الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإسلام. وقد ذكرت من هذه الصناعة قطعة جيّدة في كتابي المسمّى بأعيان الأمثال وأمثال الأعيان في المحاضرة التاسعة منه المعروفة بالنجوميّة. وهو كلام مفيد للطالب إن شاء الله.
ذكر سنة خمس عشرة ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا.
(166) ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. والمعتصم على مصر بحاله.
وكذلك العمّال من جهته. ومصر بغير قاض.
وفيها كان الغلاء العظيم المفرط بمصر وأعمالها حتّى بلغ القمع ويبة واحدة بدينار ذهب عين مصري. وحصل على الناس ما يطول شرحه من سوء الحال، وأمور تقشعرّ لسماعها الجلود. فنعوذ بالله من أمثالها.
ومن مستظرفات إبراهيم بن المهدي لمّا عاد في طبقة الندماء للمأمون قيل؛ أحضر بين يدي المأمون جماعة اتّهموا بزندقة وثبت عليهم في مجلسه ذلك فقدّموا لضرب العنق فضربت رقابهم. وأحضر آخرهم شابّ فصاح:
نصيحة يا أمير المؤمنين! فقدّم! وقال: ما نصيحتك؟ فقال: والله إني لم أكن من القوم، ولا أعلم ما يقولون! وإنّما أنا رجل طفيليّ رأيت هؤلاء القوم مجتمعين فظننت أنّهم في وليمة فلم أشعر إلاّ وقد قبضوا عليهم وأنا في الجملة! فقال المأمون: يؤدّب الطفيلي! فنهض إبراهيم بن المهديّ وقال: هبه لي يا أمير المؤمنين لحالة جرت لي أقصّها لأمير المؤمنين! فقال: هات ما معك يا عمّ! فقال؛ نعم يا أمير المؤمنين! كنت ذات يوم في بعض أزقّة بغداد راكبا دابّتي إذ شمّمت من بعض تلك الآدر رائحة طعام حسن الرائحة كثير الأبزار فتاقت نفسي إليه فرفعت بصري أنظر إلى الدار التي فيها تلك الرائحة فإذا أنا بمعصم في شباك كأنّه عمود رخام أو قطعة من نور؛ قد قمّع أطراف الأنامل بأحمر فعاد كما قال (من الطويل):
أشارت بأطراف لطاف كأنّها
…
أنابيب دزّ قمّعت بعقيق
(167)
وأومت إلى خدّ كأنّ بياضه
…
بريق سيوف أو لهيب حريق
قال إبراهيم: فشغلني حسن ذلك المعصم عن رائحة الطعام فبهتّ ساعة فلمّا أحسّت صاحبته بتأمّلي إليها قامت وغلّقت باب الشبّاك فأخذت قلبي وجميع جوارحي فحرّكت دابّتي إلى خيّاط على رأس الزقاق فسألت منه: لمن الدار؟ ومن هو صاحبها؟ فقال: هو رجل تاجر كبير القدر يقال له أبو محمد ابن خواجا عمر، ويدعو اليوم عنده دعوة لجماعة من أصحابه ونظرائه. فهو معي في الكلام وإذا قد ظهر ثلاث نفر ركّاب على دوابّ فره عليهم آثار الحشمة؛ فحرّكت دابّتي إلى نحوهم وقلت: جعلت فداكم إنّ أبا محمد قد أعياه انتظاركم وقد بعثني مستحثا لسرعة قدومكم! ثم تقدّمتهم إلى باب المنزل فخرج صاحب الدار وتلقّانا بأحسن متلقّى وهو يظنّ أنّي رفيقهم وهم يظنّون أنّي من جهته.
وصرت مع الجماعة إلى منزل حسن قد فرش وزيّن فجلسنا ساعة نتحادث ثم
أحضرت الموائد من ذلك الطعام الذي شممته فأكلت منه حدّ الكفاية وقلت:
هذا الطعام قد أخذت حظّى منه فكيف لي بصاحبة المعصم؟ ثم أحضروا آنية الشراب وخرجت شابّة كأنّها قضيب خيزران لكنّها ليست هي صاحبة المعصم فسلّمت وجلست واستدعت بعود كما قيل في مثله (من الطويل):
سقى الله أرضا أنبتت عودك الذي
…
زكت منه أعراق وطابت مغارس
تغنت عليه الورق والعود أخضر
…
وغنّت عليه الغيد والعود يابس
فغنت وحرّكت عليه عدّة طرائق وعادت فكان كما قيل (من الكامل):
(168)
في كفّ جارية كأنّ بنانها
…
من فضّة قد طوّقت عنّابا
وكأنّ يمناها إذا نطقت به
…
تلقى اليمين على الشمال جوابا
ثم أصلحت شاذّه وحرّكته ثانيا فخيّل لي أنّ الأركان من الدار ترقص من حسن لعبها واستقبلت وأنشدت تقول (من الطويل):
يقولون كم تذري المدامع عينه
…
لك الدهر دمع دائم يتحدّر
وليس الذي يجري من العين ماؤها
…
ولكنّها نفس تذوب فتقطر
قال؛ فلم أتمالك نفسي يا أمير المؤمنين دون أن صرخت صرخة طنت لها المكان. فأمسكت ساعة ثم إنّها أعادت الضرب وغيّرت الطريقة وحرّكت وأنشدت تقول (من الطويل):
شكوت فقالت كلّ هذا تبرّما
…
بحبّي أراح الله قلبك من حبّي
ولمّا كتمت الحبّ قالت لشدّ ما
…
صبرت وما هذا بفعل شجي القلب
وأدنو فتقصيني وأبعد طالبا
…
رضاها فتعتدّ التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها وصبري يسؤوها
…
وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها
…
أشيروا بها واستربحوا الأجر من ربّي
قال؛ فصرخت أخرى أشدّ من الأولى فأمسكت من بعدما نظرت بعينها
إلى صاحب المنزل كالمنكرة؛ فغمزها بعينه. ثم أعادت الضرب وغيّرت الطريقة وحرّكت وهي تقول (من الكامل):
قالت وقد عاينت حمرة كفّها
…
لا تعتبر فالعهد غير مضيّع
ما إن تعمدت الخضاب وإنما
…
زفرات ذكرك أوقدت في أضلعي
فبكيت من جزع دما فمسحته
…
بأناملي فتخضّبت من أدمعي
قال؛ فكأنما كاشفت ما بقلبي من ذلك المعصم والكفّ المخضّب (169) فلم أتمالك والله دون أن صرخت صرخة أعظم من الأوليين. فلم أشعر بها إلاّ وقد ضربت بالعود الأرض كسرته ونهضت مغضبة وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء؟! وإنّ القوم توثّبوا لذلك ونظر بعضهم إلى بعض فقلت لصاحب المنزل: هل من عود غيره؟ فقال: نعم! وأحضر عودا أحسن من ذاك فأخذته يا أمير المؤمنين وأصلحته وحرّكت تحريك ذي قلب قريح وفؤاد جريح، وأنشدت (من الطويل):
ترى الدرّ منظوما إذا ما تكلمت
…
وكالدرّ منظوما إذا لم تكلّم
تعبّد أحرار القلوب بحبّها
…
وتملأ عين الناظر المتوسّم
قال؛ وإذا بتلك الصبية خرجت وهي حاسرة عن رأسها فقبّلت أقدامي ودموعها تجري؛ فقبلت عذرها وزال عن القوم ما كانوا فيه، وأقبلوا يعتذرون، وسألوني الزيادة؛ فأصلحته وغيّرت وأنشدت (من الكامل):
وحديثها السحر الحلال لو انّه
…
لم يجن قتل المسلم المتحرّز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت
…
ودّ المحدّث أنها لم توجز
قال؛ فطاب لهم الوقت وشربوا بالكاس والكاس، وقبّلوا جميعا أطارفي، وسألوني أن أزيدهم فحرّكت وغيّرت وأنشدت (من البسيط):
نفسي الفداء لمن قامت تودّعني
…
والصبر قد غاب والتوديع قد حضرا
فخلت محمرّ دمعي في غلائلها
…
من حبّ رمّان نهديها قد انتثرا
قال؛ فصرخت الجارية وقالت: السلاح يا قوم! هذا في الأحلام لا يكون، فكيف في اليقظة؟! فطاب لهم الشراب وسكروا الأصناف، وانصرفوا محمولين إلى منازلهم وبقيت أنا وصاحب البيت (170) إذ كان أصحّ منهم عقلا وأثبت جأشا. فلمّا خلونا قال: يا سيّدي! لقد ضيّعنا ما كان من أعمارنا في غير فائدة إذ لم نكن نعرفك فيه، فيالله من تكون، وكيف كان سبب تصدّقك علينا؟ قال؛ فقصصت عليه الحال وعن الطعام وصاحبة المعصم وعرّفته بنفسي فنهض يا أمير المؤمنين قائما وقبّل الأرض وقال: أنا جالس مع الخلافة ولا أشعر؟! والله لا برحت أو أعرض عليك سائر من عندي! وأمر بإخراج سائر جواريه وسراريه فلم أجد صاحبة المعصم فيهم. فقال: والله يا سيّدي لم يبق غير الوالدة والأخت. فقلت: فالأخت خالية من بعل؟ فقال: نعم! فقلت: إبدأ بها جعلت فداك! فأخرجها فإذا هي صاحبة المعصم بعينها. فلمّا عرفتها أطرقت إلى الأرض حياء فقال: يا سيّدي! ترى أن أكون عبدك وهي أمتك؟ وأعقد لك عليها؟ فقلت: نعم! قال؛ فأمر برفع تلك الآنية وأحضر عشرة من مشايخ جيرانه، وأخرج بدرة دراهم وقال: إشهدوا عليّ أنّي زوّجت أختي فلانة من سيّدي إبراهيم بن المهدي هذا، وأمهرتها عنه من مالي هذه البدرة. ثم أمر بجملة نثار نثر على تلك الجماعة وصرفهم. وقال: إن شئت مهّدت لك فبتّ مع أهلك هنا، وإن شئت حملتها إليك! فاستحييت أن أبيت معها في منزل الرجل؛ فأمر بعماريتين وحملت إلى منزلي ومعها من القماش والأمتعة ما ضاقت به منازلنا، واستولدتها هذا القائم على رأس أمير المؤمنين! فأعجب المأمون م