الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رابعا: الفقه الحنفي:
يختلف الحنفية في حكمهم على المخدرات تشديدا أو تخفيفا، وليس في التخفيف أدنى من إباحة القدر اليسير بدون قصد اللهو والباطل، وليس في التشديد حكم بحد المتعاطي ولا بنجاسة المادة، وبهذا يقول جماعة من الشافعية، وهو مفاد ما نقلناه عن المالكية إلا في الحشيشة إذا عرف إسكارها فلها حكم الخمر في القليل والكثير، كما تقدم تفصيل ذلك، وكلهم مجمعون على حرمة التخدير والسكر، وفي كلام بعض الحنفية أن الخلاف في القليل كان قبل ظهور مفاسدها، فلما ظهرت أجمعوا على حرمة القليل والكثير مما يدل على اتساع أفق الفقه، وأن الفقهاء فيما لم يرد فيه نص بين يقولون بدوران الحكم مع علته، ويلتمسون ما في الفعل من نواحي النفع الخالص أو الراجح والضرر الخالص أو الراجح كما أشرنا إلى ذلك من قبل، وإليك من عبارات الحنفية ما يبين رأيهم واختلاف وجهة نظرهم في دائرة متقاربة لا تخرج عن تحريم المخدرات.
يقول الإمام التمرتلي في شرحه لمتن القدوري (1): ولا يجوز أكل البنج والحشيشة والأفيون، وذلك كله حرام؛ لأنه يفسد العقل حتى يصير الرجل فيه خلاعة وفساد، ويصده عن ذكر الله وعن الصلاة، لكن تحريم ذلك دون الخمر، فإن أكل شيئا من ذلك لا حد عليه، وإن سكر كما إذا شرب البول وأكل الغائط فإنه حرام ولا حد فيه بل يعزر بما دون الحد) أهـ.
وهي عبارات موجزة محدودة أطلق فيها التحريم وأوجب التعزير ولم يقل بالحد كما هو قول الجمهور من الفقهاء؛ لأن حرمتها كما قال دون حرمة الخمر التي تثبت حرمتها بالقرآن الكريم والسنة وإجماع المسلمين وعلمت من الدين بالضرورة.
ويقول صاحب فتح المعين وهو الشيخ أبو السعود المفتي الحنفي في حاشيته على
(1) شرح الجوهرة على متن القدوري 2/ 270.
ملا مسكين شارح الكنز في كتاب الأشربة: تنبيه: لم يتعرض المصنف للحشيشة وهي حرام كما في منظومة ابن وهبان:
وأفتوا بتحريم الحشيش وحرقه
…
وزندقة للمستحل وقرروا
لبائعه التأديب والفسق أثبتوا
…
وزندقة للمستحل وحرروا
فهذه المنظومة تنص على تحريم الحشيش بإطلاق وعدم تفرقة بين قليل وكثير، وأن بائعه يعزر تأديبا له وعلى الحكم بفسق مستحله، وأنه زنديق والزندقة لا تثبت إلا لمن خالف في أمر ضروري أو كالضروري، ثم يقول أبو السعود بعد نقل ما في المنظومة: وفي التنوير: يحرم أخذ الحشيشة والبنج والأفيون لكن دون حرمة الخمر، فإن أكل شيئا منه لا حد عليه وإن سكر بل يعزر بما دون الحد، وكذا تحريم جوزة الطيب، لكن دون حرمة الحشيشة. قاله مصنف التنوير. أهـ.
وهذا قريب مما نقلناه عن الجوهرة، ونقل عن الجامع وغيره من قال بحل البنج والحشيشة فهو زنديق مبتدع، بل قال نجم الدين الزاهد أنه يكفر ويباح قتله. أهـ.
وهذا حكم بالردة يتفق مع قول ابن تيمية في تكفير المستحل وهو قريب من القول بالزندقة الذي قاله ابن وهبان في منظومته، والتشديد الذي ذهب إليه كل من ابن تيمية وابن وهبان والزاهد يتفق مع صرامة الإسلام في منع الفساد ومقاومة الجريمة بكل وسيلة، وهذا حق؛ لأن مستحل هذه الأشياء كأنه يستحل الخمر التي أراد الشارع تحريمها بتاتا محافظة على العقل والنفس والمال، وبقية الخمسة التي أوضحنا كيف تكون الجناية عليها في تعاطي المخدرات، ثم يقول أبو السعود: وأما التتن (الدخان) فقد حكى في الدر أولا عن شيخه النجم الغزي الشافعي أنه حرام). اهـ. وأطال في ذلك بما نرجئه للكلام على الدخان إن شاء الله.
وفي الدر المختار على متن التنوير وحاشية ابن عابدين عليه (1) قال صاحب الدر: نقل في الأشربة عن الجوهرة حرمة أكل حشيش وبنج وأفيون. . .)
(1) ج4 ص42 طبع الحلبي.
وتقدم لنا إيراده، ثم قال صاحب الدر: وفي النهر التحقيق ما في العناية أن البنج مباح؛ لأنه حشيش، أما المسكر منه فحرام وقد علمت أن هذا رأي دارج في المذاهب غير أنه في التحقيق ضعيف لا يستند إلى دليل وهو يدفع بأن ما أسكر كثيره فقليله حرام، وأن ذلك مقتضى سد الذرائع ودفع الفساد؛ لأن القليل يفضي إلى الكثير طبعا ولهذا نقل ابن عابدين في هذا الموضع عن التهتاني عن متن البزدوي أنه يحد من سكر من البنج في زماننا على المفتي به ومعنى ذلك أن الفساد اقتضى سد الباب، والفتوى للتحريم وإيقاع الحد على من سكر من المخدر كما يعامل شارب الخمر، فكيف إذا رأوا ما نحن فيه بين المستهترين؟ ثم قال ابن عابدين في المنح عن الجوهرة: لو سكر من البنج وطلق تطلق امرأته زجرا وعليه الفتوى، ثم أحال ابن عابدين على ما ذكره في أول كتاب الطلاق من حاشيته على التنوير من أن العلامة قاسما صحح القول بأن من سكر من البنج والأفيون ثم طلق امرأته تطلق زجرا له، ونقل في الطلاق عن النهر عن البدائع أن الطلاق لا يقع؛ لأنه ليس معصية، ويبدو أن صاحب البدائع قال ذلك قبل ظهور الفساد باستعمال هذه الأشياء، وقال صاحب النهر إن الحق التفصيل بين إذا كان للتداوي أو غيره، فإن كان استعمال الأفيون ونحوه للهو وإدخال الآنفه فينبغي أن لا يتردد في وقوع الطلاق.
والذي ورد في كتاب الطلاق في الدر (3/ 230) أنه يقع طلاق السكران، ولو كان من الأفيون أو الحشيش زجرا للمطلق، ثم نقل عن الفتح اتفاق مشائخ الحنفية والشافعية على وقوع طلاق من غاب بالحشيش لفتواهم بحرمته بعد أن اختلفوا فيها، وكان اختلافهم لأن المتقدمين لم يتكلموا فيها بشيء لعدم ظهور أمرها فيهم، فلما ظهر أمرها بالفساد وفشا عاد مشائخ المذهبين إلى حرمتها، وأفتوا بوقوع طلاق من زال عقله بها، ونقل ابن عابدين في هذا الموضع عن تصحيح القدوري عن الجواهر: وفي هذا الزمان إذا سكر من البنج أو الأفيون يقع طلاقه زجرا وعليه الفتوى، وهذه النقول تصور