الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استدان من رجل فقيه دينا إلى أجل وأتى به للشهود ليكتبوا له مسطورا على الأعرابي فقالوا له: ما اسمك؟ فقال: مازن. قال: ابن من؟ قال: ابن مانع.
قال: ابن من؟ قال: ابن مدافع. قال: من أهل أين؟ قال: من النكّاريّة-وهي قرية من قرى حوف مصر. فقال الفقيه: العتق يلزمني لا بماملتك يا أخا العرب! اسمك ونسبك وبلدك يدلّ على وفائك! نظيرها قيل: أتى أعرابيّ إلى حانوت الشهود يكتب عليه مسطورا بدين فقيل له: ما الاسم؟ قال: شاهين بن عقاب بن سنقر من الطيرية! فقال كبير الشهود لصاحب الدين: إن كنت من العفاريت الطيّارة كتبت لك عليه حتّى تلحق دينك!
ولنعد إلى سياقة التاريخ.
فيها ولّى المنصور خالد بن برمك فارس حربها وخراجها؛ ولم تكن قبله اجتمعت لغيره. وكانت الدفاتر في الدواوين صحفا مدرجة فأول من جعلها دفاتر من جلود وقراطيس خالد بن برمك. وأول من اتّخذ الأتراك من الخلفاء المنصور؛ اتّخذ حمّادا ثم اتّخذ المهدي مباركا ثم اقتدى بهما الخلفاء وسائر الناس. والله أعلم.
ذكر سنة سبع وثلاثين ومائة
النيل المبارك في هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع:
ما لخّص من الحوادث
الخليفة المنصور عبد الله بن محمد بن عليّ. وصالح بن عون على حرب مصر. والمثنّى بن زياد على الخراج. والقاضي غوث بن سليمان بحاله.
فيها تغيّر المنصور على أبي مسلم الخراساني لأسباب صدرت منه بعد موت السفّاح فعزم على قتله، وبقي حائرا بين الاستبداد برأيه في أمره والاستشارة فقال يوما لسلم بن قتيبة: ما ترى في أمر أبي مسلم؟ قال: {لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَاّ اللهُ لَفَسَدَتا} فقال: حسبك يا ابن قتيبة! لقد أودعتها أذنا واعية. ولم يزل المنصور يخدعه، وينصب له الحبائل حتّى أحضره إليه. وكان أبو مسلم ينظر في كتب الملاحم ويجد خبره فيها، وأنه مميت دولة ومحيي دولة، وأنه يقتل ببلاد الروم.
وكان المنصور يومئذ برومية المدائن التي بناها كسرى ولم يخطر بقلب أبي مسلم أنها موضع قتله بل راح وهمه إلى بلاد الروم؛ فلمّا دخل على المنصور رحّب به وأمره بالانصراف إلى مخيّمه، وانتظر المنصور فيه الفرص والغوائل. ثم إنّ أبا مسلم ركب إليه مرارا فأظهر له أنه متمرّض فلازمه ثم جاءه فقيل إنه يصلّي وإنه يتوضّأ للصلاة؛ فجلس تحت الرواق وقد رتّب له المنصور جماعة بقفون وراء الستر الذي خلف أبي مسلم فإذا عاتبه لا يظهرون حتّى يضرب يدا على يد فحينئذ يظهرون فيضربون عنقه. ثم جلس المنصور وقد تدرّع من تحت ثيابه خشية من أبي مسلم.
ودخل عليه أبو مسلم فسلّم وسأل فردّ عليه بخير ثم آذنه في الجلوس وحادثه ساعة، ثم عاتبه وقال: فعلت وفعلت! فقال أبو مسلم: ما يقال هذا لمثلي وقد بلغ من سعيي واجتهادي ومناصحتي وما كان مني! فقال له المنصور: يا ابن الخبيثة! إنما فعلت ذلك بجدّنا وحظّنا، ولو أنّ مكانك أمة سوداء لعملت ما عملت أنت! ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك قبلي؟ ألست الكاتب تخطب عمّتي آسية، وتزعم أنك من ولد سليط بن عبد الله بن عبّاس؟! لقد ارتقيت لا أمّ لك مرتقى
صعبا. فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبّلها ويعتذر ويتنصّل؛ فقال له المنصور وهو آخر كلامه له: قتلني الله إن لم أقتلك! ثم صفّق بإحدى يديه على الأخرى فخرج إليه القوم وخبطوه بسيوفهم، والمنصور يصيح: إضربوا! قطع الله أيديكم! وكان أبو مسلم قد قال عند أول ضربة: استبقني يا أمير المؤمنين لعدوّك! قال: لا أبقاني الله إذا أبدا إن أبقيتك، وأيّ عدوّ هو أعدى منك؟! وكانت قتلته يوم الخميس لخمس بقين من شعبان. وقيل: لليلتين بقيتا منه. وقيل: قتل يوم الأربعاء لسبع ليال خلون من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة. وقيل: سنة أربعين ومائة برومية المدائن وهي بليدة بالقرب من الأنبار على دجلة بالجانب الشرقي معدودة من مدائن كسرى.
قلت: نظرت في مسوّداتي: ملكان إسلاميان أول اسم كلّ منهما عين قتل كلّ واحد منهما ثلاثة ملوك أول اسم كلّ واحد عين؛ فأحدهما عبد الملك بن مروان قتل عبد الله بن الزبير، وعمرو بن سعيد بن العاص الأشدق، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. والآخر عبد الله المنصور هذا قتل عمّه عبد الله بن عليّ، وعبد الجبّار بن عبد الرحمن والي خراسان، وعبد الرحمن أبا مسلم هذا. وروي أنه قال له حين أراد قتله: هل كنت قبل قيامك بدولتنا جائز الأمر على عبدين؟ قال: لا يا أمير المؤمنين! قال: فلم لا تعرض حالتي عسرتك ومهابتك على أيّامنا، وتعرف لنا ما يعرف غيرك من إجلالنا وإعظامنا حتّى لا ينازعك الحين عنان الطمأنينة؟ قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين؛ ولكنّ الزمان وإساآته قلبا ما كان من حسن صنيعي. قال: فلا مرغوب فيك، ولا مأسوف عليك، وقى الله تعالى خلقه منك! وأمر بقتله فقتل. ثم أدرجه في بساط. ودخل عليه جعفر بن حنظلة فقال له المنصور: ما تقول في أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل! فقال المنصور: وفّقك الله! ها هو ذاك في البساط! فلمّا نظر إليه مقتولا،
قال: يا أمير المؤمنين! عدّ هذا اليوم من أول خلافتك جديدا لا أبقى الله لك عدوا! فأنشد المنصور (من الطويل):
وألقت عصاها واستقرّ بها النوى
…
كما قرّ عينا بالإياب المسافر
ثم أقبل على من حضر وأنشد (من السريع):
زعمت أنّ الدين لا يقتضى
…
فاستوف بالكيل أبا مجرم
إشرب بكأس كنت تسقي بها
…
أمرّ في الحلق من العلقم
ثم نظر إلى أبي مسلم طويلا وهو طريح بين يديه وأنشد (من الطويل):
طوى كشحه عن أهل كلّ مشورة
…
وبات يناجي عزمه ثمّ صمّما
وأقدم لمّا لم يجد عنه مذهبا
…
ومن لم يجد بدّا من الأمر أقدما
ومن هاهنا أخذ أبو عبادة البحتري قوله في مدح ابن خاقان لمّا قتل الأسد من قصيدة يقول (من الطويل):
فأحجم لمّا لم يجد فيك مطمعا
…
وأقدم لمّا لم يجد عنك مهربا
وكنت في وقت بحضرة القاضي علاء الدين ابن عبد الظاهر رحمه الله