك! فقال: أصلح الله الأمير! قد حضرني شيئ فإن أمرت قلته، فقال: قل! فقال (من السريع):
شطّ بسلمى عاجل البين
…
وجاورت أسد بني القين
ورنّت النفس لها رنّة
…
كادت لها تنشقّ نصفين
يا نبت من لا أشتهي ذكره
…
أخشى عليه علق الشين
والله لو ألقاك لا أتّقي
…
عينا لقبّلتك ألفين
(78)
طالبتها ديني فراغت به
…
وعلّقت قلبي مع الدين
فصرت كالعير غدا طالبا
…
قرنا فلم يرجع بأذنين
قال: فانصرف بشّار بالجائزة دونهما.
قال؛ وكان <بشّار> يقول الشعر وهو صغير، فإذا هجا قوما جاؤوا إلى أبيه فشكوه فيضربه ضربا شديدا. فكانت أمّه تقول: كم تضرب هذا الصبيّ الضرير؟ أما ترحمه؟ فيقول: بلى والله إني لأرحمه، ولكنه يتعرّض للناس فيشكونه إليّ! فسمعه بشّار فطمع فيه فقال له: يا أبه! إنّ هذا الذي يشكونه إليك مني هو قولي الشعر، وإني إن ألممت عليه أغنيتك وسائر أهلي. فإذا شكوني إليك فقل لهم: أليس الله يقول: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ} ؟! فلمّا عاودوا شكواه قال لهم برد ما قاله بشّار، فانصرفوا وهم يقولون: فقه برد أغيظ لنا من شعر بشّار!
وعن الفضل بن يعقوب قال: كنّا عند جارية لبعض التجار بالكرخ تغنّينا وبشّار عندنا فغنّت قوله (من مجزوء الكامل):
يا منظرا حسنا رأيته
…
من وجه جارية فديته
قال؛ فطرب بشّار وقال: هذا والله يا أبا عبد الله أحسن من سورة الحشر! وتمام الأبيات (من مجزوء الكامل):
وأنا المطلّ على العدا
…
وإذا غلا الحمد اشتريته
وأميل في أنس الندي
…
م من الحياء وما اشتهيته
ويشوقني بيت الحبي
…
ب إذا غدوت وأين بيته
حال الخليفة دونه
…
فصبرت عنه وما قليته
وقيل؛ قالها لمّا نهاه المهديّ عن ذكر الغزل. وكان الخليل بن أحمد ينشدها (79) ويستحسنها ويعجب بها.
وروى؛ قال؛ قال عبد الله بن المسور الباهليّ يوما لأبي النضر-وقد تحاوروا في شيء-:يا ابن اللخناء! فقال أبو النضر: والله لو كنت ولد زنا لكنت خيرا من باهلة كلّها! فغضب الباهليّ واختلط، فقال له بشّار: أنت منذ اليوم تزنّي أمّه ولا يغضب، فما غضبك أنت؟ فقال له: وأمّه مثل أمّي يا أبا معاذ؟! فضحك بشّار ثم قال: والله لو أنّ أمّك أمّ الكتاب ما حصل بينكما هذه المصارمة كلّها!
وعن أبي جعفر الأسدي قال: مدح بشّار المهديّ فلم يعطه شيئا فقيل له إنه لم يستجد شعرك! فقال: والله لقد قلت فيه شعرا لو قلته في الدهر لم يخش صرفه على أحد، ولكنّا نكذب في القول فنكذب في الأمل.
وعن محمد بن الحجّاج قال؛ قدم بشّار الأعمى على المهديّ فدخل عليه في بستان فأنشده مديحا يقول فيه (من المنسرح):
كأنّما جئته أبشّره
…
ولم أجيء راغبا ومجتلبا
يزيّن المنبر الأشمّ بعط
…
فيه وأقواله إذا خطبا
تشمّ نعلاه في الندى كما
…
يشمّ ماء الريحان منتهبا
قال؛ فأعطاه خمسة آلاف درهم وكساه وحمله على بغل، وجعل له وفادة في كلّ سنة، ونهاه عن التشبيب بالنساء بتّة. ثم قدم عليه في السنة الثانية فدخل عليه فأنشده قصيدة طويلة يقول في أوّلها (من الطويل):
تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر
…
وودّعت نعمى بالسلام وبالبشر
منها (من الطويل):
وأخرجني من وزر خمسين حجّة
…
فتى هاشميّ يقشعرّ من الوزر
دفنت الهوى حيا فلست بزائر
…
سليمى ولا عفراء ما قرقر القمري
ومصفرّة بالزعفران جلودها
…
إذا اجتليت مثل الهرقلية الصفر
(80)
وغيرى ثقال الردف هبّت تسبّني
…
ولو شهدت قبري لصلّت على قبري
تركت لمهديّ الأنام رضابها
…
وراعيت عهدا بيننا ليس بالختر
ولولا أمير المؤمنين محمّد
…
لقبّلت فاها أو لكان بها فطري
لعمري لقد أوقرت نفسي خطيئة
…
فما أنا بالمزداد وقرا على وقر
وهي طويلة امتدح بها المهديّ فأعطاه عادته ولم يزده شيئا.
وعن عمر بن شبّة أنّ بشّارا حضر مجلسا لصديق له يقال له عمرو بن عثمان، فقال له: أنشدنا يا أبا معاذ شيئا من غزلك! فأنشأ يقول (من البسيط):
وقائل هات شوّقنا فقلت له
…
أنائم أنت يا عمرو بن عثمان
أما سمعت بما قد شاع في مضر
…
وفي الخليفين من بكر وقحطان
قال الخليفة لا تنسب بجارية
…
إيّاك إيّاك أن تشقى بعصيان
وعن إبراهيم التمّار البصري، قال، دخل المهديّ إلى بعض حجر الحرم فنظر إلى جارية منهنّ تغتسل فلمّا رأته حصرت ووضعت يدها على حرها فأنشأ المهديّ يقول: نظرت عيني لحيني. ثم أرتج عليه فقال: من بالباب من الشعراء؟ قالوا: بشّار! فأذن له فدخل عليه، فقال: ويحك يا أعمى أجز: نظرت عيني لحيني! فقال مبادرا (من مجزوء الرمل):
نظرت عيني لحيني
…
نظرا وافق شيني
سترت لمّا رأتني
…
دونه بالراحتين
فضلت منه فضول
…
تحت طيّ العكنتين
فقال المهديّ: قبّحك الله! أكنت ثالثنا؟! ثم ماذا؟ فقال (من مجزوء الرمل):
فتمنّيت وقلبي
…
للهوى في زفرتين
(81)
أنني كنت عليه
…
ساعة أو ساعتين
فضحك المهديّ وأمر له بجائزة فقال: يا أمير المؤمنين! أقنعت من مثل هذه الصفة بساعة أو ساعتين؟! قال: فكم ويلك؟ قال: سنة أو سنتين! فقال:
اخرج قبّحك الله! فخرج بالجائزة.
وعن محمد بن الحجّاج قال، جاءنا بشّار يوما فقلنا له: ما لك مغتمّا؟ قال: مات حماري فرأيته في النوم فقلت له: متّ وقد كنت أحسن إليك! فقال (من مجزوء الرمل):
سيّدي خذ بي أتانا
…
عند باب الإصفهاني
تتمشّى ببيان
…
وبدلّ قد شجاني
تتثنّى بقوام
…
بثناياها الحسان
وبغنج ودلال
…
سلّ جسمي وبراني
ولها خدّ أسيل
…
مثل خدّ الشنفراني
فلذا متّ ولو عش
…
ت إذن طال هواني
فقلنا له: ما الشنفران يا أبا معاذ؟ فقال: ما يدريني! هذا من غريب الحمار، فإذا لقيته فسله عنه!
وعن عافية بن شبيب قال: كان لبشّار مجلس يجلس فيه بالعشيّ يقال له البردان: فدخل إليه نسوة في مجلسه يسمعن شعره فعشق امرأة منهنّ وقال لغلامه: عرّفها محبّتي لها، واتبعها إذا انصرفت حتّى تعرف منزلها! ففعل الغلام وأخبرها أمره فلم تجبه إلى ما أحبّ. فكان الغلام يتردّد إليها حتّى برمت منه فشكته إلى زوجها فقال لها: أجيبيه وعديه الدار يجئك إلى هاهنا! ففعلت وجاء بشّار مع رسولها فدخل وزوجها جالس وهو لا يعلم به فجعل يحادثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟! فقالت: أمامة! (82) فقال (من الوافر):
أمامة قد وصفت لنا بحسن
…
وإنّا لا نراك فألمسينا
قال: فأخذ زوجها يده فوضعها على أيره وقد أنعظ ففزع بشّار ووثب قائما وقال (من الوافر):
عليّ أليّة ما دمت حيا
…
أمسّك طائعا إلاّ بعود
ولا أهدي لأرض أنت فيها
…
سلام الله إلاّ من بعيد
طلبت غنيمة فوضعت يدي
…
على أير أشدّ من الحديد