الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإسرائيليات. وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص 143: وأما ما يحكى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان عليه السلام فالله أعلم بصحته. وقد علق ابن كثير على قصة إعطاء جرادة الخاتم حين ذهابه إلى الخلاء بإسناده إلى ابن عباس ولكنه يقول - ولكن الظاهر أنه تلقاه - إن صح عنه من أهل الكتاب.
وهكذا نرى أن جميع تلك القصص قد نقلها ابن الجوزي عن الإسرائيليات وحشا بها تفسيره حشوا مما لا يليق في حق إنسان عادي فكيف بالأنبياء؟
ترجيحه بعض الآراء على بعض:
قلما كان لابن الجوزي نظرة ترجيحية في الأقوال أو ترجيح رأي على رأي آخر، وإنما كان يسرد الآراء سردا على لسان قائليها دون أن يعقب عليها أو يكون له رأي فيها، وقد ذكر ذلك في مقدمة التفسير " وكذلك لم يحاول ترجيح رأي على رأي أو معنى على معنى، ولا ناقش ما يحكيه من أقوال إلا في مواضع قليلة "(1). .
فمثلا عند تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا} (2) سورة ص آية 33. وبعد أن يذكر الأقوال التي يراد بها الجسد يقول: والمفسرون على القول الأول. ونحن نذكر قصة ابتلائه على قول الجمهور (3). وهو يقصد بالقول الأول الذي قاله ابن عباس والجمهور أن الذي ألقي على الكرسي شيطان، وهذه من نظراته الترجيحية القليلة.
وبعد ذلك تذكر القصة كيفية ضياع الخاتم، ويذكر ابن الجوزي كل تلك الأقوال الصحيح منها والدخيل من أهل الكتاب والإسرائيلية فلا يعلق عليها بشيء، مع أهمية هذا لأنه يمس نبيا من الأنبياء. والأنبياء لهم العصمة وهم منزهون عن كل ما لا يليق.
(1) زاد المسير جـ 1 ص 5
(2)
سورة ص الآية 34
(3)
زاد المسير جـ 8 ص 135
ومن نظراته الترجيحية القليلة أيضا، أنه علق على قصة الشيطان الذي استولى على ملك سليمان: هل كان يأتي نساء سليمان، فبعض الأقوال ذكرت أنه كان يأتيهن في زمن الحيض، والقول الآخر أنه لم يقدر عليهن. وقد علق عليها ابن الجوزي قائلا: وهذا هو الصحيح: أي عدم إتيانه لهن.
ومن نظراته الترجيحية أيضا: أنه علق على قصة سليمان واستيلاء الشيطان على ملكه، بأنه آصف الذي قال لسليمان عندما فتن: أنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك، فقام في مقامه وسار بالسيرة الجميلة، وقد علق ابن الجوزي على هذا بقوله: وهذا لا يصح ولا ذكره من يوثق به.
وقد كانت هناك أشياء تمس العقيدة فلم يتعرض لها بالرأي أو الترجيح، مثل وجود الأوثان في بيت سليمان وعبادتها، وخصوصا وأن العبادة استمرت أربعين يوما كما تقول الرواية، وقد علق عليها بعض المفسرين الآخرين.
وكذلك في قصة امتحان داود عليه السلام وما ذكر من تلك القصة الطويلة والافتراءات التي تقول برؤيته لامرأة أوريا وحبه لها ورغبته فيها، يذكر ذلك كله ابن الجوزي دون أن يتعرض له بالتعليق أو التكذيب، وخصوصا وأنه مروي عن وهب بن منبه وهو ممن اشتهروا بالإسرائيليات. ولا يزيد عن قوله:" هذا قول وهب بن منبه ".
وكذلك في قصة أيوب عليه السلام وما كان من امتحانه وابتلائه بمرضه وإعراض الناس عنه، وسبب هذا الابتلاء، وقد رويت كذلك عن وهب بن منبه، وقيل عنها: إن بها غرابة، وقيل كذلك إنها من الإسرائيليات، ولم يعلق ابن الجوزي برأيه أو يدلي بدلوه.
ومن النظرات الترجيحية القليلة التي أبداها عند تفسيره لقوله تعالى: {لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} (1) سورة يوسف آية 25، قال: وفي البرهان ستة أقوال: أحدها: أنه مثل له يعقوب. روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: نودي يا يوسف أتزني فتكون مثل الطائر الذي نتف ريشه فذهب يطير فلم يستطع
(1) سورة يوسف الآية 24
فلم يعط على النداء شيئا، فنودي الثانية فلم يعط على النداء شيئا فتمثل له يعقوب فضرب صدره، فقام فخرجت شهوته من أنامله.
والثاني: أنه جبريل عليه السلام، والثالث: أنها قامت إلى صنم في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني على هذه السوأة. فقال: أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع، ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فهو البرهان الذي رأى.
والرابع: أن الله بعث إليه ملكا فكتب في وجه المرأة بالدم {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} (1) الإسراء آية 32.
والخامس: أن سيده دنا من الباب، والسادس: أن البرهان هو علم ما أحل الله مما حرم الله، فرأى تحريم الزنا. قال ابن قتيبة: رأى حجة الله عليه وهي البرهان (2). .
فكان من تعليق ابن الجوزي عليه بأن قال:
وهذا هو القول الصحيح وما تقدمه فليس بشيء وإنما هي أحاديث من أعمال القصاص، وقد أشرت إلى فسادها في كتاب " المغني في التفسير " وكيف يظن بنبي كريم أنه يخوف ويرعب ويضطر إلى ترك هذه المعصية وهو مصر هذا غاية القبح (3). .
تلك هي النظرات الترجيحية التي أبدى بعضها ابن الجوزي وهي قليلة إذا قيست على غيره من المفسرين الذين يدلون بآرائهم أو يرجحون بعض الآراء على بعضها الآخر بما لهم من خبرة وعلم دون أن يتركوا القارئ يتخبط في تلك الأقوال لا يدري الصحيح منها أو غير الصحيح أو الأحسن أو الأفضل.
(1) سورة الإسراء الآية 32
(2)
زاد المسير جـ 4 ص 307، 308، 309
(3)
زاد المسير جـ 5 ص 310