المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌هل الذنوب تسبب محق البركة - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٣١

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌الوصية الخامسة: حج بيت الله الحرام

- ‌ حكم تولية كل منهم القضاء

- ‌ المذهب الحنفي:

- ‌ المذهب المالكي:

- ‌ المذهب الشافعي:

- ‌ المذهب الحنبلي:

- ‌ أقوال فقهاء الإسلام فيما يحكم به كل منهم إذا تولى القضاء مجتهدا كان أم مقلدا

- ‌ المذهب الحنفي:

- ‌ المذهب المالكي:

- ‌ المذهب الشافعي:

- ‌ المذهب الحنبلي:

- ‌الخلاصة

- ‌ الدواعي إلى تدوين الراجح من أقوال الفقهاء وإلزام القضاة الحكم به

- ‌الثالث: بدء هذه الفكرة ووجودها قديما وحديثا:

- ‌التصرف في الكون

- ‌كيفية خلق الإنسان

- ‌أنتم خلفاء الله في أرضه

- ‌هل يقال عن الهواء ونحوه أنه طبيعي

- ‌شهادة أن لا إله إلا الله

- ‌حكم من يسب الدين والسلام عليه

- ‌حكم الإسلام في بعض الأقوال

- ‌حكم ذبيحة من يسب الدين والأكل معه

- ‌حكم بعض الكلمات التي فيها سب الدين

- ‌حكم سب الذات الإلهية

- ‌حكم تمزيق المصحف

- ‌المكفرات التي تخرج من الإسلام

- ‌من كان أتقى لله فهو أفضل

- ‌أخذ الأجرة على تعليم القرآن

- ‌لا يكفي إطعام مسكين عشر مرات عن إطعام عشرة مساكين

- ‌يجب على المرأة التستر سواء كانت بدوية أو حضرية

- ‌حكم الاستماع للغناء

- ‌شرح حديث «استوصوا بالنساء خيرا

- ‌الحشرات التي يجوز قتلها

- ‌على المسلم أن يبلغ عن ربه وأن يؤدي الأمانة

- ‌لا يجوز للمسلم أن يخلو بالمرأة الأجنبيةسواء كانت خادمة أو غيرها

- ‌الزواج بنية الطلاق والفرق بينه وبين زواج المتعة

- ‌يجب منع المجلات التي عليها صور النساء

- ‌هل الذنوب تسبب محق البركة

- ‌الخاتمة

- ‌من منافع الحج وآدابه

- ‌الدعوة إلى اللهمكانتها وكيفيتها وثمراتها

- ‌تعريف الدعوة إلى الله

- ‌ أهمية الدعوة ومكانتها في الإسلام

- ‌ كيفية الدعوة ومجالاتها

- ‌الصفات التي يجب أن يتحلى بها الداعية إلى الإسلام

- ‌ثمرة الدعوة إلى الله ونتائجها

- ‌مخطوطة "حجة التحذير فيالمنع من لبس الحرير

- ‌مقدمة

- ‌موضوع الرسالة

- ‌المؤلف

- ‌وصف النسخ:

- ‌التوثيق

- ‌منهج التحقيق:

- ‌الفقيه المفتيزيد بن ثابترضي الله عنه من مفتي الصحابة

- ‌ زيد بن ثابت:

- ‌ إسلامه:

- ‌ ذكاؤه:

- ‌ فكاهته:

- ‌ جهاده:

- ‌ علمه:

- ‌ الكتابة والخط:

- ‌ لغة العرب وشعرها:

- ‌ اللغات الأجنبية:

- ‌ القرآن الكريم:

- ‌ الحديث النبوي الشريف:

- ‌ القيافة:

- ‌ الفقه والفرائض:

- ‌ أحد الفقهاء الستة:

- ‌ إتقانه الفرائض مع الفقه:

- ‌ إتقانه القضاء مع الفقه:

- ‌ عمل أهل المدينة بقوله:

- ‌ سؤال الخلفاء إياه وعملهم بقوله:

- ‌ شواذه:

- ‌ إمتناعه عن الفتوى فيما لم يقع:

- ‌ منعه عن كتابة فتاواه:

- ‌ تأثره بفقه عمر بن الخطاب:

- ‌ حامل فقه زيد بن ثابت:

- ‌ الحساب:

- ‌ ثناء العلماء عليه:

- ‌ سيرته مع الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء:

- ‌ زيد مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ زيد مع أبي بكر:

- ‌ زيد مع عمر بن الخطاب:

- ‌ زيد مع عثمان بن عفان:

- ‌ زيد مع علي بن أبي طالب:

- ‌ زيد مع مروان بن الحكم (أمير المدينة المنورة):

- ‌ وفاة زيد بن ثابت:

- ‌حياة ابن الجوزي

- ‌أسرته:

- ‌مولده ونشأته:

- ‌طلبه للعلم:

- ‌مذهبه:

- ‌أعماله:

- ‌منهجه في التفسير:

- ‌مصادره في التفسير:

- ‌مصادره في أسباب النزول:

- ‌مصادره النحوية واللغوية:

- ‌مصادره الفقهية:

- ‌أبرز سمات تفسير ابن الجوزي:

- ‌مواقفه من القراءات:

- ‌تفسير القرآن بالقرآن أو بالسنة:

- ‌أسباب النزول:

- ‌الأحكام الفقهية:

- ‌اللغة والنحو:

- ‌موقفه من الإسرائيليات:

- ‌ترجيحه بعض الآراء على بعض:

- ‌وفاة ابن الجوزي:

- ‌تأويل الصفاتفيكتب غريب الحديث

- ‌ قدم الله ورجله:

- ‌ أصابع الرحمن:

- ‌ ضحك الله تعالى:

- ‌فهرس المصادر والمراجع

- ‌ استعراض بعض افتراءات المستشرقين حولأساليب المحدثين في العناية بمتون الأحاديث

- ‌أولا: الادعاء أن النهي عن كتابة السنة أدى إلى ضياعها:

- ‌ثانيا: الادعاء أن المحدثين لم يعتنوا بمتون الأحاديث:

- ‌ثالثا: الادعاء أن الأحاديث الشريفة مليئة بالمتون المتعارضة:

- ‌ اختلاف الروايات حول تدوين الأحاديث وكيفية الجمع بينها

- ‌أولا: بعض الأحاديث والآثار الواردة في النهي عن كتابة السنة:

- ‌ثانيا: بعض الأحاديث والآثار الواردة في كتابة السنة:

- ‌ثالثا: توفيق العلماء بين اختلاف الروايات في شأن تدوين السنة:

- ‌ بعض الأسباب التي دفعت المحدثين للعناية بمتون الحديث

- ‌ بعض المناهج التي اتبعها المحدثون للعناية بمتون الأحاديث

- ‌ بعض النتائج التي ترتبت على عناية المحدثين بمتون الحديث

- ‌ أساليب المحدثين في تمحيص المتون المتعارضةوالمتون التي ظاهرها التعارض

- ‌أولا: المتون المتعارضة:

- ‌ تعريف الشاذ ومثاله وحكمه

- ‌ تعريف المنكر ومثاله وحكمه:

- ‌ تعريف المضطرب ومثاله وحكمه:

- ‌ تعريف المنسوخ ومثاله وحكمه:

- ‌ثانيا: المتون المتعارضة ظاهريا:

- ‌ الرد على افتراءات المستشرقين حول أساليب المحدثين في العناية بمتون الأحاديث

- ‌الخاتمة ونتائج البحث

- ‌الشهادة بالحق فيمهرجان الجهاد

- ‌من قرارات المجمع الفقهيالإسلامي بمكة المكرمة

- ‌القرار الثالثحول أوقات الصلوات والصيامفي البلاد ذات خطوط العرضالعالية الدرجات

- ‌القرار السادسحول العملة الورقية

- ‌من قرارات هيئة كبار العلماء

- ‌قرار رقم 10 بشأن الأوراق النقدية

- ‌وجهة نظر

- ‌بيان خطأ من جعل جدةميقاتا لحجاج الجو والبحر

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌هل الذنوب تسبب محق البركة

‌هل الذنوب تسبب محق البركة

؟

السؤال: الأخت التي رمزت لاسمها بـ (أ - ع) من الرياض تقول في سؤالها: قرأت أن من نتائج الذنوب العقوبة من الله ومحق البركة فأبكي خوفا من ذلك، أرشدوني جزاكم الله خيرا؟

الجواب: لا شك أن اقتراف الذنوب من أسباب غضب الله عز وجل، ومن أسباب محق البركة وحبس الغيث وتسليط الأعداء كما قال الله سبحانه:{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (1) وقال سبحانه: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (2) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه (3)» .

فالواجب على كل مسلم ومسلمة الحذر من الذنوب والتوبة مما سلف منهما، مع حسن الظن بالله ورجائه سبحانه المغفرة والخوف من غضبه وعقابه كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن عباده الصالحين:{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (4)، وقال سبحانه:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} (5) وقال عز وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (6).

(1) سورة الأعراف الآية 130

(2)

سورة العنكبوت الآية 40

(3)

سنن ابن ماجه المقدمة (90)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 282).

(4)

سورة الأنبياء الآية 90

(5)

سورة الإسراء الآية 57

(6)

سورة التوبة الآية 71

ص: 120

ويشرع للمؤمن والمؤمنة مع ذلك الأخذ بالأسباب التي أباح الله عز وجل، وبذلك يجمع بين الخوف والرجاء والعمل بالأسباب متوكلا على الله سبحانه معتمدا عليه في حصول المطلوب والسلامة من المرهوب والله سبحانه هو الجواد الكريم القائل عز وجل:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (1){وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} (2) والقائل سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} (3) وهو القائل سبحانه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (4).

فالواجب عليك أيتها الأخت في الله التوبة إلى الله سبحانه مما سلف من الذنوب والاستقامة على طاعته مع حسن الظن به عز وجل، والحذر من أسباب غضبه، وأبشري بالخير الكثير والعاقبة الحميدة. والله ولي التوفيق.

(1) سورة الطلاق الآية 2

(2)

سورة الطلاق الآية 3

(3)

سورة الطلاق الآية 4

(4)

سورة النور الآية 31

ص: 121

صفحة فارغة

ص: 122

تعليق عن التفريق

بين

الفائدة البنكية والربا

الشيخ / صالح بن عبد الرحمن الحصين

من المعروف أن الربا مكروه من قديم الزمان وفي مختلف العصور، ولكن ربما كان أقدم نص مكتوب في تحريم الربا الفاحش في العصر الفرعوني هو قانون الفرعون بوخوريس من الأسرة الرابعة والعشرين، وحرمت التشريعات الموسوية والمسيحية الربا بمختلف أشكاله ومهما كان قدره، إلا أن اليهود بعد موسى أجازوا الربا مع غير اليهود على أساس أن مال غير اليهود حلال لليهود:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} (1) وقد عاب الله في القرآن الكريم اليهود بذلك فقال: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} (2){وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} (3) والربا الذي كانت تأخذه اليهود كما هو معروف هو الزيادة التي يأخذونها على القروض التي يقدمونها لغير اليهود، فيأخذون زيادة على رأس مال القرض مقابل الأجل، وقد ظل العالم المسيحي يكره اليهود ويشنع عليهم أخذهم الربا، ومن آثار ذلك المسرحية المشهورة لشكسبير (تاجر البندقية) عن المرابي اليهودي،

(1) سورة آل عمران الآية 75

(2)

سورة النساء الآية 160

(3)

سورة النساء الآية 161

ص: 123

وقد ظل اليهود يتألمون من هذه المسرحية ويكافحون ضد ظهورها، ولولا أن القيمة الأدبية لها قد حمتها لكانت قد اختفت من الآثار الثقافية.

وقد ظلت القوانين في البلاد المسيحية تحرم الربا، فلما جاءت الثورة الفرنسية في عام 1789 م أباحت الفائدة على القروض في حدود معينة وانتقلت هذه الإباحة إلى تقنين نابليون الصادر عام 1804 م والنافذ حتى الآن في فرنسا، ثم صدر في فرنسا عام 1808 م قانون يحدد السعر القانوني للفائدة بـ 5 % في المسائل المدنية و 6 % في المسائل التجارية، وفي 5 أغسطس عام 1935 م صدر قانون يجعل من يتقاضى فوائد زائدة عن حدود معينة مرتكبا جريمة الربا، وبالمثل اعتبرت المادة 644 من القانون الجنائي الإيطالي الجديد من يتقاضى فوائد زائدة عن حدود معينة مرتكبا جريمة الربا.

وهكذا نرى أن الضمير الإنساني لم يستطع حتى الآن أن يتخلص من كراهيته للربا واعتباره جريمة وعملا غير أخلاقي، وإن تسامح في حدود معينة ونسب محددة للفائدة يتحكم واضع القانون في تقييمها بين وقت وآخر.

أما الإسلام فقد جاء بنصوص قاطعة الدلالة، قاطعة الثبوت على تحريم ربا النسيئة (أو أخذ زيادة في القرض عن رأس المال مقابل الأجل) ووردت بذلك آيات سورة البقرة التي قررت أن الدائن لا يجوز له أن يأخذ زيادة عن رأس ماله:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (1) أي لا تظلمون المدين يأخذ زيادة عن رأس المال، كما وردت بذلك الأحاديث الصريحة المتواترة تواترا معنويا، ثم أجمعت على ذلك الأمة، وقد وجد النزاع بين العلماء قديما وحديثا في صور عديدة من التعامل هل تدخل في الربا، ولكن طوال القرون الماضية لم يوجد نزاع (بل لم ينقل) حول ربا النسيئة، فالأمة متفقة على تحريمه بكل صوره سواء كان قليلا أم كثيرا.

(1) سورة البقرة الآية 279

ص: 124

وقد حدث أن وقعت البلاد الإسلامية (عدا المملكة العربية السعودية واليمن) تحت الاستعمار الأوروبي فنقل إليها النظام البنكي المعتمد على الفائدة الربوية وأنتج ذلك نتيجتين:

ص: 125

النتيجة الأولى: شل التعامل الاقتصادي المتحرر من الربا، وتقليد البلدان الإسلامية الدول الغربية العلمانية في تقنين التفريق بين قليل الربا وكثيره، فسمحت التقنينات المدنية العربية مثلا بتقاضي فوائد يحددها القانون وحرمت الزيادة عليها، كما حرمت الفوائد المركبة (الفوائد على متجمد الفوائد) بعد أن سمحت بالفوائد البسيطة فنصت المادة (236) من التقنين المدني المصري الجديد على تحديد سعر الفوائد بـ 4% في المسائل المدنية و 5% في المسائل التجارية، كما نصت المادة (237) منه على أنه (يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على سعر آخر للفوائد على ألا يزيد هذا السعر عن 7%، فإذا اتفقا على فوائد تزيد على هذا السعر وجب تخفيضها إلى 7% ويمكن رد ما دفع زائدا على هذا القدر، وكل عمولة أو منفعة أيا كان نوعها اشترطها الدائن إذا زادت هي والفائدة على الحد الأقصى المتقدم ذكره تعتبر فائدة مستترة وتكون قابلة للتخفيض) ونصت المادة (233) منه على أنه (لا يجوز تقاضى فوائد على متجمد الفوائد ولا يجوز في أية حال أن يكون مجموع الفوائد التي يتقاضاها الدائن أكثر من رأس المال)، والحال الأخيرة يقصد بها تراكم الفوائد لسنوات كثيرة تبلغ بها رأس المال. وتتضمن التقنينات المدنية العربية الأخرى السوري والليبي والعراقي نصوصا مماثلة عدا تحديد نسبة الفائدة. ويقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري - وهو الذي وضع أصول القوانين الأربعة المشار إليها في شرحه لهذه المواد: (ويتكفل القانون بتحديد مقدار الفوائد والسبب في ذلك كراهية تقليدية للربا لا في مصر فحسب، ولا في البلاد الإسلامية وحدها، بل في أكثر تشريعات العالم، فالربا مكروه في كل البلاد وفي جميع العصور ومن ثم لجأ المشرع إلى تحديده للتخفف من رزاياه وهذا هو المبرر القوي الذي حمل القانون في هذه الحالة على التدخل - ثم يقول - وسنرى فيما يلي كيف كره المشرع المصري الربا

ص: 125

فحدد لفوائد رءوس الأموال سعرا قانونيا وسعرا اتفاقيا، وتشدد في مبدأ سريان هذه الفوائد، وأجاز استرداد ما يدفع زائدا على السعر المقرر، وأعفى المدين في حالات معينة من دفع الفوائد حتى في الحدود التي قررها منع تقاضي فوائد على متجمد الفوائد، في هذه وغيرها آيات على كراهية المشرع (المصري) للربا وعلى الرغبة في التضييق منه حتى لا يستفحل فيرهق المدين وقد يؤذيه بالإفلاس والخراب، ثم يقول:" وقد زاد التقنين الجديد على التقنين القديم في كراهية الربا (ثم يذكر أمثلة) "(1).

(1) الوسيط، جـ 1، ص 883.

ص: 126

النتيجة الثانية: لما كانت البنوك التي وجدت في العالم الإسلامي تحت ظل المستعمر في الأغلبية الساحقة بنوكا أجنبية، وكانت أداة فعالة لاستغلال أموال المواطنين تحت نير الاستعمار، وكانت المشكلة الكبرى للمسلم كيف يوفق بين قلبه الذي يمنعه من الربا، خوفا من الله، وتفكيره الذي يمنعه من ترك الفوائد الربوية عن إيداعاته لعدوه المستعمر الكافر، وكان هذا الأمر يشكل أعظم أزمة فكرية يواجهها العالم المفتي كما تصور ذلك أبلغ تصوير الفتاوى التي نقلت عن الشيخ محمد رشيد رضا.

ومن ناحية أخرى فإن البنوك الربوية الاستعمارية وقد شلت التعامل الاقتصادي المتحرر من الربا، وصارت هي المسيطرة على التعامل الاقتصادي في البلاد الإسلامية كما هي المسيطرة في غيره من العالم، قد شككت بعض المثقفين المسلمين في إمكانية الخروج عن سيطرة التعامل البنكي الربوي، وأصبح كثير من المسلمين يعتقدون أن لا بديل للاقتصاد الاشتراكي إلا الاقتصاد الرأسمالي القائم على الربا.

وحينما عقد أسبوع الفقة الإسلامي في باريس عام 1953م حضره مجموعة كبيرة من القانونيين الغربيين، كما حضره من المسلمين الدكتور معروف الدواليبي، والشيخ محمد عبد الله دراز. وتبعا لطريقة الدكتور معروف الدواليبي في التفكير وشغفه بالحلول السياسية حتى بالنسبة للمشاكل الفقهية، ونظرا لعاطفته الإسلامية القوية ورغبته في أن يجمل وجه الفقه الإسلامي أمام علماء

ص: 126

القانون الغربيين وأن يقنعهم بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأنه لا يعارض المصالح الواقعية، فقد عرض نظرية غريبة مفادها أن الإسلام لا يحرم ربا النسيئة في كل صوره، وإنما يحرم هذا الربا في مجال قروض الاستهلاك، أما مجال قروض الإنتاج والاستثمار فلا يحرم فيها ربا النسيئة ويجوز فيها تقاضي الفوائد عن القروض، ولحسن الحظ فقد كان طرح الشيخ محمد عبد الله دراز في تلك الندوة معاكسا تماما لطرح الدكتور الدواليبي، إذ أوضح أن الإسلام يحرم ربا النسيئة بمختلف صوره دون تفريق بين مجال قروض الاستهلاك والاستثمار، وأنه من المستحيل إثبات وجود مثل هذا التفريق، وكان حضور الشيخ دراز رحمه الله وطرحه توفيقا من الله، إذ لو استقر في أذهان أعضاء الندوة أن فكرة الدكتور الدواليبي تمثل حقا الفقه الإسلامي لانتهوا إلى عكس الهدف الذي توخاه الدكتور الدواليبي، إذ سوف يعتبرون الفقه الإسلامي يمكن أن يكون له مجال في عالم الأخلاق والمثل ولكن لا يمكن أن يكون له مجال في عالم الواقع والتشريع، إذ أن التمييز بين مجال القروض الاستهلاكية ومجال القروض الاستثمارية إن أمكن في بعض الصور فهو غير ممكن في غالب الصور، كما أوضح ذلك الدكتور السنهوري في تعليقه على هذه الفكرة في كتابه المشهور مصادر الحق، يوضح هذا أن التفريق بين قروض الاستثمار وقروض الاستهلاك يعتمد في أغلب الصور على محض النية الباطنة للمتعاملين والتي لا تتخذ بالضرورة مظهرا يمكن الحكم عليه، ومحض النية يصلح معيارا للنظام الأخلاقي ولكنه لا يصلح معيارا للنظام التشريعي إلا إذا تشكل في مظهر يمكن أن يكون محلا للحكم.

وعلى كل حال ومع أن الإنسان عندما يخترع فكرة فإنها عادة تسيطر عليه ولا يستطيع أن يتخلص من أسرها، إلا أنا مع ذلك لا نظن أن الدكتور الدواليبي يصر حتى الآن على فكرته - تلك - لا سيما بعد أن وضح له لا من قبل علماء الشرع بل من قبل علماء القانون أن فكرته تستند على أساس من الوهم لا من الحقيقة.

ص: 127

ما سبق يضع أمامنا صورة لأعظم أزمة فكرية للمثقف المسلم قبل ثلاثين عاما، وكان العالم الإسلامي ينتظر - للتخلص من هذه الأزمة - روادا عظاما ينظرون لإمكانية الإفلات من أسر النظام البنكي الغربي الربوي، ويثبتون صلاحية الأدوات الفقهية الإسلامية كبديل كفء. وينتظر مؤسسات تطبق هذا التنظيم وتثبته واقعا ملموسا، وقد تم هذا ولله وحده الحمد والشكر.

أما الفضل - بعد الله - فيرجع لحكومة المملكة العربية السعودية في فتح الآفاق المباركة، فبفضل إيمانها وشجاعتها حرصت عندما أصدرت نظام بنكها المركزي (مؤسسة النقد العربي السعودي) في عام 1377 هـ على أن تضمن المادة الثانية منه النص على أنه (لا يجوز لمؤسسة النقد العربي السعودي دفع أو قبض فائدة وإنما يجوز لها فقط فرض رسوم لقاء الخدمات التي تؤديها للجمهور أو للحكومة وذلك لسد نفقات المؤسسة) ونصت المادة السادسة على أنه: " لا يجوز لمؤسسة النقد العربي السعودي القيام بأي عمل من الأعمال الآتية:

(1)

مباشرة أي عمل يتعارض مع قواعد الشريعة الإسلامية السمحاء فلا يجوز لها دفع أو قبض فائدة على الأعمال.

وهكذا رفعت المملكة الراية للمسيرة المباركة، وأعلنت بوضوح أن العمل على التحرر من النظام البنكي الربوي ليس ممكنا فحسب، بل هو واجب. ثم أتيح لها في فرصة أخرى أن تعزز هذه الريادة فعند صياغة نظام البنك الإسلامي للتنمية وضعت كل ثقلها في جانب تضمن نظام البنك نصوصا تقضي بأنه لا يجوز للبنك أن يتقاضى فوائد عن قروضه، وأن تتم معاملاته كلها وفق القواعد الشرعية.

وقد توالت الثمار، فمن ناحية التنظير وجدت أعمال فكرية تنتهج الموضوعية والأسلوب العلمي تشرح الحلول الفقهية الإسلامية وتثبت كفاءتها لأن يعتمد عليها اقتصاد نام وسليم.

ص: 128

ومن بين الأعمال الكثيرة نقدم هنا مثالين:

(1)

لاحظ الأستاذ / سامي حسن حمود الذي تدرج في وظائف البنك الأهلي الأردني حتى وصل إلى رتبة نائب مدير البنك، أن كثيرا من عملاء البنك يمتنعون تورعا من تقاضي فوائد على إيداعاتهم، وقد عرف أن سبب ذلك هو تحريم الإسلام لتقاضي الفوائد الربوية، وقد لفت هذا نظره إلى البحث في الفقه الإسلامي فاكتشف أن هذا الفقه زاخر بإمكانيات البدائل عن النظام الربوي، وعند تقدمه للحصول على درجة الدكتوراة من جامعة القاهرة كان موضوع أطروحته (تطوير المعاملات المصرفية بما يوافق الشريعة الإسلامية). ويعتبر هذا الكتاب - وقد صدر قبل حوالي خمسة عشر عاما - من أفضل الكتب في موضوعه، ويمتاز بالتزامه بالمنهج التزاما دقيقا، وقد هيئ للدكتور سامي حمود فيما بعد أن يشرف على تطبيق أفكاره في هذه الأطروحة عند تأسيس البنك الأردني الإسلامي وقيامه بإدارته.

(2)

تولى الأستاذ الدكتور عمر شابرا منصب الخبير الاقتصادي لمؤسسة النقد العربي السعودي لمدة طويلة كادت تبلغ ربع قرن، وقد كان درس الاقتصاد على المنهج الغربي، ولكن عند التحاقه بالعمل في المؤسسة كان من الطبيعي أن تلفت انتباهه نصوص نظام المؤسسة المشار إليها آنفا والتي تحرم على المؤسسة دفع أو اقتضاء الفوائد وتوجب أن تكون معاملاتها موافقة للقواعد الشرعية، وكان من الطبيعي أن يتوجه اهتمامه إلى البحث في الأساليب الاقتصادية الإسلامية، وأن يكتشف نتيجة للبحث الطويل العميق امتياز الأساليب الإسلامية وصلاحيتها الكاملة لإقامة نظام اقتصادي قوي وسليم، وكانت الثمرة المباركة لهذه الجهود صدور كتابه المعنون towards a gust monetary system وقد صدر في إنجلترا قبل حوالي ثلاث سنوات، إن الكتاب يتضمن دراسة علمية لعدد من الوسائل الاقتصادية الشرعية وأثبت بوضوح ودقة امتياز هذه الوسائل وكفايتها

ص: 129

لأن يستند عليها نظام اقتصادي سليم، ولا يعنينا في هذا المجال هذا وإنما سنهتم بنتيجة الموازنة العلمية الدقيقة بين الوسائل الشرعية، والوسائل الربوية التي تضمنها الفصل الخامس، فبالاستناد إلى الاكتشافات والأفكار الاقتصادية الحديثة وبالرجوع إلى أساطين الاقتصاد الغربي المعاصرين وإلى الإحصاءات وتقارير الخبراء أثبت عجز الوسائل الربوية (أو نظام الفائدة) كأساس يعتمد عليه في البناء الاقتصادي السليم وذلك على النحو الذي نلخصه فيما يلي، (وإن كان هذا التلخيص تلخيصا مبتسرا قد لا يقدم الصورة بالوضوح والقوة الذي جاءت به في الكتاب).

ما مدى كفاءة نظام الفائدة كأساس للاقتصاد؟ إنه من حيث إن المعروف أن الاقتصاد القوي السليم يجب أن يتوافر له من ضمن ما يتوافر شروط أربعة، هي:

(أ) القدرة على التخصيص الأمثل للموارد.

(ب) المناخ الاستثماري الإيجابي الذي يشجع على الادخار والتكوين الرأسمالي.

(جـ) الاستقرار.

(د) قابلية النمو الاقتصادي، فقد أوضح الكتاب أن نظام الفائدة الربوي عاجز عن توفير هذه الشروط وذلك على النحو التالي:

أ - فمن ناحية التخصيص الأجدى للموارد، يلاحظ أن للفائدة وظيفة رئيسية مفترضة هي أنها وسيلة لتخصيص الأموال النادرة المقدمة من المدخرين إلى المستثمرين بطريقة موضوعية على أساس القدرة على دفع الثمن، وإذا تغير الطلب على الأموال القابلة للإقراض أو تغير عرضها تم عند معدل فائدة مختلف التوصل إلى توازن جديد، إن هذه المقولة مبنية على افتراض أن المعدل النقدي للفائدة يعتبر أداة ناجحة لتخصيص الموارد بطريقة مثالية. ولكن هذا الافتراض غير صحيح إذ يوجد في الواقع دليل مقنع على العكس، وقد تجمعت لدى إنزلو وكونراد وجونسن أدلة تثبت أن رأس المال الحالي قد أسيء تخصيصه - ربما إلى حد خطير - بين قطاعات الاقتصاد. إن افتراض باريتو في تخصيص

ص: 130

الموارد لا يوجد إلا في عالم الأحلام عالم نموج التوازن التنافسي الكامل.

إن معدل الفائدة التوازني لا يوجد إلا في الكتب المدرسية فقط، أما في الواقع فلا يوجد معدل مقاصة سوقية فعالة، بل هناك مزج نظري من معدلات قصيرة الأجل وطويلة الأجل مع فروق واختلافات هائلة في مستوياتها ولا يوجد مفهوم واضح لكيفية توحيد هذه المعدلات المتعددة في معيار واحد، إن معدل الفائدة في الحقيقة والواقع تعبير عن المفاضلة لا لصالح المقترض الأجدى إنتاجا بل لصالح الأكثر غنى؛ لأن المعيار في الواقع هو الجدارة الائتمانية فكلما كانت الجدارة الائتمانية لشخص أكبر كان معدل الفائدة الذي يدفعه أقل، والعكس بالعكس، وبذلك تحصل المنشأة الكبيرة (بغض النظر عن مدى حاجتها للتمويل ومدى درجتها في الجدوى الإنتاجية) تحصل على أموال أكثر بسعر فائدة أقل وذلك فقط بسبب ارتفاع درجة تصنيفها الائتماني، بمعنى آخر فإن المنشأة الكبيرة التي هي أقدر على تحمل عبء الفائدة تحمل عبئا أقل، وعلى العكس فإن المنشأة المتوسطة أو الصغيرة التي قد تكون ذات إنتاجية أعظم بمقياس المساهمة في الناتج الوطني تحصل على مبالغ أقل بكثير نسبيا وبأسعار فائدة أعلى بكثير، وهذا يعني أن الكثير من الاستثمارات الأجدى إنتاجية بالقوة لا توجد بالفعل بسبب عدم قدرتها التنافسية في الحصول على القروض التي تنساب إلى مشاريع أقل جدوى إنتاجية، ولكنها متقدمة في سلم التصنيف الائتماني.

وبهذا يتضح أن معيار الفائدة ليس معيارا موضوعيا للجدوى الإنتاجية للمنشأة، وإنما معيار متحيز من معايير التصنيف الائتماني، وهذا هو أحد الأسباب في النظام الرأسمالي للنمو السرطاني للمنشآت الكبيرة واختناق المنشآت المتوسطة والصغيرة، ويقع هذا بصفة خاصة في حالة ارتفاع معدل الفائدة، إن زيادة تدفق الائتمان إلى الأغنياء - في النظام الربوي صار حقيقة معترفا بها على نطاق واسع. يقول جالبريت على سبيل المثال:" إن المنشأة الكبيرة عندما تقترض تحظى بصفة العميل المفضل لدى المصارف وشركات التأمين " ويقول:

ص: 131

" إن أولئك الأقل حاجة إلى الاقتراض هم المفضلون، وأولئك الأكثر حاجة إلى الاقتراض هم الأقل حظا في نظام المنافسة السوقية ".

ب - وبالنسبة لأثر الفائدة على الادخار والتكوين الرأسمالي، فيجب أن نلاحظ أولا أنه لخلق مناخ استثماري إيجابي نشط لا بد من المحافظة الدائمة على العدالة والتوازن بين المدخرين والمستثمرين، ثم نشير إلى أنه بسبب المعدل الاجتماعي للتفضيل الزمني فقد يعتقد بأن للفائدة دائما دورا إيجابيا مطردا على الادخار والتكوين الرأسمالي، غير أنه بدراسة الواقع فإن الدلائل الإحصائية لا تشير إلى وجود ترابط كبير بين الفائدة والادخار في البلاد الصناعية، أما في البلدان النامية فإن أغلب الدراسات توضح أنه لا تأثير لمعدل الفائدة على الادخار على الإطلاق، وحتى من الناحية النظرية فإن عددا من الاقتصاديين يرفض افتراض بوم باورك التفضيل الزمني الإيجابي حتى أن جراف شكك بأن له وجودا فعليا بالمرة، على أن آراء آخرين تقول بأن التفضيل الزمني لدى المستهلك الرشيد قد يكون موجبا أو صفرا أو سالبا وقد لاحظ ساملسون " أن الأدلة تهدي إلى أن بعض الناس يقل ادخارهم بدلا أن يزيد عند ارتفاع معدل الفائدة، وأن البعض يزيد ادخارهم في تلك الحالة وأن الكثير لا يتأثر ميلهم للادخار في حالة الارتفاع أو الانخفاض ".

من الطبيعي أن يعاني المدخرون إذا كانت الفائدة منخفضة وأن يعاني المستثمرون إذا كانت مرتفعة، وأن الظلم الواقع في توزيع المردود بين المدخر والمستثمر بسبب معدلات الفائدة المتغيرة أو الثابتة يؤدي إلى تشويه جهاز الثمن وإلى سوء تخصيص الموارد ومن ثم إلى تباطؤ التكوين الرأسمالي.

لقد كان ارتفاع معدل الفائدة مانعا كبيرا من الاستثمار في النظام الرأسمالي، ولما كانت تكاليف الفائدة تقتطع من الأرباح فقد أنتج هذا تآكل ربحية الشركات، هو ما اعتبر في تقرير مصرف التسويات الدولية (عاملا كبير الأهمية في إضعاف الحجم الكلي للاستثمار) وقد أدت معدلات التكوين الرأسمالي المنخفضة في الولايات المتحدة، إلى إيجاد دور وتسلسل حيث إن هبوط

ص: 132

الإنتاجية أدى إلى تقليل القدرة على تعويض التكلفة المرتفعة للقرض، وهذا أدى إلى هبوط في الربحية وهبوط أكثر في معدل التكوين الرأسمالي، فزاد اعتماد المنشآت على الديون التي إنما تحصل عليها بمعدل مرتفع للفائدة.

وبالمقابل فإن معدلات الفائدة المنخفضة لا تقل ضررا عن المرتفعة، ففي حين أن المرتفعة تضر المستثمرين فإن المنخفضة تضر المدخرين، وقد شجعت معدلات الفائدة المنخفضة على الاقتراض من أجل الاستهلاك فزادت بذلك الضغوط التضخمية كما شجعت الاستثمارات غير الإنتاجية، وزادت من حدة المضاربة في أسواق السلع والأوراق المالية، وبالجملة فقد أنتجت خفض المعدلات الإجمالية للادخار، وتدني نوعية الاستثمارات. وأحدثت قصورا في التكوين الرأسمالي.

جـ - وبالنسبة لأثر الفائدة على الاستقرار الاقتصادي فإن من المؤكد أن الفائدة من أهم العوامل المخلة بالاستقرار في الاقتصاد الرأسمالي، لذا لم يكن غريبا أن يجيب في عام 1982 ميلتون فردمان عن السؤال عن أسباب السلوك الطائش الذي لم يسبق له مثيل في الاقتصاد الأمريكي بأن (الإجابة البديهية هي السلوك الطائش الموازي في معدلات الفائدة).

إن التقلبات الطائشة في معدل الفائدة تحدث تحولات لولبية في الموارد المالية بين المستفيدين منها، إن زيادة تقلب معدل الفائدة تحقن السوق المالي بكثير من الشكوك، وهذا من شأنه تحويل المقرضين والمقترضين على السواء من الأجل الطويل إلى الأجل القصير في سوق المال، واستمرار التقلب في نصيب الفائدة في مجموع عائد رأس المستثمر يجعل من الصعب اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل بثقة، ومن ناحية أخرى فإن الثابت أنه في ظل نظام تعويم المعدل في سوق قصيرة الأجل أنه كلما ارتفع معدل الفائدة ارتفع معدل الإفلاس التجاري للمنشآت، وذلك بسبب الهبوط المفاجئ في نصيب المنشأة من مجموع العائد على رأس المال لا بسبب عدم كفاءة المنشأة، ونحن نعرف أن الإفلاسات التجارية لا تقتصر فقط على الخسارة الشخصية لمالكي المنشأة

ص: 133

بل تستتبع الانخفاض في العمالة والناتج والاستثمار والطاقة الإنتاجية وهي خسائر يصعب وتطول فترة تعويضها وبديهي أن لكل هذه العوامل آثارا خطيرة على الاستقرار الاقتصادي.

لسنا في حاجة إلى إيضاح أثر تقلب معدلات الفائدة على القلق في الأسواق المالية والسلع، ولما كانت هذه الأسواق للاقتصاد الرأسمالي بمثابة مقياس الضغط الجوي فإن التقلبات التي تحدثها الفائدة على هذه الأسواق تعكس تأثيرا موجبا للاضطراب على الاقتصاد بجملته.

وأخيرا فبالنسبة لتأثير الفائدة على إجراءات السياسة النقدية فإن البنك المركزي في إمكانه إما أن يراقب معدلات الفائدة أو يراقب رصيد النقود، فإذا ما حاول تثبيت معدل الفائدة فقد السيطرة على عرض النقود، وإذا ما حاول تحقيق نمو معين في عرض النقود تقلبت معدلات الفائدة وبخاصة القروض القصيرة الأجل.

وقد دلت التجربة على أنه من المستحيل تنظيم كلا العنصرين بطريقة متوازنة يمكن معها السيطرة على التضخم دون إضرار بالاستثمار، ونستشهد بهذه العبارة المتحفظة في تقرير التسويات الدولية لعام 1982 " إن التقلب الشديد في معدلات الفائدة يمكن أن يسهم في التقلبات الحادة في النشاط الاقتصادي كما قد يؤدي إلى مشكلات هيكلية سواء في الاقتصاد أو في النظام المالي ".

د - بالنسبة لتأثير الفائدة على النمو الاقتصادي، نشير إلى أن الفاعلية الاقتصادية تعاق كثيرا بوجود حالة الشك الذي يصعب معه التوقع للمستقبل، فلا يملك معه المستثمرون القدرة ولا الجرأة على التخطيط لاستثمارات طويلة الأجل، وإن الاعتماد في التمويل على القروض الربوية من شأنه أن يوجد مناخا للشك إذ يزداد الخطر الذي يواجه المستثمر (المنظم) لأن نصب عينه دائما أن الفائدة الربوية لا بد من دفعها بصرف النظر عن ربحية المشروع، وتزيد حدة الشك إذا تقلبت معدلات الفائدة تقلبا طائشا ولا سيما إذا تضمن عقد

ص: 134

التمويل معدلا عائما للفائدة كما هو المتبع بصفة عامة في الوقت الحاضر. وبصعوبة القيام باستثمارات طويلة الأجل فإن الاستثمار في النهاية يعاني من هبوط الإنتاجية، وانخفاض معدل النمو، ومن المعروف أنه عندما ارتفعت معدلات الفائدة في السبعينات هبطت نسبة إجمالي الاستثمار الثابت المحلي إلى إجمالي الناتج الوطني في البلدان الغربية، كما انخفض النمو الدولي انخفاضا كبيرا في كل مكان عما كان عليه في العقود التي أعقبت الحرب العالمية مباشرة، ومن المعترف به أن الأداء الاستثماري الأفضل هو مفتاح النمو الأسرع، ومع الأسف فإن خفض معدل الفائدة ليس علاجا ناجحا لهذه الحالة لأن ذلك لا يزيل حالة الشك في المستقبل، لا سيما إذا أخذ في الاعتبار العجز المرتفع المتكرر في موازنات بعض الدول الصناعية الرئيسية.

إن ما تقدم يمكن أن يعتبر اختصارا مخلا لما ورد في الكتاب، ولكن لعله يكون كافيا لإقناع القارئ بهذه الفرضية: إننا ننساق مع الوهم إلى حد كبير حينما نظن أن تبني الاقتصاد الرأسمالي نظام (الفائدة الربوية) هو سبب ازدهار هذا الاقتصاد وقوته، بل الصحيح القول: إن لازدهار الاقتصاد الرأسمالي أسبابا متعددة ساهمت في هذا الازدهار بالرغم من (نظام الفائدة الربوية).

والحقيقة الواضحة أنه إذا كان لنظام الفائدة في كثير من الأحوال تأثير سلبي على الاقتصاد - كما شرح - وذلك في البلدان التي تتقبل اتجاهاتها الأخلاقية هذا النظام، فما ظنك بأثر هذا النظام على الاقتصاد في بلاد استقر في ضمائرها واتجاهها الخلقي كراهيته إلى درجة أن تعتقد أنها بقبوله تأذن بالحرب على الله، وتعتقد أن نتيجته على سلوكها الاقتصادي المحق والدمار.

وهذه الحقيقة توجب الإشارة إلى حقيقة أخرى هي:

أنه لا بد لنجاح نظام اقتصادي في بلد ما أن يتناسق ويتناغم مع النظام الخلقي والقيم الثقافية التي تسود في ذلك البلد، ومن المستحيل أن يزدهر نظام اقتصادي أو أساليب اقتصادية في بلد مع معارضة ذلك النظام أو تلك الأساليب

ص: 135

للقيم الخلقية والمعتقدات السائدة، إن الشرط الأساسي لازدهار الاقتصاد في بلد ما أن يحور لينسجم مع نظام البلد الأخلاقي، أو أن يحور النظام الأخلاقي لينسجم مع الاقتصاد وبدون ذلك يكون الاقتصاد كشجرة مغروسة في تربة ومناخ غير ملائمين لها.

إن الأفكار النظرية وحدها لم تكن لتقوى على تحرير الفكر، وزعزعة التصور الذي ساد قبل ثلاثين عاما في أذهان المثقفين المسلمين عن نظام الفائدة الربوية، لو لم توجد إمكانية لوضع تلك الأفكار النظرية موضع التطبيق، ولو لم تتح فرصة اختبارها في ظروف الواقع واجتيازها لهذا الاختيار بنجاح. وقد أمكن في خلال السنوات القليلة الماضية وجود حوالي خمسين مؤسسة مصرفية تستخدم الأساليب الإسلامية، وتحرر معاملاتها من الفائدة الربوية، وقد حاز بعضها نجاحا كبيرا بمختلف المعايير، صحيح أن عددا قليلا منها لم يوفق تمام التوفيق بسبب سوء الإدارة، لنقص الإخلاص أو نقص الكفاءة، أو بسبب ظروف خارجية. ولكن نجاح مؤسسة من هذه المؤسسات دليل كاف على كفاءة الأساليب المالية التي طبقتها، إذ لو تخلفت كفاءتها لاستحال نجاح المؤسسة، وعلى العكس من ذلك فإن فشل بعض هذه المؤسسات لا يدل على عدم كفاءة الأساليب الإسلامية؛ لأن الفشل له أسباب كثيرة أخرى كما أشرنا، ويجب أن نتذكر أنه في تجربة المملكة مع المؤسسات المصرفية التي اعتمدت نظام الفائدة الربوي تكررت الإخفاقات، ولا حاجة للتذكير بأبرزها - وهو انهيار البنك الوطني - لأنه كابوس لا ينسى.

ولم يقتصر الأمر على قيام مؤسسات مصرفية تعتمد الأساليب المالية الإسلامية، بل إن أكبر دولة إسلامية - بعد أندونسيا - وهي الباكستان أعلنت تقريرها عام 1985 تؤكد أنها حررت فروع بنوكها المحلية البالغة 7000 فرع من نظام الفائدة، وذلك باستثناء الاتفاقيات السابقة والمعاملات مع الخارج.

ص: 136

تلخيص

لعل القارئ قد تنبه إلى أن ما سبق لم يتضمن آراء تقبل الجدل حولها والحكم عليها بالصحة أو الخطأ، وإنما تضمن تسجيل وقائع، ولا سبيل إلى تكذيب هذا التسجيل لأنه كما يلاحظ القارئ مدعوم بالتوثيق وإذا فيمكن للكاتب بكل اطمئنان أن يقول بأن ما تقدم يكشف الحقائق الآتية:

(1)

إن الربا ليس مفهوما غامضا وإنما هو معاملة معروفة، استقر في الضمير الخلقي للإنسان (منذ أقدم العصور) كراهيته واعتباره عملا غير أخلاقي.

(2)

إن هذا المفهوم ليس شيئا غير ربا النسيئة حيث يدفع الممول المال لطالب التمويل لأجل بشرط أن يرده بزيادة في مقابل الأجل.

(3)

الربا بهذا المفهوم حرمته الشرائع السماوية الموسوية والمسيحية والإسلام، وذلك بمختلف صوره ومهما كان حجمه.

(4)

الربا بهذا المفهوم هو الذي ارتكبته اليهود مع الناس من غيرهما، وذمهم الله به، وكانوا به موضوعا للكراهية والتعيير والسخرية من قبل الناس:{وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (1).

(5)

إنه حتى بعد أن انتصرت العلمانية - ممثلة في الثورة الفرنسية - على الكنيسة وقوانينها، وأباحت الربا فإنها لم تبحه إلا في حدود ضيقة، وقد سمحت لها بذلك الفكرة العامة التي تعتنقها العلمانية عن نسبية القيمة الخلقية، ومع ذلك فإنها لم تستطع أن تتحرر تماما من كراهية الربا المغروسة في الضمير الإنساني، فظلت قوانينها الجنائية تعتبر التعامل بما يزيد على الحد الذي تسمح به نصوص القوانين من الربا جريمة تعاقب بعقوبات الجرائم.

(6)

الدكتور السنهوري الذي تولى صياغة النصوص التي تسمح بالفائدة في حدود معينة في القوانين المدنية: المصري والسوري والليبي والعراقي عندما قام بشرح هذه النصوص لم يسمح له احترامه للعقل والمنطق أن

(1) سورة النساء الآية 161

ص: 137

يتجنب تسمية الفائدة باسمها وأن يخفي طبيعتها، فوصفها بأنها ربا سمح به القانون على سبيل الاستثناء مع بقاء اتجاهه العام في كراهية الربا، ومحاولة تضييق دائرته، ولا بد أن يقارن القارئ الواعي هذا الاتجاه للدكتور السنهوري باتجاه بعض إخواننا الطيبين الذين يفزعهم أن تسمى الفائدة باسمها، ويزعجهم أن يواجهوا بأن الفائدة البنكية هي ربا النسيئة، إن ربا النسيئة ليس مجالا للرأي والاجتهاد والخلاف وإنما هو محرم بالنصوص القاطعة الثبوت القاطعة الدلالة كما هو محرم بالإجماع، وأنه إذا كان قد نقل عن بعض الصحابة الخلاف في بعض الأنكحة الفاسدة كنكاح المتعة أو نقل عن بعض الأئمة خلاف في تحريم خمر الشعير أو التفاح، أو نقل خلاف حول ربا الفضل أو بعض المعاملات الأخرى؛ فإنه لم ينقل عن أحد طوال ثلاثة عشر قرنا خلاف على تحريم ربا النسيئة، بل إن الأمة متفقة على أن تحريم ربا النسيئة معلوم من الدين بالضرورة، يكفر مستحله، وإنه إذا لم يتب مستحله من المسلمين بعد استتابته فيقتل مرتدا.

(7)

في الفترة الماضية وبسبب ظروف سياسية وثقافية وغيرها، سيطرت على المثقف المسلم تصورات مبنية على الأوهام عن نظام الفائدة الربوي، ولكن التاريخ لا يقف والحياة تمضي قدما، والأوهام أعجز من أن تثبت في مواجهة الوعي، فهيأ الله روادا عنوا باكتشاف الحقائق وتقديمها وتقدمت كوكبة من صالحي المسلمين الذين درسوا الاقتصاد الرأسمالي في بلاد الغرب، واكتشفوا أسراره، وتحرروا من رهبة المجهول، ثم انصرفوا لموروثهم الثقافي، فاكتشفوا إمكانيات عظيمة كفيلة بأن يبني عليها العالم الإسلامي اقتصادا ناميا سليما إذا توفرت لديه القدرة والجرأة على الانتفاع بإمكانياته المتاحة المادية والمعنوية. ثم قامت المؤسسات المالية التطبيقية - وكان من المنتظر أن تواجه بالعقبات والتجارب الفاشلة - التي تواجه عادة من يشق أرضا مجهولة جديدة، ولكن الله الذي وعد من يتقيه بأن يجعل له من أمره يسرا، ووعد من ينصره بالنصر، هيأ

ص: 138

لها النجاح بقدر ما وفقت له من إخلاص النية والقوة في الأخذ بالأسباب المادية، ولعل من الملفت للنظر أن التقارير الإحصائية أثبتت بالأرقام أن أكثر هذه المؤسسات تحفظا ودقة في ممارسة الأساليب الإسلامية كانت أعظمها توفيقا ونجاحا.

(8)

أثبتت التجارب الواقعية والكتابات والإحصاءات الحديثة أن نظام الفائدة الربوي ليس حجر الفلاسفة الذي يحول الرصاص إلى ذهب، وإن هذا النظام ليس فقط عاجزا عن توفير الشروط لوجود اقتصاد نام مستقر سليم بل إن هذا النظام في كثير من الأوقات دمر شروط ودعائم الاقتصاد ونموه واستقراره.

(9)

إن الفكرة التي اخترعها قبل أكثر من 35 سنة دولة الدكتور معروف الدواليبي بدافع ظروف معينة، والتي تفترض إمكانية التفريق بين الفائدة في قروض الاستهلاك والفائدة عن قروض الإنتاج أو الاستثمار، باعتبار أن الأولى تقتضي استغلال المقرض للمقترض بخلاف الثانية، هذه الفكرة بالرغم من ظهور بطلانها لمعارضتها للنصوص القاطعة والإجماع الذي لم يفرق بين ربا وربا، فقد كشف رجال القانون منذ ظهور الفكرة أنها لا تستند إلى حقائق وإنما إلى أوهام، فمن وجه واضح أن التفريق بين قروض الاستهلاك وقروض الاستثمار من الناحية العملية مبني على معيار النية الباطنة، وهذا المعيار يصلح للتفريق في القضايا الأخلاقية ولكنه لا يصلح للتفريق في قضايا المعاملات، إلا إذا اتخذت النية مظهرا خارجيا يمكن الحكم عليه، ومن وجه ثان فإن الاستغلال لا يكون ملازما دائما لقروض الاستهلاك وانتفاؤه لا يكون لازما دائما لقروض الإنتاج، فمثلا يمكن أن يقترض أحد المترفين تمويل شراء يخت للنزهة، ويمكن أن يقترض مهني فقير لإنشاء ورشة صغيرة يعتاش منها - فكما نرى - القرض الأول قرض استهلاك والقرض الثاني قرض إنتاج فهل يمكن عقلا القول بأن المقرض في القرض الأول مراب استغل حاجة المقترض، وأن المقرض الثاني ممول شريف لم يستغل حاجة المقترض.

ص: 139