الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر سنة ثلاث وستين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ذراع واحد وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المهدي محمد بن عبد الله المنصور بالله. وعزل واضحا وولّى مكانه يحيى الخرسي حرب مصر وخراجها، والقاضي ابن لهيعة بحاله.
فيها قتلوا عطاء الخراساني المعروف بالمقنّع. وكان مبتدأ أمره قصّارا (62) من أهل مرو. وكان يعرف شيئا من السحر والنيرنجات والتمويه. فادّعى الملعون الربوبية من طريق الحلولية والتناسخ، وأوهم أصحابه والذين اتّبعوه وأضلّهم أنّ الله جلّ ذكره وتعالى علوا كبيرا تحوّل إلى صورة آدم عليه السلام؛ فلذلك قال للملائكة، اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس فاستحقّ بذلك السخط. ثم تحول إلى صورة نوح عليه السلام، ثم إلى صورة واحد فواحد من الأنبياء عليهم السلام والحكماء حتّى حصل في صورة أبي مسلم الخراساني المقدّم ذكره. ثم زعم بكذبه ولعنته أنه انتقل عز وجل من صورة أبي مسلم إلى صورته نفسه تعالى الله عمّا يقولون. فقبل القوم دعواه وعبدوه، وقاتلوا دونه مع ما عاينوا من عظم ادّعائه وقبح صورته؛ وذلك أنه كان مشوّه الخلق، أعور العين، أمكن اللسان. وإنما غلب عليهم وتسلّط على عقولهم بالتمويهات التي
أظهرها لهم بالسحر والنيرنجات. وكان في جملة ما أظهره لهم صورة قمر يطلع فيراه الناس من مسافة شهرين من موضعه ثم يغيب! فعظم في أعينهم واشتدّ اعتقادهم فيه. وهذا القمر الذي عناه أبو العلاء المعرّي في شعره فقال (من الطويل):
أفق إنّما البدر المقنّع رأسه
…
ضلال وغيّ مثل بدر المقنّع
وكقول ابن سناء الملك (من الطويل):
إليك فما بدر المقنّع رأسه
…
بأسحر من ألحاظ بدري المعمّم
فلمّا اشتهر المقنّع، وانتشر ذكره ثار عليه الناس، وقصدوه في قلعته التي كان اعتصم بها وحصروه؛ فلمّا أيقن بالهلاك جمع أهله ونساءه وسقاهنّ سمّا فمتن منه من ساعتهنّ. ثم تناول (63) شربة منه فمات، ودخل المسلمون قلعته فقتلوا من فيها من أتباعه وأشياعه في هذه السنة. فنعوذ بالله من مكر الله والخذلان.
ومن أخبار بشّار عن أبي عبد الرحمن التيميّ قال: دخل بشّار إلى إبراهيم بن عبد الله بن حسن فأنشده قصيدة يهجو فيها المنصور، ويشير عليه برأي يستعمله في أمره حين ظهوره على المنصور، فلمّا قتل إبراهيم خاف بشّار فقلب الكائنة وأظهر أنها في أبي مسلم الخراساني وحذف منها أبياتا وأولها يقول (من الطويل):
أبا جعفر ما طول عيش بدائم
…
ولا سالم عمّا قليل بسالم
على الملك الجبّار يقتحم الردى
…
ويصرعه في المأزق المتلاحم
كأنك لم تسمع بقتل متوّج
…
عظيم ولم تعلم بفتك الأعاجم
تقسّم كسرى رهطه بسيوفهم
…
وأمسى أبو العبّاس أحلام نائم
وقد كان لا يخشى انقلاب مكيدة
…
عليه ولا جري النحوس الأشائم
مقيما على اللذّات حتى بدت له
…
وجوه المنايا حاسرات العمائم
وقد ترد الأيام غرا وربّما
…
وردن كلوحا باديات الشكائم
ومروان قد دارت على رأسه الرحى
…
وكان لما أجرمت نزر الجرائم
فأصبحت تجري سادرا في طريقهم
…
ولا تتّقي أشباه تلك النقائم
تجرّدت للإسلام تعفو سبيله
…
وتعري مطاه لليوث الضراغم
فما زلت حتى استنصر الدين أهله
…
عليك فعاذوا بالسيوف الصوارم
لحى الله قوما رأسوك عليهم
…
وما زلت مرؤوسا خبيث المطاعم
أقول لبسّام عليه جلالة
…
غدا أريحيا عاشقا للمكارم
من الفاطميّين الدعاة إلى الهدى
…
جهارا ومن يهديك مثل ابن فاطم
(64)
سراج لعين المستضيء وتارة
…
يكون ظلاما للعدوّ المزاحم
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن
…
برأي نصيح أو نصاحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة
…
فإنّ الخوافي قوة للقوادم
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها
…
وما خير سيف لم يؤيّد بقائم
وخلّ الهوينا للضعيف ولا تكن
…
نؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم
وحارب إذا لم تعط إلاّ ظلامة
…
شبا الحرب خير من قبول المظالم
وعن المازني قال، سمعت أبا عبيدة يقول: ميميّة بشّار هذه أحبّ إليّ من ميميّتي جرير والفرزدق. قال الأصمعيّ، قلت لبشّار: يا أبا معاذ! إنّ الناس يعجبون من أبياتك في المشورة! فقال: يا أبا سعيد! إنّ المشاور بين صواب