الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نواحي الريّ ورجع الناصر إلى بلاد الديلم ولم يتمّ له أمر. ثم أنفذ كرة ثانية جيشا مع كاكي والحسن بن الفيروزان فهزمهما صعلوك وقتلا في الوقعة. ثم خرج الناصر بنفسه وسار إلى صعلوك. وكان مع الناصر كما ذكر المكثّر عشرة آلاف رجل من الديلم والجيل وأكثرهم رجّالة وعارين من السلاح. وكانت عدّة الخراسانية نيفا وثلاثين ألف رجل على غاية القوة والمنعة فانهزموا وقتل الديلم مقتلة (280) عظيمة وألجأوهم إلى بحر طبرستان فكان من غرق أمثال من قتل.
قال صاحب كتاب الدول، وقال الصابي في الكتاب التاجي يقال إنّ المفقودين كانوا نيفا وعشرين ألفا. وقال حمزة بن الحسن الإصفهاني صاحب تاريخ إصفهان: كان المفقودون سبعة آلاف رجل، وكانت هذه الوقعة في سنة ثلاثمائة، واستقرّ أمر الناصر. والله أعلم.
ذكر سنة إحدى وثلاثمائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم اثنان وعشرون إصبعا بغير أذرع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبع واحد.
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المقتدر بالله أمير المؤمنين.
فيها قتل أحمد بن إسماعيل ملك خراسان. وكان سبب قتله كلام كثير ملخّصه أنّ ابن قارن صاحب جبل دنباوند استأمن إليه فأقام ببابه أياما كثيرة لم يصل إليه. فشكى ذلك إلى كندا تكين كنداجور الديلمي أحد قوّاد الملك أحمد
فقال له: هل حملت إلى مشايخ البلد شيئا؟ فقال: لا! فقال: هذا سبب عدم وصولك! ثم دخل كندا تكين إلى أبي الحسن الكاتب وسأله كيف سبب التوصّل؟ فقال الكاتب: يحتاج إلى ستّة آلاف دينار ترضي بها مشايخ الباب! فمضى الديلمي وعرّف ابن قارن ذلك؛ فاقترض من التجّار ستّة آلاف دينار وسلّمها إليه فأوصلها كنداتكين إلى أبي الحسن الكاتب فأخذها وأوصل ابن قارن إلى الملك أحمد وقرّبه وأنزله وسرّ بمقدمه. ثم قال لأبي الحسن: تعرّف منه هل عوده إلى بلاده أحبّ إليه أم بقاؤه؟! فسأله أبو الحسن فاختار العود إلى بلاده فخلع عليه (281) خلعا تصلح للملوك، وحمل بين يديه عشر بدر، وقاد بين يديه عشرة أفراس بمراكب الذهب، وردّه إلى بلاده مكرّما، وكتب إلى أمراء الأعمال بإنزاله وإكرامه، وصرفه مكرّما شاكرا. فلمّا وصل مرو-وكان واليها يومئذ صعلوك المقدّم ذكره-فأنزله وأكرمه وسأله: كيف رأيت السيّد؟ قال: أمّا رؤيته فاشتريتها بستّة الاف دينار! قال: ممّن؟ قال: من أبي الحسن الكاتب! فكتب صاحب الخبر بذلك لوقته وابن قارن لا يشعر! فلمّا ورد الكتاب على الملك أحمد كتب من ساعته بردّ ابن قارن بحيث ما أدرك، وأن يترك كلّ ما معه يمضي إلى بلاده ويرجع في خمسة غلمان. ثم ركب أحمد بعد ذلك إلى صيد السبع بشاطئ جيحون. فأدرك الرسول ابن قارن بمرو بعد فرجع بهم إلى أحمد وهو في الصيد، فلمّا لقيه قال له أحمد: يا أبا منصور! رددناك وشغلنا قلبك! ثم قال له: ضع يدك على رأسى! فوضعها. فقال: أقسم بها كم غرمت على بابي؟! قال: ستّة آلاف دينار، ولو وصلت إليك بأولادي الستة لكان قليلا! قال:
ومن أخذها منك؟ فقال: أبو الحسن الكاتب! فجدّد له أحمد صلة أخرى، واستدعى أبا الحسن وقال: رجل غريب ترك نعمته من غير خوف ولا لنا في بلاده طمع، جاء إلينا بنفسه، وأهدى إلينا الهدايا الخطيرة تفعل معه ما فعلت؟! كأنك ما تذكر مجيئك إليّ ودرّاعتك ما تساوي ستّة دراهم! أنا لك بهذه إذا عدنا إلى بخارى. ثم اتّفق صيد السبع وعزم على العود فعلم أبو الحسن أنّه إن أصبح ودخل بخارى ناله بعقوبة وهلاك واستئصال نعمة، فعمل على قتله،
وأجابه إلى ذلك الغلمان بعد أن وعدهم وحلف لهم (282) أنّه يبايع لإسحاق بن أحمد عمّ أحمد بن إسماعيل ويزيدهم في أرزاقهم، ويجعل كلّ واحد من قوّادهم أميرا على بلد، وأمر الخازن وصاحب الكسوة بقتله وضمن لهما مالا جزيلا. فدخلا عليه في قبته وذبحاه فيها. ذكر الوزير أبو القاسم المغربي في أخبار خراسان أنه كان لأحمد بن إسماعيل أسدان داجنان يربضان على باب البيت الذي فيه مبيته كلّ ليلة فلا يتمكّن أحد أن يلمّ به، وأنّه تغافل تلك الليلة فلم يربضهما على باب القبّة فقتل. وكان قتله في سنة إحدى وثلاثمائة. فكانت مدّة ملكه سبع سنين وأشهرا. وكان من أجمل الناس صورة، وأحسنهم سيرة. ولمّا قتل لقّب بالشهيد.
أولاده: الأكبر أبو العباس الفضل، ويليه أبو الحسن نصر، وأبو زكريا يحيى، وأبو إسحاق إبراهيم، وأبو صالح منصور.
قام بالأمر بعده من ولده أبو الحسن نصر بن أحمد بن إسماعيل. لقّبه أصحابه في حياته بالمؤيّد، وبعد مماته بالسعيد. ذكر ذلك غرس النعمة في تاريخه. وجرى بعد قتلة أحمد بن إسماعيل أمور وحروب وأحوال يطول شرحها بين أبي الحسن وبين عمّ أبيه إسحاق بن أحمد. وآخر الأمر استقرّ الحال على استمرار أبي الحسن نصر بن أحمد بن إسماعيل في الملك إلى حين وفاته في تاريخ ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
<في هذه السنة ولد سيف الدولة ابن حمدان>.