الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلما مثل بين يديه، قال له عمر: اتق الله ولا تقل إلا حقا. فأنشأ يقول:
كم باليمامة من شعثاء أرملة
…
ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
نال الخلافة أو كانت له قدرا
…
كما أتى ربه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها
…
فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
قال: يا جرير: ما أرى لك فيما هاهنا حقا. قال: يا أمير المؤمنين إني ابن سبيل ومنقطع. فقال له: ويحك يا جرير: قد ولينا هذا الأمر ولا نملك إلا ثلاثمائة درهم؛ فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام أعطه المائة الباقية. فأخذها جرير: وقال: والله يا أمير المؤمنين لهي أحب مال اكتسبته. ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك؟ قال: ما يسوؤكم، خرجت من عند الخليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض. وأنشد:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه
…
وقد كان شيطاني من الجن راقيا
موت عمر
الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء، وعمر يضع الآخرة نصب عينيه، وكان دائما يذكر الموت وكثيرا ما كان يتمثل بقول القائل:
من كان حين تمس الشمس جبهته
…
أو الغبار يخاف الشين والشعثا
ويألف الظل كي تبقى بشاشته
…
فسوف يسكن يوما جدثا (1)
وذهب عمر في زورة إلى الشمال، وهناك في دير سمعان مرض، ولما أيقن عمر أنها النهاية نام للعلة، وكانت العلة هي السم الذي دسه له بنو أمية حتى يتخلصوا منه، ويعودوا إلى ما تعودوا عليه من الترف والإسراف وإنفاق
(1) الكامل للمبرد ج 1 ص 375.
أموال المسلمين على ملذاتهم وشهواتهم، وكان عمر يعرف أن السم من يد الخادم، واعترف له الخادم بذلك وأقر له بالمبلغ الذي تقاضاه، فرد عمر المبلغ إلى بيت مال المسلمين، وأمر الخادم بالذهاب حيث لا يراه أحد، ولما أيقن بالموت نهض يخطب بخناصرة، ويقول: واعلموا إنما الأمان غدا لمن حذر الله وخافه، وباع نافدا بباق، وقليلا بكثير، وخوفا بأمان. فلما انتهى من خطبته رفع طرف ردائه فبكى حتى شهق، وأبكى الناس حوله، ثم نزل فكانت إياها (1).
ونفس عمر قد تاقت شوقا إلى الله وإلى لقائه، وأحب أن يموت من علته، ولقد كان يقول: إن لي نفسا تواقة لم تتق إلى منزلة إلا تاقت إلى ما هي أرفع منها، حتى بلغت اليوم المنزلة التي ليس بعدها منزلة، وإنها اليوم قد تاقت إلى الجنة (2).
وحضر أولاد عمر حين علموا بمرضه، فدعاهم فنظر إليهم ثم قال: بنفسي فتية تركتهم ولا مال لهم، أي بني لقد تركتكم وتركت لكم خيرا كثيرا، يا بني إن أباكم مثل بين أمرين: إما أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب، قوموا يعصمكم الله، قوموا يرزقكم الله (3).
واشتد المرض على عمر وكان بجانبه زوجته الوفية فاطمة ومسلمة بن عبد الملك ووصيف له يقال له مرثد، وسهروا بجانبه الليلة كلها، قالت فاطمة: اشتد عدم استقراره من الألم الليلة، فسهر وسهرنا معه، فلما أصبحنا أمرت وصيفا له يقال له (مرثد) فقلت له: يا مرثد كن عند أمير
(1) الطبري ج 5 ص 323.
(2)
ابن عبد الحكم ص 61.
(3)
ابن عبد الحكم ص 117، 127.
المؤمنين، فإن كانت له حاجة كنت قريبا منه. ثم انطلقنا فضربنا برؤوسنا لطول سهرنا، فلما انفتح النهار استيقظت فتوجهت إليه، فوجدت مرثدا خارجا من البيت نائما، فأيقظته فقلت: يا مرثد ما أخرجك؟ قال: هو أخرجني قائلا لي: اخرج عني، فوالله إني لأرى شيئا ما هو بإنس ولا جان. فخرجت فسمعته يتلو هذه الآية:{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (1). قال مرثد: فدخلت عليه فوجدته قد وجه نفسه للقبلة وأغمض عينيه وإنه ميت رحمه الله (2).
وكان ذلك لعشر بقين - وقيل: لخمس بقين - من رجب سنة إحدى ومائة، وله حينئذ تسع وثلاثون سنة وستة أشهر (3).
وذهب شهيد العدالة والمبادئ السامية التي أقرها الإسلام وأراد تطبيقها كاملة لإسعاد البشرية، وظلت سيرته ماثلة في أذهان الناس وفي قلوبهم، واسمه يملأ الأزمان وشهد له الأعداء قبل الأصدقاء، وحزن عليه المسلمون حزنا شديدا، ورثاه الشعراء، قال جرير بن عطية:
ينعي النعاة أمير المؤمنين لنا
…
يا خير من حج بيت الله واعتمرا
حملت أمرا عظيما فاصطبرت له
…
وسرت فينا بأمر الله يا عمرا
فالشمس كاسفة ليست بطالعة
…
تبكي عليك نجوم الليل والقمرا (4)
رحم الله عمر، وكل من سار بسيرته وعدل كعدله وزهد كزهده.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أحمد فهيم مطر
(1) سورة القصص الآية 83
(2)
الطبري ج 6 ص 776، ابن عبد الحكم ص 116، 177، ابن سعد ج 5 ص 301.
(3)
تاريخ الخلفاء ص 228.
(4)
ديوان جرير ص 235.