الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نص الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر يا كريم
الحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين وبعد: -
ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «قال النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك. فواعدهن يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها، إلا كان لها حجابا من النار. فقالت امرأة: واثنين؟ قال: واثنين (1)» .
هذا يدل على أن مجالس النبي صلى الله عليه وسلم للفقه في الدين والتذكير ونحو ذلك - لم يكن النساء يحضرنها مع الرجال، وإنما كن يشهدن الصلوات في مؤخر المساجد ليلا، ثم ينصرفن عاجلا، وكن يشهدن العيدين مع المسلمين منفردات عن الرجال من ورائهم، ولهذا «لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد رأى أنه لم يسمع النساء، فلما فرغ جاء ومعه بلال إلى
(1) أخرجه البخاري (كتاب الجنائز)(باب فضل من مات له ولد فاحتسب) رقم 1249 (فتح)، ومسلم في الصحيح (كتاب البر والصلة والآداب)(باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه) رقم 2633، وأحمد في المسند 3/ 34، 72.
النساء، فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة، وأجلس الرجال حتى يفرغ من موعظة النساء (1)».
وأصل هذا، أن اختلاط النساء بالرجال في المجالس بدعة كما قال الحسن البصري. فلذلك قال له النساء: يا رسول الله، غلبنا عليك الرجال.
وقد روي (182 / ب).
من حديث أبي هريرة، «أن النساء قلن: يا رسول الله، إنا لا نقدر على أن نجالسك في مجلسك فقد غلبنا عليها الرجال، فواعدنا موعدا نأتيك. قال: موعدكن بيت فلانة. فأتاهن فحدثهن (3)».
وقد أمره الله تعالى أن يبلغ ما أنزل إليه: للرجال والنساء، وأن يعلمه الجميع، كما قال له:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} (4). الآية.
(1) أخرجه البخاري في الصحيح (كتاب العيدين)(باب موعظة الإمام النساء يوم العيد) رقم 978 (فتح)، ومسلم في الصحيح (كتاب صلاة العيدين) رقم 884، 885 والحميدي في مسنده 1/ 224، 476، والبيهقي في السنن الكبرى 3/ 296 والفريابي في أحكام العيدين / 32.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 19/ 138 (الفتح الرباني)، والبخاري في الأدب رقم 148.
(3)
في المسند: بيت فلان. (2)
(4)
سورة الأحزاب الآية 59
(5)
سورة النور الآية 31
فامتثل ما أمره الله تعالى، ووعدهن مجلسا خاصا لهن، في بيت امرأة، ولعل تلك المرأة كانت من أزواجه أو محارمه - والله أعلم بحقيقة ذلك - ثم وفى بموعده لهن، فأتاهن في يوم موعدهن، فوعظهن وأمرهن ونهاهن ورغبهن ورهبهن، فكان من جملة ما بشرهن به أن قال لهن:«ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها لم يبلغوا الحنث إلا كان لها حجابا من النار. فقالت امرأة: واثنين؟ قال: واثنين (1)» . وليس في هذا حد سالم (2).
وعمومه يدخل فيه من بلغ الحنث ومن لم يبلغه، والمصيبة بمن بلغ أعظم وأشق على النفوس.
والمصيبة بمن لم يبلغ أهون وأخف، وقد جاء تقييده في حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (183 / أ): «ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم (3)» . خرجاه في الصحيحين.
والمراد بالحنث الإثم (4)، والمعنى أنه لم يجر عليه الإثم ببلوغه العمر الذي يكتب عليه الإثم فيه. وهو ببلوغ الحلم وعلل: بفضل رحمة الله إياهم. يعني أن الله يرحم أطفال المسلمين رحمة تامة، حتى تفضل عنهم، فيدخل آباؤهم في فضل تلك الرحمة. وهذا مما يستدل (به)(5) على أن أطفال المسلمين في الجنة.
(1) أخرجه مسلم في الصحيح عن أبي هريرة رقم 2634 من غير تحديد لمكان الاجتماع.
(2)
ما بين الحاصرتين علق في الهامش بخط باهت. وهذا ما استظهرته.
(3)
البخاري في الصحيح رقم 1381 (فتح)، وأحمد في المسند 3/ 152، والنسائي في المجتبى 4/ 24، وابن ماجه في السنن رقم 1605، وابن حبان في الصحيح رقم 721 (موارد) ولم يخرجه مسلم من حديث أنس.
(4)
ينظر ابن حجر فتح الباري 3/ 120.
(5)
زيادة يقتضيها السياق.
وقد قال الإمام أحمد (1): ليس فيهم اختلاف أنهم في الجنة (2) - وضعف ما روي مما يخالف ذلك أيضا (3) - و (لا)(4) أحد يشك أنهم في الجنة (5): قال: وإنما اختلفوا في أطفال المشركين (6).
وقال أيضا: هو يرجى لأبويه فكيف يشك فيه (7)!! يعني أنه يرجى لأبويه دخول الجنة بسببه، فكيف يشك فيه!
ولذلك نص الشافعي (8) على أن أطفال المؤمنين في الجنة (9)، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس وكعب.
وخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير، تسرح في الجنة حيث شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش (10). وخرج البيهقي من رواية ابن عباس عن كعب نحوه (11).
وفي صحيح مسلم «عن أبي هريرة، أن رجلا قال له: مات لي ابنان
(1) أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ثقة حافظ فقيه حجة إمام ت 241. التقريب / 84.
(2)
نقله المؤلف من رواية جعفر بن محمد عنه. كتاب الأهوال / 101.
(3)
كتاب الأهوال / 105.
(4)
زيادة يقتضيها السياق.
(5)
رواية الميموني عنه. كتاب الأهوال / 101.
(6)
كتاب الأهوال / 104.
(7)
نقله المؤلف عنه في كتاب الأهوال / 106.
(8)
أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي نزيل مصر. فقيه أصولي محدث ت 204 / التقريب / 467.
(9)
ينظر المؤلف أهوال القبور / 101.
(10)
ورواه الثوري والأعمش عن أبي قيس عن هذيل من قوله. ذكرهما المؤلف في الأهوال عن ابن أبي حاتم / 102.
(11)
البعث والنشور رقم 206.
(12)
الصحيح (كتاب البر والصلة والآداب) رقم 2635، وأخرجه أحمد في المسند 2/ 477، 510.
فما أنت محدثي عن رسول الله (183 / ب) صلى الله عليه وسلم بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا. فقال: نعم، صغارهم دعاميص (2) الجنة».
وخرج النسائي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله بفضل رحمته إياهم الجنة. قال: يقال لهم: ادخلوا الجنة. فيقولون: حتى يدخل أبوانا. فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم (5)» .
وخرج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث معاذ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«والذي نفسي بيده، إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة، إذا احتسبته (6)» .
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه أيضا من حديث عتبة بن عبد السلمي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء
(1) هو أبو حسان كما في الصحيح. (12)
(2)
(1) الجنة، يتلقى أحدهم أباه - أو قال: أبويه - فيأخذ بثوبه - أو قال: بيده - كما آخذ أنا بصنفة ثوبك، فلا يتناهى - أو قال: ينتهي - حتى يدخله الله وإياه في الصحيح: وأباه.
(3)
المجتبى 4/ 25 (مع السيوطي)، وأخرجه أحمد في المسند 2/ 510 والبيهقي في السنن 4/ 68.
(4)
في الأصل تعالى وهو تصحيف. (3)
(5)
في المجتبى آباؤنا. (4)
(6)
المسند 5/ 241 والسنن رقم 1609 وأخرجه أيضا مسدد وعبد بن حميد في مسنديهما كما في مصباح الزجاجة 1/ 533 والطبراني في الكبير كما في المجمع 3/ 9.
دخل (1)».
وفي رواية للإمام أحمد، «أن الله تعالى يقول للوالدان يوم القيامة: ادخلوا الجنة. فيقولون: يا رب حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا. قال: فيأبون. فيقول الله عز وجل: مالي أراهم محبنطيين؟ (3)». وروى الطبراني من حديث أنس نحوه وزاد (184 / أ) فيه: «أن يقال لهم في المرة الرابعة: ادخلوا ووالديكم معكم، فيثب كل طفل إلى أبويه فيأخذون بأيديهم، فيدخلونهم الجنة. فهم أعرف بآبائهم وأمهاتهم يومئذ من أولادكم الذين في بيوتكم (4)» .
وخرج الإمام أحمد والنسائي من رواية قرة (5)«أن رجلا كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه ابن له. فقال له: أتحبه؟ قال: أحبك الله كما أحبه. فمات ففقده فسأل عنه، فقال: أما يسرك أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته عندها. يسعى ليفتح لك - زاد الإمام أحمد - فقال رجل: له خاصة أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم (7)» .
وخرج الطبراني من حديث ابن عمر نحوه، ولكن قال فيه: فقال له
(1) المسند 19/ 140 (فتح) والسنن رقم 1604.
(2)
المسند 4/ 105 وقال الهيثمي: ورجاله ثقات، المجمع 3/ 11.
(3)
(2). ادخلوا الجنة. فيقولون: يارب آباؤنا. فيقول: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم
(4)
أخرجه أبو نعيم من طريق الطبراني كما في برد الأكباد / 26، وابن شاهين وابن عساكر في ذكر ثواب السقط كما في التسلية للمنبجي / 127.
(5)
قرة بن إياس المزني.
(6)
المسند 5/ 35 ونحوه 4/ 19، والمجتبى 4/ 23 واللفظ له، وأخرج طرفا منه ابن حبان في الصحيح رقم 725 (موارد).
(7)
في السنن: عنده. (6)
النبي صلى الله عليه وسلم: «أو ما ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش؟ قال: بلى يا رسول الله (1)» .
وفي المعنى أحاديث كثيرة جدا. وقد كان الصحابة يرجون ذلك عند موتهم، كما روي عن أبي ذر أنه لما حضرته الوفاة بكت أم ذر فقال لها: أبشري ولا تبكي؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة، فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبدا (2)» . وقد مات لنا ثلاثة من الولد.
والحديث الذي قبله يدل على أن أطفال المسلمين الموتى يلعبون تحت ظل (184 / ب) العرش، وفي حديث أبي هريرة أنهم دعاميص الجنة. والدعموص: دويبة صغيرة تكون في الماء. والمعنى أنهم يتربون في أنهار الجنة، ويغتمسون فيها، وفي رواية: ينغمسون في أنهار الجنة (3). يعني يلعبون فيها.
وقد روي أنه يكفلهم إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة عليها السلام.
وخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
(1) أخرجه في المعجم الكبير من حديث إبراهيم بن عبيد كما في المجمع 3/ 10.
(2)
مسند أحمد بن حنبل (5/ 155).
(3)
ذكرها ابن ناصر الدين في برد الأكباد / 23.
قال: «ذراري المؤمنين يكفلهم إبراهيم في الجنة (1)» . وخرجه الإمام أحمد مع نوع شك في رفعه، ووقفه على أبي هريرة (2).
وروي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا: «أولاد المسلمين في جبل في الجنة، يكفلهم إبراهيم وسارة عليهما السلام، فإذا كان يوم القيامة دفعوا إلى آبائهم» . خرجه البيهقي وغيره مرفوعا، ويشهد لذلك ما في صحيح البخاري، عن سمرة بن جندب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أتاني الليلة آتيان، - فذكر حديثا طويلا وفيه، إن الملكين فسراه له، وأنهما جبريل وميكائيل، وأنه من جملة ما رأى - رجلا طويلا في روضة وحوله ولدان وقالا له: الرجل الطويل في الروضة إبراهيم، والولدان حوله كل مولود مات على الفطرة. فقال رجل. يا رسول الله (185 / أ) وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين (3)» .
(1) موارد الظمآن للهيثمي رقم 1826 وأما رواية الحاكم فستأتي قريبا بغير هذا اللفظ، وقد أخرجه أيضا أحمد في المسند 24/ 180 (فتح) وأبو بكر بن أبي داود في كتاب البعث كما في الكنز 14/ 472.
(2)
المسند 2/ 326 وانظر الأهوال للمؤلف / 102.
(3)
الصحيح رقم 7047 وأحمد في المسند 5/ 14 - 15.
وقد روي أنهم يرضعون من شجرة طوبى. وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن خالد بن معدان (1) قال: «إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى. ضروع كلها. ترضع صبيان أهل الجنة، وإن سقط المرأة يكون
(1) أبو عبد الله الكلاعي الحمصي، ثقة عابد يرسل كثيرا ت 103 تقريب / 190.
في (نهر من) أنهار (الجنة) يتقلب فيه حتى يوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة (2)». كذا قال.
وفي حديث المقدام بن معدي كرب المرفوع: «إن ما بين السقط والهرم، يبعثون أبناء ثلاثين سنة (3)» . وفي رواية: «أبناء ثلاث وثلاثين (4)» .
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن خالد بن معدان قال: «إن في الجنة شجرة يقال: لها طوبى كلها ضروع، فمن مات من الصبيان الذين يرضعون يرضع من طوبى. وحاضنهم إبراهيم عليه السلام (5)» . وروى الخلال بإسناده عن عبيد بن عمير: «إن في الجنة شجرة لها ضروع كضروع البقر، يغذى به ولدان أهل الجنة، حتى إنهم يستنون كاستنان البكارة (6)» .
وبعض الأطفال له مرضع في الجنة، مثل «إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لما مات قبل أن يفطم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن له مرضعا في الجنة تكمل رضاعه فيها (7)». وفي رواية " ظئرا "(8). وفي رواية: «إن له
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير كما في بشرى الكئيب / 89 وذكره المؤلف في الأهوال / 102.
(2)
ساقط من الأصل. (1)
(3)
أخرج الترمذي في الجامع رقم 2565 نحوه (عن أبي سعيد الخدري) بلفظ: من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون أبناء ثلاثين في الجنة. الخ ورقم 2548 عن معاذ بن جبل بلفظ: يدخل أهل الجنة جردا مردا مكحلين أبناء ثلاثين. . . . الخ.
(4)
أخرجه أحمد في المسند 24/ 200 (فتح) وأبو بكر بن أبي داود كما في حادي الأرواح / 189.
(5)
ذكره السيوطي في بشرى الكئيب / 88.
(6)
ذكره المؤلف في الأهوال / 102 وأخرجه ابن أبي الدنيا في العري كما في بشرى الكئيب / 89.
(7)
أخرجه البخاري في الصحيح رقم 1382 وأحمد في المسند 4/ 289 وابن ماجه في السنن رقم 1510 وابن سعد في الطبقات 1/ 139.
(8)
أخرجه ابن سعد في الطبقات 1/ 140.
مرضعين يكملان رضاعه في الجنة (1)»، «وكان النبي صلى الله عليه وسلم (185 / ب) قد حضره وهو يكيد بنفسه، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال: تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون (3)» . وفي رواية: «ولولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وأنها سبيل مأتية، وأن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا (4)» .
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب العزاء، من حديث زرارة بن أوفى، «أن النبي صلى الله عليه وسلم عزى رجلا على ابنه فقال الرجل: يا رسول (الله)، أنا شيخ كبير وكان ابني قد أجزا عنا. فقال: أيسرك، قد نشر لك، أو يتلقاك من أبواب الجنة بالكأس؟ قال: من لي بذاك يا رسول الله؟ قال: الله لك بهن ولكل مسلم مات له ولد في الإسلام (6)». وبإسناده عن عبيد بن عمير قال: «إذا كان يوم القيامة خرج ولدان المسلمين من الجنة بأيديهم الشراب، فيقول الناس: اسقونا اسقونا. فيقولون: أبوينا أبوينا. حتى السقط محبنطيا بباب الجنة يقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي» . وفي المعنى
(1) أخرجه مسلم في الصحيح رقم 2316 وأحمد في المسند من طريق أنس بلفظ إن له لظئرين تكملان. . الخ.
(2)
أخرجه البخاري في الصحيح رقم 1303 ومسلم في الصحيح رقم 2315 وأحمد في المسند 22/ 100 (فتح) واللفظ لهما.
(3)
يقارب بها الموت فتح الباري 3/ 174. (2)
(4)
أخرجه ابن سعد في الطبقات 1/ 38 والطبراني كما في الفتح 3/ 174 وابن أبي شيبة في المصنف 4/ 168.
(5)
أخرج قريبا منه أحمد في المسند 5/ 35 والنسائي في المجتبى 4/ 118 والحاكم في المستدرك 1/ 384 والبيهقي في السنن 4/ 59.
(6)
زيادة يقتضيها السياق. (5)
حديث مرفوع من رواية ابن عمر لكن إسناده لا يصح وهو باطل، قاله أبو حاتم الرازي (1).
وفي المعنى رؤيا إبراهيم الحربي (2). المشهورة حتى (86 / أ) صار يتمنى موت ابنه. ومات قبل البلوغ (3)، وروى البيهقي بإسناده عن ابن شوذب (4)، أن رجلا كان له ابن لم يبلغ الحلم، فأرسل إلى قومه: إن لي إليكم حاجة: إني أريد أن أدعو على ابني هذا أن يقبضه الله، وتؤمنون (5) فسألوه عن ذلك، فأخبرهم أنه رأى في نومه كأن الناس جمعوا إلى القيامة، فأصاب الناس عطش شديد، فإذا الوالدان قد خرجوا من الجنة معهم الأباريق، فأبصرت ابن أخ لي فقلت: يا فلان اسقني. فقال: يا عم إنا لا نسقي إلا آباءنا. قال فأحببت أن يجعل الله ولدي هذا فرطا لي (6). فدعا فأمنوا. فلم يلبث الغلام إلا يسيرا حتى مات.
وفي أكثر الأحاديث ذكر الثلاثة والاثنين. وفي بعضها وأظن لو قلنا وواحدا لقال: وواحدا. خرجه أحمد من حديث جابر (7).
وقد جاء ذكر الواحد في حديث، خرج الترمذي وغيره من حديث
(1) محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي أحد الحفاظ ت 277 تقريب / 467.
(2)
أبو إسحاق من تلاميذ الإمام أحمد زاهد ورع فقيه محدث ت 285 طبقات الحنابلة 1/ 86.
(3)
ذكرها ابن ناصر الدين في برد الأكباد / 29.
(4)
أبو عبد الرحمن عبد الله الخرساني. صدوق عابد ت 156 تقريب / 308.
(5)
أي على دعائه
(6)
يقال: افترط ولدا أي مات ولده قبل الحلم. ترتيب القاموس 3/ 475
(7)
المسند 19/ 139 قال الهيثمي: ورجاله ثقات المجمع 3/ 7.
ابن مسعود مرفوعا: «من قدم ثلاثة لم يبلغوا الحنث كانوا له حصنا حصينا. فقال أبو ذر: قدمت اثنين. فقال: واثنين. فقال أبي بن كعب: قدمت واحدا. قال: وواحدا، ولكن إنما ذاك عند الصدمة الأولى (1)» . وفي الترمذي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم:«من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة. فقالت عائشة: ومن كان له فرط من أمتك. قال: ومن (186 / ب) كان له فرط من أمتي يا موفقة. قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: فأنا فرط أمتي، لن يصابوا بمثلي (4)» ويشهد له قوله صلى الله عليه وسلم في آخر خطبة خطبها: «إني فرطكم على الحوض (5)» يشير إلى أنه يتقدمهم ويسبقهم إلى الحوض، وينتظرهم عنده.
وفي حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا: «من مات ولم يقدم فرطا لم يدخل الجنة إلا تصريدا فقيل: يا رسول الله، وما الفرط؟ قال: الولد (أ) وولد الولد. والأخ يؤاخيه في الله عز وجل. فمن لم يكن له فرط، فأنا له فرط (8)» .
(1) الجامع رقم 1061 وأخرجه ابن ماجه في السنن رقم 1606 وأحمد في المسند 19/ 139 وابن خزيمة في صحيحه كما في تعجيل المنفعة / 377 وقال الترمذي حديث غريب 4/ 18.
(2)
الجامع رقم 1062 وأخرجه أحمد في المسند 19/ 142 وقال الترمذي: حسن غريب 4/ 18.
(3)
في الأصل: بهم. (2)
(4)
في الأصل: قال ومن قال ومن. وهو سهو من الناسخ. (3)
(5)
أخرجه مسلم في الصحيح رقم 2296.
(6)
أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العزاء عن رجاء بن جميل الأبلي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في برد الأكباد / 21. وأخرج نحوه الطبراني في الأوسط كما في المجمع 3/ 12.
(7)
التصريد: التقليل ترتيب القاموس2/ 812. (6)
(8)
ساقط من الأصل. (7)
وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة، في ذكر المنام الطويل عن النبي صلى الله عليه وسلم:«ورأيت رجلا من أمتي خف ميزانه، فجاءته أفراطه الصغار فثقلوا ميزانه (1)» .
وعن داود بن أبي هند (2). قال: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأن الناس يدعون للحساب فقدمت إلى الميزان، فوضعت حسناتي في كفة وسيئاتي في كفة، فرجحت السيئات على الحسنات، فبينا أنا كذلك مغموم، إذ أتيت بشيء كالمنديل أو كالخرقة البيضاء، فوضعت في حسناتي (فرجحت على السيئات) (3) فقيل لي: تدري ما هذا؟ قلت: لا. قال: سقط كان لك. قلت: إنه قد كانت لي صبية ابنة لي. فقيل لي: تيك ليست لك؛ لأنك كنت تتمنى موتها (4).
وفي (187 / أ) هذا إشارة إلى أن الميزان إنما يثقل بما يثقل على النفوس: من المصائب ويشق، فأما ما لا يثقل عليها ولا يشق لمن يتمنى موته من أولاده فلا يثقل به الميزان.
قال ابن أسلم (5): «مات ابن لداود عليه السلام فحزن عليه حزنا شديدا. فأوحى الله (إليه)(6): ماذا كنت مفتديه؟ قال: بطلاع (7) الأرض ذهبا. قال: فأوحى الله إليه: إن لك عندي من الأجر بحساب
(1) أخرجه الطبراني كما في المجمع 7/ 180 ونصر بن عبد الرزاق في الأربعين وابن عساكر كما في التسلية / 98، 115.
(2)
أبو بكر القشيري مولاهم البصري، ثقة متقن كان يهم بآخرة ت 140 تقريب / 200.
(3)
ساقط من الأصل.
(4)
أخرجه عبد الرحمن بن أبي حاتم كما في التسلية / 127 وذكره ابن ناصر الدين في برد الأكباد / 19.
(5)
أبو عبد الله زيد بن أسلم العدوي مولى عمر بن الخطاب، ثقة عالم وكان يرسل ت 136 تقريب / 222.
(6)
ساقط من الأصل.
(7)
الطلع: المقدار. ترتيب القاموس 3/ 88.
إذا مس بالسراء عم سرورها
…
وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
وما فيهما إلا له فيه نعمة
…
تضيق بها الأوهام والبر والبحر
لما كان للمؤمن داران: دار يرتحل منها، ودار ينتقل إليها ويقيم بها أمره أن ينقل من دار ارتحاله إلى دار إقامته؛ ليعمرها من بعض ما أعطاه في دار ترحاله.
وربما أخذ منه كرها ما يعمر به دار إقامته، ويكمل له به عمارتها وإصلاحها، ويقدم له إليها ما يحب من أهل ومال وولد، يسبقونه إليها؛ ليقدم على ما يحب من مال وأهل وولد، وإن كان المؤمن (187 / ب) لا يشعر بذلك.
فما فرق إلا ليجمع، ولا أخذ إلا ليرد، ولا سلب (إلا)(2) ليهب، ولا استرد العواري إلا ليردها تمليكا ثابتا لا استرجاع فيه بعد ذلك!!
وفي مراسيل الحسن، «أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لأن أموت قبل أخي أحب إلى. فقال: لأن يكون لك أحب إليك من أن تكون له (3)».
قال الحسن: علموا أن ما لهم من أهاليهم (إلا)(4). ما قدموا
(1) ذكره ابن ناصر الدين في برد الأكباد / 27.
(2)
زيادة يقتضيها السياق.
(3)
قال يحيى القطان في مراسيل الحسن البصري: ما أرسل من الحديث فليس بحجة. طبقات ابن سعد 7/ 158.
(4)
زيادة يقتضيها السياق.
أمامهم (1). وكذا قال عمر بن عبد العزيز (2) وغيره. ويشهد له حديث: «الرقوب من لم يقدم ولدا (4)» .
سبحان من أنعم على عباده بما خولهم من المال والولد، ثم استرجع بعض ذلك منهم كرها، وعوضهم الصلاة والرحمة والهدى وذلك أفضل مما أخذ كما قيل: شعر. . . . .
عطيته إذا أعطى سرورا
…
وإن أخذ الذي أعطى أثابا
فأي النعمتين أجل قدرا
…
وأحمد في عواقبها مآبا (5)
أرحمته التي جاءت بكره
…
أم الأخرى التي جلبت ثوابا
بل الأخرى وإن نزلت بضر
…
أجل لفقد من صبر احتسابا
آخره، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا (6).
الوليد بن عبد الرحمن الفريان
(1) أخرج نحوه أبو نعيم في الحلية 2/ 141.
(2)
ابن مروان بن الحكم الأموي، أمير المؤمنين ويعد من الخلفاء الراشدين ت101 تقريب / 415.
(3)
أخرجه أحمد في المسند 1/ 382، 383 ومسلم في الصحيح رقم 2608.
(4)
الرقوب: التي لا يبقى لها ولد أو مات ولدها. ترتيب القاموس 2/ 372. (3)
(5)
في الأصل: مآبا، إيابا.
(6)
إلى هنا انتهت الرسالة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ".