الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(160) ذكر سنة إحدى عشرة ومائتين
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد. ودخل عبد الله بن طاهر مصر، وعزم على محاربة عبيد الله بن السري ثم وقع بينهما الصلح فسوّغه عبد الله بقية خراج السنة، وعزل إبراهيم بن الجراح عن القضاء، وولّى عيسى بن المنكدر وأجرى عليه في كلّ شهر أربعة آلاف درهم.
وفي هذه السنة ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي عمّه. وقيل: بل في سنة عشرة؛ أحضر إليه وهو في زيّ النساء فلمّا مثل بين يديه قال: من ولي الأمر محكّم في القصاص. ومن تناوله الاغترار بما مدّ إليه من أسباب الرضا أمن من عادية الدهر في نفسه. وقد جعلك الله فوق كلّ ذي ذنب كما جعل كلّ ذنب دونك؛ فإن أخذت فبحقّك، وإن عفوت فبفضلك. ثم قال (من المجتث):
ذنبي إليك عظيم
…
وأنت أعظم منه
فخذ بحقّك أولا
…
فاصفح بفضلك عنه
إن لم أكن في فعالي
…
من الكرام فكنه
فقال المأمون: إني شاورت أبا إسحاق والعبّاس-يعني عن أخيه المعتصم وولده؛ فأشار بقتلك! قال؛ فما قلت لهما يا أمير المؤمنين؟ قال؛ قلت لهما: بدأنا له بالإحسان ونحن متمّموه له فإن غيّر فالله مغيّر! قال إبراهيم:
أما ألاّ يكونا قد نصحا في عظيم الملك وجلالة الخلافة وما جرت عليه السياسة فقد فعلا. وقد بلغا ما بلغه ذو الرأي (161) السديد؛ ولكنك أبيت أن تستجلب النصر إلاّ من حيث عوّدك الله. ثم استعبر باكيا! فقال له المأمون: ما يبكيك؟ قال: جذلا يا أمير المؤمنين إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام. ثم قال: وإن كان قد بلّغني جرمي استحلال دمي فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلغاني عفوه. ولي بعدها شفاعة الإقرار بالذنب، وحقّ الأبوّة بعد الأب. فقال المأمون: يا إبراهيم! لقد حبّب إليّ العفو حتّى خفت أن لا أؤجر عليه! أما لو علم الناس ما لنا في العفو من اللذّة لتقربوا إلينا بالجرائم! لا تثريب عليك يغفر الله لك. ولو لم يكن في حقّ نسبك وسببك ما يبلغ الصفح عن جرمك لبلّغك ما أمّلت من حسن تنصّلك ولطف توصّلك. ثم أمر بردّ ضياعه وأمواله وأملاكه.
فقال إبراهيم (من البسيط):
رددت مالي ولم تبخل عليّ به
…
وقبل ردّك مالي قد حقنت دمي
وقام علمك بي فاحتجّ عندك لي
…
مقام شاهد عدل غير متّهم
فلو بذلت دمي أبغي رضاك به
…
والمال حتّى أسلّ النعل من قدمي
ما كان ذاك سوى عاريّة رجعت
…
إليك لو لم تهبها كنت لم تلم
وقد كان تصويب إبراهيم لرأي أبي إسحاق المعتصم والعبّاس ولد المأمون ألطف لطلب الرضا ودفع المكروه واستمالتهما إلى المعاطفة عليه من الإزراء في رأيهما. وكان المأمون قد استشار أيضا في قتل إبراهيم أحمد بن أبي خالد الأحول فقال: إن قتلته فلك نظراء، وإن عفوت عنه فلا نظير لك! وكان إبراهيم إذا خلا يقول: والله ما عفا عني لرحم ولا محبّة ولكن قامت له سوق
في العفو (162) كره أن يفسدها بي!.
ولمّا وثب إبراهيم لطلب الأمر اقترض من التجار أموالا كثيرة؛ وكان في ذلك لعبد الملك الزيّات عشرة آلاف دينار فلمّا لم يتمّ أمره لوى التجار أموالهم. فصنع محمد بن عبد الملك الزيّات-الآتي ذكره إن شاء الله تعالى- قصيدة يخاطب فيها المأمون منها الإغراء بإبراهيم بن المهدي يقول فيها (من الطويل):
وو الله ما من توبة نزعت به
…
إليك ولا حبّ نواه ولا ودّ
فلا يتوكا الناس موضع شبهة
…
فإنك مجزيّ بحسب الذي تسدي
فكم غلط للناس في نصب مثله
…
بمن ليس للمنصور بابن ولا المهدي
فكيف بمن قد بايع الناس والتقت
…
ببيعته الركبان غورا إلى نجد
ومن صكّ تسليم الخلافة سمعه
…
ينادي بها بين السماطين من بعد
ومولاك مولاه وجندك جنده
…
«وهل يجمع السيفان-ويحك-في غمد»
وأيّ امرئ سمّى بها قطّ نفسه
…
ففارقها حتّى يغيّب في اللحد
فإن قلت قد رام الخلافة غيره
…
فلم يؤت فيما كان حاول من جدّ
فلم أجزه إذ خيّب الله سعيه
…
على خطأ قد كان منه ولا عمد
ولم ترض بعد العفو حتّى رفدته
…
وللعمّ أولى بالتعهّد والرفد
فليس سواء خارجيّ رمى به
…
إليك سفاه الري والرأي قد يردي