الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مبحث وجيز
عن أضرار فاحشة الزنا
الدكتور / عبد الله بن إسحاق آل الشيخ
وبعد فهذا مبحث وجيز عن أضرار فاحشة الزنا أعاذنا الله منه
مقدمة:
ليعلم الحاذق أن الله تبارك وتعالى جعل عالم الإدراك ثلاثة أنواع:
1 -
عالم علوي: - وهذا النوع خلق من نور ولم تخلق فيه شهوة، ولا ميل إلى غريزة جنس، ومن أوصافه: أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهذا النوع هم الملائكة عليهم السلام.
2 -
عالم مركب من العالمين العلوي والسفلي: فيه من العالم العلوي ملكة ونور العقل الذي يتأتى به إدراك نور العلم، وبه يكون مهبط الوحي، ومحل النبوة والرسالة ومنبع الحكمة ومناط التكليف ومركز الحياء، وقد فضل الله هذا النوع بالعقل ومسبباته حتى جعله خليفة في الأرض، وسخر له ما في الأرض جميعا وملكه الأرض، وما احتوت عليه وصوره فأحسن صورته، وأرسل إليه الرسل، وخلق الجنة له إذا أطاع الله وأطاع رسله، وأحل له الطيبات وحرم عليه الخبائث، ونظم له جميع حياته من مهده إلى لحده، وبين له كيفية إقامة وثبات جميع علائقه مع كل النواحي وكل الأفراد، وجعله أهلا للملك والتملك وعلمه ما لم يكن يعلم، مع أنه صور جسمه من الأرض مركز العالم السفلي وركب فيه جميع الشهوات كحب الجاه والرئاسة، ورؤية الفضل على الغير والأخلاق البهيمية كالغضب وحب إشباع الرغبة الغريزية
والتفاني في تعاطيها، وهذا النوع هو الإنسان، المسمى بالحيوان الناطق، فهو موضع تجاذب بين أخلاق وطباع العالم السفلي، وبين صفات وصفاء العالم العلوي.
فيحن ذاك لأرضه بتسفل
…
ويحن ذا لسمائه بتصعد
فإن غلب عليه اتباع دعاة الحق كالرسل، وتخلق بأخلاق العالم العلوي صعد إلى عليين وما أدراك ما عليون، وفضل العالمين لقهره نفسه وغريزتها الشهوانية، ونصره بسبب جهاده على أعدى عدوه وأشده مكرا وهو الشيطان الرجيم، والسلامة من حبائل الدنيا وزخارفها المشبوهة، وإن نزل بنفسه إلى الانغماس في شهواته بلا حد ومارس أصناف الرذائل وحط نفسه فانحط إلى همزات الشياطين ونزوات الحمر وسفاسف الأمور، وأوحال المآثم وظلمات المظالم، سقط إلى سجين وما أدراك ما سجين، وسفل عن مرتبة ذوات الحوافر فضلا وقيمة وحالا ومآلا.
كالعير ليس له بشيء همة
…
إلا اقتضام القضب حول المذوذ
وقال آخر:
وإنك إن أعطيت بطنك سؤله
…
وفرجك نال منتهى الذم أجمعا
3 -
عالم سفلي: - ويسمى بالحيوان النامي والمدرك، ويفارق العالم العلوي في جميع مواصفاته المذكورة، فهو حيوان شهواني وغير عاقل ليست فيه أهلية التكليف ولا أهلية العلم ولا الملك ولا التملك ولا غير ذلك، وهذا النوع كالأسد والجمل فدونك أيها الإنسان سعادة أو شقاء، وعلوا أو هبوطا، وعزا أو ذلة، فإذا فهمت هذه المقدمة علمت أن الله تبارك وتعالى حرم على الإنسان الخبائث، ومن أخبثها فاحشة الزنا وجعل عليه عقوبة لم
يجعلها على جريمة، وهي الرمي بالحجارة للزاني المحصن مثلا حتى تسيل روحه نفسا نفسا بحضرة ذويه وغيرهم.
الأدلة من الكتاب: -
قال تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (1) كما حكم بالمكافأة بين الزنا والشرك.
قال الإمام الفخر الرازي: " من أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والفسق لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في فاسقة مثله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة والمشركين "(3).
ويشهد لذلك قوله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} (4).
وفي الزنا إماتة روح الإيمان قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (5)» ولا يقبل فاحشة الزنا ذو عقل وافر وهمة عالية، ففي مختصر الفتاوى المصرية لشيخ الإسلام ابن تيمية: -
(1) سورة النور الآية 2
(2)
سورة النور الآية 3
(3)
التفسير الكبير للإمام الرازي جـ 23 ص 150.
(4)
سورة النور الآية 26
(5)
متفق عليه.
(أن أكثر العقلاء لا يسرقون ولا يزنون حتى في جاهليتهم وكفرهم، فإن أبا بكر رضي الله عنه وغيره قبل الإسلام ما كانوا يرضون أن يفعلوا مثل هذه الأعمال، «ولما بايع النبي صلى الله عليه وسلم هند ابنة عتبة بن ربيعة بيعة النساء، على ألا يسرقن، ولا يزنين قالت هند: أو تزني الحرة؟»، فما كانوا يعرفون ذلك إلا للإماء)(1).
ومن ذلك ما وقع لعبد الله بن عبد المطلب، والد النبي صلى الله عليه وسلم، حين دعته امرأة وراودته عن نفسه وفرضت له مالا، قال: -
أما الحرام فالممات دونه
…
والحل لا حل فاستبينه
يحمي الكريم عرضه ودينه
…
فكيف بالأمر الذي تبغينه
ثم إن فاحشة الزنا حرام بقواطع الأدلة الثلاثة: محكم القرآن، وصحيح السنة، وإجماع الأمة، فالله تبارك وتعالى حرم الزنا، وسماه فاحشة في غير ما آية، وجعله من السبع الموبقات.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} (2){يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} (3){إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (4).
وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} (5).
وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} (6).
(1) مختصر الفتاوى المصرية ص 108.
(2)
سورة الفرقان الآية 68
(3)
سورة الفرقان الآية 69
(4)
سورة الفرقان الآية 70
(5)
سورة الأنعام الآية 151
(6)
سورة الإسراء الآية 32