الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ج)
أنواع الاحتساب ودرجاته:
للاحتساب أنواع مختلفة بحسب النظر إلى المحتسب عليهم، أو النظر إلى القائمين بالاحتساب، فإذا نظرنا في تقسيمه من هذا الوجه فيكون على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: دعوة الأمة الإسلامية الأمم الأخرى إلى الإسلام وذلك من مقام الشهادة والريادة الذي جعله الله خاصية لهذه الأمة، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (1).
والشهادة على الأمم هي دعوتهم إلى الإسلام وإقامة الحجة عليهم ليوم القيامة.
النوع الثاني: الدعوة الخاصة بالمسلمين والتي يقوم بها العلماء والوعاظ والدعاة المربون. ومصدرها قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (2).
وقوله تعالى مبينا ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين من الطاعة والانقياد: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} (3).
(1) سورة البقرة الآية 143
(2)
سورة المائدة الآية 2
(3)
سورة النور الآية 51
وقوله في وصف المؤمنين الناجين من الخسران: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (1).
النوع الثالث: الدعوة الجزئية وتكون بين الأفراد بعضهم بعضا وهي أكثر المراتب التصاقا بموضوع الاحتساب، لأن ترك المعروف وإتيان المنكر إنما يظهر أولا في الأفراد، فإذا تمادوا ولم يردعهم رادع، أصبح المنكر معروفا والمعروف منكرا- كما هو مشاهد - والدليل على هذه المرتبة قوله تعالى:{فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} (2){سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} (3){وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} (4).
أما درجات الاحتساب فإنها تتفاوت بجسب تحقيق بعض الصفات في المحتسب، كالقدرة أو العجز والقوة أو الضعف، والعلم أو الجهل.
فالدرجة الأولى: وهي أعلاها أن يغير المنكر بيده بمعنى أن يزيله فعلا ولو اقتضى الأمر استعمال القوة، والاستعانة بغيره، وتتأكد هذه الدرجة إذا كان ما يقوم به المحتسب دفع ضرر مباشر كتخليص النفس البريئة، ودفع المعتدي (الصائل)، والدفاع عن عرض مسلم. وهذه المرتبة يقوى عليها أرباب السلطة، وأصحاب القدرة والجاه، ومن ولته الدولة أمر الاحتساب، والآباء والمربون في منازلهم وفي قراباتهم ونحو ذلك. وقد يقدر عليها العامة برفع الأمر إلى القضاء. أو إلى المحتسب الذي قد تفوض له بعض الصلاحيات في التعزير أو التأديب.
الدرجة الثانية: تغيير المنكر بالقول، وهذه الدرجة يستطيعها أغلب الناس خاصة إذا قوى بعضهم بعضا، بأن استحسن المجتمع فعل من يغير المنكر واستهجن سكوت من أقر الباطل.
والاحتساب بالقول تقوم به الحجة على العامة والخاصة، والسلطان
(1) سورة العصر الآية 3
(2)
سورة الأعلى الآية 9
(3)
سورة الأعلى الآية 10
(4)
سورة الأعلى الآية 11
والرعية، ويدخل في القول الكتابة بأنواعها، والخطابة، والشريط المسجل والحوار المباشر ونحوه، ولهذه المرتبة فقه عظيم يلتمس من المصادر التي تناولت موضوع الحسبة ومن الأمور الضرورية التي ينبغي معرفتها اختيار الأسلوب الأمثل الذي يلخصه قوله تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (1).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الدرجة هو مناط الأمر الذي نرمي إليه لينتفع العامة من تصنيف هذا البحث، بمعنى أن دائرة القول متسعة بحيث تشمل نشاط كل الأفراد الذين يحبون أن تشيع أحكام الله تعالى، وتختفي الفواحش والمخالفات، ويسود - في الجملة - شرع الله تعالى، ولا نرى في هذا العصر الذي عمت فيه الصحوة الإسلامية النزول عن هذه الدرجة - بفضل الله - وتوفيقه لهذه الأمة - ثم بفضل الروح العامة التي بثتها السياسة الواعية للولاة والدعاة - يوم أن تعاونوا على تثبيت أحكام شرع الله ورفضوا مقولات من ينسبون أحكام الشريعة إلى حاكم مقهور، أو شهر من الشهور، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الدرجة الثالثة: الاحتساب بالقلب، وهذا يكون حيث الضعف العام، والعجز التام، في حالة تسلط الفسقة أو الملحدين، أو المتسلطين القاهرين. وبفضل الله تعالى هذه درجة لا يتجاوزها من في قلبه مثقال حبة من إيمان. فالإنكار القلبي للمعاصي والشرور والمظالم يمكن أن يقوم به كل أحد، ولا يعذر في ذلك مكلف. . . . وفائدة هذه الدرجة نقاء قلب المؤمن في
(1) سورة النحل الآية 125
حساسيته ورفضه للمنكر (1). وبقاء العزيمة على التغيير بحيث يظل متربصا حتى إذا سنحت الفرصة، انقض على الباطل. . . وفي تاريخ المسلمين الحديث عظات ودروس من هذا النوع. . . فقد رأينا مصير الذين لم ينكروا المنكر واستمرؤا ما فرضته عليهم زمرة العصاة والطغاة من علمانية ومخالفة ظاهرة لشرع الله.
(1) انظر الدكتور عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة مكتبة المنار الإسلامية، بغداد، 1401 هـ.
(د) طرق الاحتساب (مراتبه):
أما طرق الاحتساب التي يعبر عنها بعض العلماء بمراتب الاحتساب فهي متعددة بحسب النظر إلى الأسلوب المختار والطريقة التي يتبعها من يقوم بالأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، وهذه الطرق أو المراتب المتدرجة تصلح كل واحدة منها لحالة من الحالات. فالأسلوب الذي يصلح مع إنسان قد لا يصلح مع آخر، والطريقة المتبعة في حالة معينة قد لا تكون بالضرورة هي العلاج لحالة أخرى.
وهكذا قد يسلك المحتسب طريقا تعليميا رفيقا مع فرد، وطريقا وعظيا تذكيريا مع آخر، أو أسلوبا تقريعيا شديدا مع فئة، أو تهديديا بإنزال العقوبة مع فئة أخرى. وقد يستخدم القوة في منع منكر - إذا كان ذلك تحت دائرة مكنته أو سلطته، أو يرفع الأمر للحاكم لإنزال العقوبة أو التعزير المناسب. وهكذا تختلف طرق الاحتساب وفقا لاختلاف الحالات والأحوال. ولمزيد من التفصيل أقول إن طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خمس طرق هي: