الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأصلين المذكورين. وهما وإن نسباها إلى أبي حسن عبد الرحمن بن محمد فهو خطأ محض ربما أوقعهما فيه العجلة في النقل، والله أعلم.
وقد أورد الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (ت 1393) في الدرر السنية 3/ 117 - 128 جوابين منسوبين إلى الشيخ عبد الرحمن، وهما يشبهان بمجموعهما رسالتنا هذه. ولا أدري هل اعتمد على نسخة مضطربة اضطرته إلى ذلك، أو أنه تصرف في النص، على أني أرجح الاحتمال الأول؟ لأمانته التي يعرفها الجميع. وعلى أي حال، فقد استفدت منهما واستأنست بما جاء فيهما، دون أن أدرجهما ضمن النسخ المعتمدة.
منهج التحقيق:
اعتمدت النسخة الأولى، لقدمها وعارضت بها الأخرى، وأثبت ما بينهما من فروق، ولم أتصرف في النص إلا ما رأيت الضرورة تفرضه فألحقته بالصلب بين حاصرتين، وقمت بترقيم الآيات الكريمة وتخريم الأحاديث والآثار. ونقل ما قاله أهل العلم فيها. كما ترجمت لغير المشاهير وفسرت الغامض.
أسأل الله تعالى أن يجعل فيها الخير والنفع، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، ويرزقنا الثبات على الحق إلى أن نلقاه على أحسن حال إنه جواد كريم، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا كما يحب.
كتبه
الوليد بن عبد الرحمن الفريان
/ 10/ 1409 هـ
الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أحل الحلال وحرم الحرام، وأحكم الشرائع وشرع الأحكام، ونهى العباد عن قربان حدوده، رحمة منه بهم كيلا يقعوا في الآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شديد الانتقام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أكمل (1) قواعد الشريعة وأحكمها غاية الإحكام؛ فأكمل الله به الدين (2) وأتم به علينا نعمة الإسلام. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وصحبه الأئمة الأعلام وسلم تسليما، أما بعد:
فإن الأحاديث النبوية والآثار السلفية، قد تواترت وتظاهرت بتحريم استعمال الحرير، على ذكور هذه الأمة، وسأذكر إن شاء الله جملة منها، مع الإشارة إلى شرحها ومذاهب الأئمة في مقدار ما يباح بحمل مطلقها على مقيدها، فأقول وبالله التوفيق:
أخرج الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها (3)» .
وخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن علي رضي الله عنه، قال:«رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله في يمينه، وذهبا فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي (4)» . زاد ابن ماجه: «حل لإناثهم (5)» .
وأخرج البخاري، ومسلم، والنسائي، عن حذيفة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا
(1)(ض): أعلا.
(2)
(ض): بالدين. تحريف.
(3)
أحمد في المسند 4/ 392، 393، 407 والترمذي في الجامع رقم 1720، والنسائي في المجتبى 8/ 161.
(4)
أبو داود في السنن رقم 4057، والنسائي في المجتبى 8/ 160 / 161، وابن ماجه في السنن رقم 3595، وأخرجه أحمد في المسند 1/ 96، 115، وأخرجه 4/ 392 من حديث أبي موسى الأشعري.
(5)
سنن ابن ماجه اللباس (3595).
في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما. فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة (1)».
وأخرج الإمام أحمد، والحافظ الضياء، عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله تعالى (2)» .
وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، [1 / ب] عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له (3)» . زاد البخاري، وابن ماجه، والنسائي - في رواية - في الآخرة.
والخلاق: النصيب. وقيل: الحظ، أي: لا نصيب له، ولا حظ له في الآخرة.
وأخرج الإمام أحمد، والنسائي، عن المقدام بن معدي كرب، قال:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير والذهب ومياثر النمور (4)» . وأخرج الدارمي، والطيالسي، في مسنديهما (5) عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، قال:«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عتوا وجبرية وفسادا في الأمة، يستحلون الفروج، والخمور، والحرير، ويرزقون مع ذلك، وينصرون، حتى يلقوا الله عز وجل (6)» . قال الحافظ السخاوي: حديث حسن.
(1) البخاري في الصحيح رقم 5426، 5632، 5633، 5831، 5837، ومسلم في الصحيح رقم 2067، والنسائي في المجتبى 8/ 199.
(2)
أحمد في المسند 5/ 267. قال الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 141: فيه أبو بكر بن أبي مريم، وقد اختلط.
(3)
البخاري في الصحيح رقم 886، 948، 2104، 2612، 2619، 3054، 5841، 5981، 6081، ومسلم في الصحيح رقم 2068، وأبو داود في السنن رقم 4040، والنسائي في المجتبى 8/ 196، وابن ماجه في السنن رقم 3636، وأخرجه أحمد في المسند 2/ 24، 49، 51، 68 وأبو يعلى في المسند رقم 5814، والحميدي في المسند رقم 679 والطيالسي في المسند رقم 1823.
(4)
أحمد في المسند 4/ 132، والنسائي في المجتبى 7/ 176.
(5)
الأصل: مسنيدهما. تحريف.
(6)
الدارمي في السنن رقم 2107 والطيالسي في المسند رقم 228.
فهذه الأحاديث: منها ما هو صريح في التحريم، ومنها ما هو ظاهر فيه. والذي لم نذكره من الأحاديث أضعاف أضعاف ما ذكرناه.
قال بعض العلماء - لما ذكر بعضا من أحاديث هذا الباب: وإذا لم تفد هذه الأدلة التحريم فما في الدنيا محرم. انتهى.
وقد أجمع المسلمون على تحريم الحرير - في الجملة - على الرجال دون النساء إلا ما ذكر عن ابن الزبير أنه نهى عنه النساء، مستدلا بعموم النهي (1).
وحكى غير واحد من الأئمة: الإجماع - بعد ابن الزبير - على تحريمه على الرجال، دون النساء.
قال أبو عمر بن عبد البر (2): أجمع المسلمون على تحريم الحرير. وقال القاضي عياض (3): حكي عن قوم إباحته. وقال غيره: الخلاف في ذلك منسوب إلى ابن علية (4)، وقد انعقد الإجماع بعده على التحريم. انتهى (5).
قال في الفروع - عن هذا القول، وقول ابن الزبير: هما شاذان. وما أخرجه البخاري، ومسلم، عن المسور بن مخرمة:«أنها قدمت للنبي صلى الله عليه وسلم أقبية، فذهب هو وأبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لشيء منها، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم وعليه قباء مزرور، وقال: يا مخرمة خبأنا لك هذا وجعل يريه محاسنه (6)» .
(1) أخرجه مسلم في الصحيح رقم 2069، والنسائي في المجتبى 8/ 200.
(2)
يوسف بن عبد الله النمري، حافظ فقيه إمام (ت 463) سير أعلام النبلاء 18/ 153.
(3)
عياض بن موسى اليحصبي، فقيه محدث (ت 544) وفيات الأعيان 2/ 126.
(4)
أبو بشر، إسماعيل بن إبراهيم الأسدي مولاهم، حافظ ثبت (ت 193) سير أعلام النبلاء 9/ 107.
(5)
ينظر فتح الباري 10/ 285 ونيل الأوطار 2/ 165.
(6)
البخاري في الصحيح رقم 2599، 2657، 3127، 5800، 5862، 6132 ومسلم في الصحيح رقم 1058، وأخرجه أبو داود في السنن رقم 4028، والترمذي في الجامع رقم 2819، والنسائي في المجتبى 8/ 205، وأحمد في المسند 4/ 328
فقد أجيب عنه: بأنه فعل، والأقوال صريحة بالتحريم فلا [2 / أ] يعارضها. وبأن النبي صلى الله عليه وسلم: لبس الحرير ثم نزعه ونهى عنه؛ كما في حديث جابر: «لبس النبي صلى الله عليه وسلم قباء من ديباج أهدي له، ثم أوشك (2)» . أخرجه أحمد والنسائي.
ولأحمد، والبخاري، ومسلم، وابن حبان، عن عقبة بن عامر، قال:«أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فروج (5)» .
وأخرج أحمد - أيضا - عن أنس بن مالك، «أن أكيدر دومة (7) أو ديباج - قبل أن ينهى عن الحرير - فلبسها، فتعجب الناس منها، فقال: والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ
(1) أحمد في المسند 3/ 383، والنسائي في المجتبى 8/ 200، وأخرجه مسلم في الصحيح رقم 2070.
(2)
(1) أن نزعه، وأرسل به إلى عمر بن الخطاب. فقيل: قد أوشكت ما نزعته يا رسول الله. قال: " نهاني جبرائيل عليه السلام ". فجاءه عمر يبكي، فقال: يا رسول الله! كرهت أمرا فأعطيتنيه، فمالي؟! فقال: ما أعطيتكه لتلبسه، إنما أعطيتك تبيعه فباعه بألفي درهم
(3)
أحمد في المسند 4/ 149، 150، والبخاري في الصحيح رقم 375، 5801، ومسلم في الصحيح رقم 2075، وابن حبان في الصحيح رقم 5409، وأخرجه النسائي في المجتبى 2/ 72.
(4)
ما بينهما معلق في هامش (ض) وبجواره كلمة صح. (3)
(5)
(4) حرير، فلبسه ثم صلى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعا عنيفا شديدا، كالكاره له، ثم قال: لا ينبغي هذا للمتقين
(6)
أحمد في المسند 3/ 207، 234، وأخرجه بغير هذا اللفظ الترمذي في الجامع رقم 1723 وقال حديث حسن صحيح، والنسائي في المجتبى 8/ 199، وأحمد في المسند 3/ 121، وأصله في صحيح البخاري رقم 2615، 2616، 3248، ومسلم رقم 2469.
(7)
(6): أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم جبة سندس في الأصل و (ض): سندك. تحريف.
في الجنة أحسن منها».
فهذه الأحاديث مصرحة بالنهي عن الحرير، [وقد] (1) وقع بعد ذلك (2) فيكون هذا الاستعمال منسوخا بأحاديث النهي المصرحة بالتحريم. على أن من العلماء من قال: إن [الذي](3) استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النهي ليس حريرا كله، وإنما فيه اليسير منه.
قال أبو حاتم، ابن حبان (4)، لما ذكر حديث عقبة: فروج الحرير. هو الثوب الذي يكون على دروزه حرير، دون أن يكون الكل من الحرير. ولو كان الكل حريرا ما لبسه ولا صلى فيه، وهذا (5) معنى خبر عمر: إلا إصبعين أو ثلاث أو أربع (6) انتهى كلام ابن حبان - رحمه الله تعالى (7).
فتبين بهذا أنه لا متمسك لمن قال: يجوز استعمال الحرير للذكور. وأن قول ابن الزبير، وما نسب إلى ابن علية: قولان متقابلان، شاذان مردودان، بالسنة والإجماع.
(1) مطموس في الأصل وساقط من (ض) وهو مما يقتضيه السياق.
(2)
أي: وقع في النهي عنه بعد لبسه.
(3)
ساقط من الأصل.
(4)
محمد بن حبان بن أحمد التميمي، البستي، حافظ فقيه مجود (ت 354). تذكرة الحفاظ 3/ 920.
(5)
(ض): هذا.
(6)
سيأتي تخريجه.
(7)
صحيح ابن حبان 7/ 396.
ثم اعلم أنه قد وقع الاختلاف بين العلماء في مقدار ما يحل من الحرير. فذهب كثير [2 / ب] من الحنابلة والشافعية وغيرهم - في المختلط بالحرير -
إلى أن الاعتبار بالقلة والكثرة. ولهم طريقان:
أحدهما: اعتبار القلة والكثرة بالظهور. فإذا كان الحرير أكثر ظهورا حرم، وإن (1) كان غيره أكثر ظهورا لم يحرم.
وهذا هو المعتمد عند الحنابلة (2)، واختاره بعض الحنفية، وجزم به الزيلعي (3) في شرح الكنز (4)، واختاره القفال (5) في جمع من الشافعية.
الثاني: أن الاعتبار بالوزن، واعتمده كثير من متأخري الشافعية. وإن استويا ظهورا: فوجهان، اختلف الترجيح فيهما عندهم. أحدهما: أنه جائز (6) والثاني: هو حرام (7).
قال ابن عقيل، والشيخ تقي الدين ابن تيمية: الأشبه أنه محرم؛ لعموم الخبر. قال: والأشبه بكلام أحمد التحريم.
وقال ابن عقيل: لأن النصف كثير، وليس تغليب التحليل بأولى من التحريم. انتهى (8).
هذا إذا كان الحرير أو بعضه ظاهرا في اللحمة (9). أما إذا كان في السدى (10) دون اللحمة، فإنه جائز عند جمهور العلماء. نص عليه الإمام أحمد رحمه الله.
(1)(ض): أو.
(2)
وهو الصحيح من المذهب الإنصاف 1/ 475.
(3)
عثمان بن علي بن محجن، فقيه حنفي (ت 743). الدرر الكامنة 2/ 446.
(4)
تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق.
(5)
أبو بكر، محمد بن أحمد بن الحسين الشاشي، فقيه شافعي (ت 507). وفيات الأعيان 1/ 464.
(6)
وهو المذهب. الإنصاف 1/ 476.
(7)
ينظر في فتح الباري 10/ 294.
(8)
من كتاب الفصول لابن عقيل، وشرح العمدة لابن تيمية، كما في الإنصاف 1/ 476.
(9)
خيوط النسيج العرضية التي بلحم بها السدى. ينظر القاموس 4/ 174، والإكمال لابن مالك 2/ 562.
(10)
ما يمد في النسيج طولا. ينظر القاموس 4/ 341 والخزانة للبغدادي 11/ 115.
وهو الخز، قال المجد في شرحه: الخز: ما سدي بالإبريسم، وألحم بوبر أو صوف أو نحوه، لغلبة اللحمة على الحرير. انتهى (1).
قال في الإنصاف وغيره: فرق الإمام، بأنه لبس الصحابة (2)، وبأنه لا سرف فيه ولا خيلاء (3) وذهب ابن حزم رحمه الله: إلى أنه لا يجوز لبس الخز.
وأجاب عما ذكره أصحابنا - رحمهم الله تعالى: بأنه قد جاء تحريمه عن بعض الصحابة كابن عمر، فإنه قال: اجتنبوا من الثياب ما خالطه الحرير وذكر عن بعض الصحابة نحو هذا.
ثم قال: ولا يصح (في)(4) الرخصة في ثوب سداه حرير خبر أصلا، لأن الرواية فيه عن ابن عباس، انفرد بها خصيف (5) وهو ضعيف. انتهى (6) قلت: وممن قال بقول ابن عمر هنا من التابعين: الحسن، وابن سيرين (7) قاله (8) في فتح الباري (9).
(1) نقله المرداوي في الإنصاف 1/ 477.
(2)
في الإنصاف: قد لبسه الصحابة.
(3)
المصدر السابق 1/ 476.
(4)
ساقط من الأصل.
(5)
أبو عون، ابن عبد الرحمن الجزري (ت 137). تقريب / 193.
(6)
المحلى 4/ 54.
(7)
أبو بكر، محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، ثقة، ثبت عابد كبير القدر (ت 110) تقريب / 483.
(8)
الأصل: قال.
(9)
فتح الباري 10/ 290.
ومن حجتهم: ما تقدم من حديث عمر، وحديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا يرجو أن يلبسه في الآخرة (1)» .
قال الحسن: فما بال أقوام يبلغهم هذا عن نبيهم، فيجعلون حريرا في ثيابهم وبيوتهم.
وهذا الحديث: أخرجه الإمام أحمد (2)، من طريق [3 / أ] مبارك بن فضالة (3)، عن الحسن البصري (4).
وأخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى - أيضا - بسنده عن علي بن زيد، قال: قدمت المدينة، فدخلت على سالم بن عبد الله، وعلي جبة خز، فقال سالم: ما تصنع بهذه الثياب؟! سمعت أبي، يحدث عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إنما يلبس الحرير من لا خلاق له (5)» .
ثم اعلم: أن محل الخلاف عند من اعتبر القلة والكثرة بالظهور أو الوزن، إنما هو في الحرير المخالط لغيره، الممتزج به، غير المتحد الخالص.
على أنه ليس معهم من الحجة لما ذهبوا إليه إلا حديث واحد، وهو ما أخرجه أحمد، وأبو داود، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: «إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير، فأما العلم من الحرير وسدى
(1) مسند أحمد 1/ 49، وأخرجه دون القصة أحمد 2/ 24، وأخرجه أيضا في المسند / 51، 68، 82، 127 من طريق آخر عن ابن عمر، من حديث أبي هريرة 2/ 337. قال الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 140: رجال أحمد ثقات.
(2)
أحمد: إضافة من (ض).
(3)
أبو فضالة، البصري صدوق يدلس ويسوي، صحب الحسن. (ت 166). تقريب / 519.
(4)
مسند أحمد 2/ 329.
(5)
مسند أحمد 1/ 49، وأخرجه دون القصة أحمد 2/ 24، وأخرجه أيضا في المسند / 51، 68، 82، 127 من طريق آخر عن ابن عمر، من حديث أبي هريرة 2/ 337. قال الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 140: رجال أحمد ثقات.
الثوب فلا بأس بها (1)».
وهذا الحديث: لا ينهض لمعارضة ما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة في تحريم ماهية الحرير؛ لوجوه:
أولها: أن في إسناده خصيف بن عبد الرحمن، وقد ضعفه غير واحد. قال الحافظ ابن حجر: هو صدوق سيئ الحفظ، خلط بآخره، ورمي بالإرجاء (2).
ثانيها: أن لفظة إنما، لا تفيد الحصر الحقيقي عند أكثر النحاة.
سلمنا: إفادتها للحصر، فابن عباس أخبر بما بلغه من قصر النهي على المصمت، وغيره أخبر بما هو أعم من ذلك، كما تقدم في الأحاديث.
ثالثها: أنه لا قائل بمفهوم هذا الحديث. فإن الثوب من الحرير إذا كان فيه جزء يسير من غيره، لا يسمى مصمتا، فيلزم المستدل به تجويز هذا، وإلا بطل استدلاله.
رابعها: أنه استثنى المباح، بقوله: فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس بها. فمفهومه: أن ما زاد على ذلك فيه بأس. فترك أهل هذا القول مفهوم هذه الجملة، كما تركوا مفهوم الجملة قبلها، فصار الحديث حجة عليهم لا لهم.
ثم يقال لهم: فأين الحجة من الحديث على [ما](3) ذهبتم إليه من اعتبار الكثرة بالوزن أو الظهور. فهذا الدليل لا يستلزم المدعى.
قال [3 / ب] في شرح المنتقى - في شرح حديث ابن عباس هذا بعد
(1) أحمد في المسند 1/ 218، 313، 321، وأبو داود في السنن رقم 4055، واللفظ له، وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار 2/ 348، والحاكم في المستدرك 4/ 192 بسند صحيح، والطبراني بسند حسن كما قال الحافظ في فتح الباري 10/ 294، وأخرجه الأثرم كما في المغني لابن قدامة 1/ 590.
(2)
تقريب التهذيب / 193.
(3)
إضافة من (ض).
ذكره الأحاديث الدالة على تحريم ماهية الحرير -: وقد عرفت مما سلف، الأحاديث (1) الواردة في تحريم الحرير دون تقييد. والظاهر منها: تحريم ماهية الحرير، سواء وجدت منفردة أو مختلطة بغيرها. ولا يخرج عن التحريم إلا ما استثناه الشارع من مقدار الأربع الأصابع من الحرير. وسواء وجد ذلك المقدار مجتمعا كما في القطعة الخالصة، أو مفرقا كما في الثوب المشوب.
حديث ابن عباس: لا يصلح لتخصيص (2) تلك العموميات، ولا لتقييد تلك الإطلاقات، ولا متمسك للقائلين بحل المشوب (3) إذا كان الحرير مغلوبا إلا قول ابن عباس فيما أعلم.
فانظر أيها المنصف: هل يصلح كونه جسرا تذاد عنه الأحاديث الواردة قي تحريم مطلق الحرير ومقيدة؟!.
وهل ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم، مع ما في إسناده من الضعف الذي يوجب سقوط الاستدلال به، على فرض تجرده عن المعارضات. انتهى (4).
وقوله: إلا ما استثناه الشارع. إلى آخره.
يشير إلى ما أخرجه الشيخان، وأهل السنن، قال البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا قتادة، قال: سمعت أبا عثمان النهدي (5) قال: أتانا كتاب عمر، ونحن مع عتبة بن فرقد (6) بأذربيجان، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار
(1) الأصل و (ض): من الأحاديث. والمثبت من شرح المنتقى.
(2)
(ض): للتخصيص. تحريف.
(3)
(ض): الثوب. تحريف.
(4)
نيل الأوطار 2/ 177 - 178.
(5)
عبد الرحمن بن مل، مشهور بكنيته، ثقة ثبت عابد (ت 95). تقريب / 351.
(6)
أبو عبد الله السلمي، صحابي جليل، نزل الكوفة، وهو الذي فتح الموصل في زمن عمر. تقريب / 381.
بإصبعيه اللتين تليان الإبهام (1)». قال: فيما علمنا أنه يعني الأعلام.
حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهر، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، قال: كتب إلينا عمر ونحن بأذربيجان، «أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن لبس الحرير إلا هكذا، وصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم إصبعيه (2)»، ورفع زهير الوسطى والسبابة.
قال في فتح الباري: ولم يقع في رواية أبي عثمان في الصحيح [في](3) استثناء ما يجوز إلا ذكر الإصبعين. لكن وقع عند أبي داود، من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول - في هذا الحديث - أن النبي صلى الله عليه وسلم:«نهى عن الحرير [4 / أ] إلا ما كان هكذا وهكذا، إصبعين أو ثلاث أو أربع (4)» .
ولمسلم، من طريق سويد بن غفلة - بفتح (5) المعجمة والفاء واللام الخفيفتين - أن عمر خطب، فقال:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع (6)» وأو هنا للتنويع والتخيير. وقد وقع عند النسائي، في رواية سويد:«لم يرخص في الديباج إلا في موضع أربع أصابع (7)» الحديث. . انتهى (8).
قلت: وهذه الأحاديث احتج بها العلماء - رحمهم الله تعالى - على أنه لا يباح من الحرير في الثوب ونحوه إلا مقدار أربع أصابع فما دون؛ لأن التحديد بالأربع الأصابع يمنع الزائد عليها.
وهذا الحكم لا يختص به العرض دون الطول، لعدم التقييد في التقدير (9)
(1) صحيح البخاري اللباس (5828)، صحيح مسلم اللباس والزينة (2069)، سنن النسائي الزينة (5312)، سنن أبو داود اللباس (4042)، سنن ابن ماجه الجهاد (2820)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 50).
(2)
صحيح البخاري رقم 5828، 5829، 5830، 5834. 5835.
(3)
زيادة من الفتح، يقتضيها السياق.
(4)
(ض): ثلاثة أو أربعة.
(5)
في الأصل و (ض): بضم. تحريف.
(6)
مسلم في الصحيح رقم 2069.
(7)
النسائي في المجتبى 8/ 202.
(8)
فتح الباري 1/ 288.
(9)
(ض): التعديد.
والتحديد. وتخصيص أحدهما بالحكم دون الآخر، لا دليل عليه أصلا. وظاهر هذه الأحاديث: أن هذا الحكم عام فيما إذا وجد الحرير في الثوب، سواء كان مجتمعا أو مفرقا؛ تقدم لشارح المنتقى. وهذا اختيار ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
ومن الحجة لهذا القول: ما أخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي، «عن عمر بن الخطاب رضي الله: أنه رأى حلة سيراء تباع، فقال: يا رسول الله، لو ابتعتها؟ تلبسها للوفد إذا أتوك، والجمعة، فقال: إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة (1)».
ولهم، ولمسلم، عن علي رضي الله عنه قال:«أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء، فبعث بها إلي فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه، وقال: إني لم أعطكها لتلبسها فأمرني فأطررتها بين نسائي (2)» قال أبو داود، والنسائي: السيراء: المضلع بالقز (3).
قال ابن الأثير (4) السيراء: بكسر السين وفتح الياء، المد، نوع من البرود يخالطه حرير كالسيور (5).
ونقل العيني (6) في شرح البخاري، عن الأصمعي، والخليل، وآخرين: أنها ثياب فيها خطوط من حرير، وقز، وإنما قيل لها سيراء، لتسير الخطوط كأنها السيور، وقيل: هي وشي من حرير (7)، وقيل: حرير محض.
(1) سبق تخريجه.
(2)
البخاري في الصحيح رقم 5840، ومسلم في الصحيح رقم 2071، وأبو داود في السنن رقم 4043، والنسائي في المجتبى 8/ 197.
(3)
سنن أبي داود 4/ 331، والمجتبى للنسائي 8/ 197.
(4)
أبو السعادات، المبارك بن محمد الشيباني، فقيه لغوي محدث. (ت 606): شذرات الذهب 5/ 22.
(5)
النهاية في غريب الحديث 2/ 433.
(6)
أبو محمد، محمود بن أحمد العيني، مؤرخ محدث، الضوء اللامع 10/ 131.
(7)
عمدة القارئ 22/ 17.
والصحيح الأول، [4 / ب]، لما روى ابن أبي شيبة، وابن ماجه، والبيهقي، وغيرهم، عن علي رضي الله عنه، قال:«أهدى أمير بأذربيجان إلى النبي صلى الله عليه وسلم حلة مسيرة بحرير، إما سداها وإما لحمتها، فبعث بها إلي فأتيته، فقلت: يا رسول الله ألبسها، فقال: لا، أكره لك ما أكره لنفسي (1)» .
والكراهة - في لسان الشرع - يراد بها: التحريم غالبا، في هذا الحديث، بدليل ما تقدم من رؤية الغضب في وجهه صلى الله عليه وسلم لما رآه قد لبسها. وفي التنزيل:{كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} (2) والإشارة: إلى ما تقدم في الآيات من ذكر المحرمات.
وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، واللفظ لمسلم، عن علي رضي الله عنه، قال:«نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القسي، وعن المياثر الحمر (3)» . قال: أما القسي فثياب مضلعة فيها حرير، وفيها أمثال الأترج (4).
قال البخاري: قال عاصم، عن أبي بردة، قلنا لعلي: ما القسية؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر، مضلعة فيها حرير، وفيها أمثال الأترج. والمثيرة: كانت النساء تصنعه لبعولتهن، مثل القطائف يصنعونها. وقال جرير، عن (5) يزيد - في حديثه: القسية: ثياب مضلعة يجاء بها من مصر، فيها الحرير. والمثيرة: جلود السباع (6).
ثم ساق حديث (7) البراء - بسنده - قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المياثر الحمر، وعن القسي (8)» .
(1) ابن أبي شيبة المصنف رقم 4696، 4699، 12136، وابن ماجه في السنن رقم 3641، والبيهقي في السنن 2/ 424، وأخرجه أحمد في المسند 1/ 90، 137، والطيالسي في المسند رقم 119.
(2)
سورة الإسراء الآية 38
(3)
مسلم في الصحيح رقم 2078، وأبو داود في السنن رقم 4051، 4225، والترمذي في الجامع رقم 2809، وأخرجه النسائي في المجتبى 8/ 165، وابن ماجه في السنن رقم 3654، وأحمد في المسند 1/ 80، 119، 137، 138.
(4)
(ض): الأترج.
(5)
الأصل و (ض): ابن. تحريف.
(6)
فتح الباري 10/ 292.
(7)
(ض): الحديث.
(8)
البخاري في الصحيح رقم 5838.
وقال الخطابي (1): القسي، ثياب يؤتى بها من مصر، فيها حرير. وإنما حرمت هذه على الرجال دون النساء. انتهى (2).
قال في النهاية: القسي، ثياب من كتان مخلوط بحرير، يؤتى بها من مصر، نسبة إلى قرية على ساحل البحر قريبا من تنيس، يقال لها: القسى، بفتح القاف. انتهى (3). .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: حديث السيراء والقسي يستدل به على تحريم ما فيه الحرير، لأن ما فيه خيوط حرير أو سيور لا بد أن تنسج مع غيرها من الكتان والقطن. فالنبي صلى الله عليه وسلم حرمها لظهور الحرير فيها، ولم يسأل: هل وزن ذلك الموضع من الكتان والقطن أكثر أم لا، مع أن العادة أنه أقل. انتهى.
وقال في فتح الباري [5 / أ]: واستدل بالنهي عن لبس القسي على منع لبس ما خالطه الحرير من الثياب؛ لتفسير القسي بأنه ما خالط غير الحرير فيه الحرير، ويؤيده عطف الحرير على القسط في حديث البراء.
ووقع كذلك في حديث علي، عند أحمد، وأبي داود، والنسائي - بسند صحيح على شرط الشيخين - من طريق عبيدة بن عمرو، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال:«نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القسي والحرير (4)» . فعلى هذا: يحرم لبس الثوب الذي خالطه الحرير. انتهى (5).
ومن هنا: يتبين أن هذه المحارم المسماة أخضر قز (6)، لا يجوز استعمالها
(1) أبو سليمان، حمد بن محمد الخطار البستي، فقيه محدث إمام (ت 388). تذكرة الحفاظ 3/ 1018.
(2)
معالم السنن 4/ 190.
(3)
النهاية في غريب الحديث 4/ 59.
(4)
أحمد في المسند 1/ 119، 138، وأبو داود رقم 4044، 4045، والنسائي في المجتبى 2/ 187، 8/ 169، واللفظ له، لكن من طريق محمد بن عبيدة.
(5)
فتح الباري 10/ 294.
(6)
تعريفها بأخضر قز، من الإضافة البيانية، والقز من الحرير. اهـ. مجموعة الرسائل والمسائل 4/ 413.
لبسا ولا افتراشا (1)، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها (2)» .
وأنت ترى الحرير الخالص في أربعة مواضع منها، كل موضع يبلغ خمسين إصبعا، فمبلغ جميعه نحو مائتي إصبع، بعرض الأصابع، لأن التقدير إنما هو بعرضها، كما هو ظاهر الأحاديث المتقدم ذكرها.
ونص عليه الفقهاء رحمهم الله تعالى، قال في شرح العمدة: وتعتبر الأصابع عرضا لا طولا.
قال في الإنصاف: ويباح علم الحرير في الثوب، إذا كان أربع أصابع فما دون، يعني مضمومة. هذا المذهب ونص عليه، وجزم به في المغني والشرح (3).
وقال في المبدع: ويباح العلم الحرير - وهو طراز الثوب - إذا كان أربع أصابع مضمومة فما دون، أي: فأقل. نص عليه (4). ومثله في الفروع (5) وغيره.
وقال في حاشية المنتهى: وفي الإقناع ما معناه: لو كان في ثياب قدر يعفى عنه من الحرير، وضم بعضه إلى بعض كان كثيرا، فلا بأس. انتهى. أي: فلو كان في ثوب حرم ذلك. انتهى من الحاشية.
وهو صريح في ضم المتفرق من الحرير إذا كان في ثوب، وهو ظاهر الأحاديث السابقة.
يوضحه: ما أخرجه أبو داود بسند صحيح، من طريق قتادة، عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا أركب أرجوان، ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير (8)» قال - يعني قتادة -: وأومأ (9) الحسن
(1)(ض): فراشا.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
الإنصاف 1/ 480.
(4)
المبدع شرح المقنع 1/ 382.
(5)
الفروع 1/ 351.
(6)
سنن الترمذي الأدب (2788)، سنن أبو داود اللباس (4048)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 442).
(7)
الأصل و (ض): ألا لا أركب. (6)
(8)
الأصل و (ض): المصفى. تحريف. (7)
(9)
الأصل و (ض): فأومأ.
إلى جيب قميصه.
وأخرج البزار، والطبراني، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال:«رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبة مجيبة بحرير، فقال: طوق من نار يوم القيامة (1)» قال المنذري - في هذا الحديث: رواته كلهم ثقات. وأخرج الحاكم - وقال صحيح الإسناد - من حديث عبد الله بن عمرو (2).
وأخرج أبو داود، من حديث أبي ريحانة - رجل من الصحابة:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشر: عن الوشم، والوشر، والنتف، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، وعن مكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرا مثل الأعاجم، أو يجعل على منكبيه حريرا مثل الأعاجم، وعن ركوب النمور (5)» . . الحديث.
وفي المواهب اللدنية: «وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد كندة في ثمانين أو ستين راكبا، فدخلوا عليه مسجده قد رجلوا جممهم، وتسلحوا ولبسوا الجباب
(1) البزار في المسند رقم 2999 (كشف) والطبراني في الأوسط والكبير، كما في مجمع الزوائد 5/ 142، قال الهيثمي: رجال الأوسط ثقات.
(2)
الأصل و (ض): عمر. تحريف.
(3)
أخرجه أحمد في المسند 2/ 225، واللفظ له، قال البيهقي في مجمع الزوائد 5/ 142: ورجاله ثقات وأخرجه أيضا البزار في المسند رقم 2998 (كشف) ولم أقف عليه في مستدرك الحاكم.
(4)
في مسند أحمد والبزار: عليك. (3)
(5)
أبو داود في السنن رقم 4049، وأخرجه النسائي في المجتبى 8/ 143، 149، وابن ماجه في السنن رقم 3699، وأحمد في المسند 4/ 134.
الحبرات مكففة بالحرير، فلما دخلوا، قال صلى الله عليه وسلم: أو لم تسلموا؟! قالوا بلى! قال: فما هذا الحرير في أعناقكم فشقوه فنزعوه وألقوه (2)».
وبهذه الأحاديث: يندفع ما قد يورده بعضهم، من أن العلماء أباحوا الزيق المحيط بالعنق طويلا، وكذا سجف (3). الفراء ونحوهما. وهذا لا يصلح أن تعارض به السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولو سلمنا أن ما ذكر من الزيق والسجف. فيه طول، فيجب أن ينقص من عرضه بقدر طوله، بحيث لا يزيد مجموعه على أربع أصابع طولا وعرضا. وإنما تتبين حقيقة الحال عند الاعتبار بالضم، فإن زاد منع وإلا فلا؛ وذلك لأنهم أباحوا السجف ونحوه قياسا على العلم، وهو مقيد بأربع أصابع كما علمت، فيجب أن يقيد الفرع بقيد أصله المقيس عليه.
وقد نص العلماء - رحمهم الله تعالى - على ذلك. قال في جمع الجوامع: ولبنة الجيب، وسجف الفراء، كالعلم 1/ 61، في الإباحة والقدر.
وقال الشيخ عثمان (4) في حاشية المنتهى - على قول المصنف: لا فوق أربع أصابع -: يعنى أن ما ذكر من العلم والوقاع والسجف ولبنة الجيب، إنما يباح إذا كان أربع أصابع معتدلة مضمومة فما دون، لا إن كان أكثر منها انتهى (5).
(1) أخرجه ابن إسحاق، كما في سيرة ابن هشام 2/ 585، وابن سعد في الطبقات الكبرى 1/ 328.
(2)
(ض): الحبرة. (1)
(3)
السجف: الستر، الصحاح 4/ 1371
(4)
عثمان بن عثمان بن أحمد بن قائد النجدي، فقيه مجود نقي المعتقد (ت 1097) علماء نجد 3/ 183.
(5)
ينظر هداية الراغب / 112.
وبمجموع ما ذكرناه يرتفع الإيراد من أصله، ولله الحمد والمنة. ثم اعلم:
أنه لم يوجد في حديث ما، ولا عن أحد من العلماء ما يقتضي تخصيص التقدير بأربع أصابع بعرض الحرير دون طوله.
فلا يظن أن قول شارح العمدة: وتعتبر الأصابع عرضا لا طولا. يومئ إلى تخصيص العرض بهذا الحكم؛ لأن صريح هذه العبارة، ينادى على أن المعنى هو: أن اعتبار (1) المباح إنما يكون بعرض الأصابع لا بطولها؛ لما في الطول من الزيادة. فلو اعتبر بطول الأصابع لزيد في المباح ما ليس منه، ولأن التقدير بالطول غير منقول ولا معهود ولا معقول.
وأيضا، فيلزم على هذا التأويل البعيد: أن الشارح المشار إليه ارتكب مجاز الحذف، وهو خلاف استعمال الفقهاء، فإنهم لا يستعملون المجاز في كتبهم أصلا. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وهنا سؤال: وهو أنه إذا كان في ثوب ما يزيد على أربع أصابع من حرير، وبين موضع كل أصبعين منها فاصل من غيره، فهل يؤثر ذلك في إباحة ما زاد أم لا؟.
الجواب: هذا السؤال، قد ورد على صاحبنا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن، فأجاب - وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه - بما نصه: إذا كان بين قدر كل أصبعين أو ثلاث (2) فاصل غير الحرير، فلا شك أنه يضم
(1)(ض): الاعتبار.
(2)
(ض): ثلاثة.
بعض ذلك إلى بعض؛ لئلا يلزم جعل الثوب كله حريرا ويفصل بين كل ثلاث أصابع بفاصل غير حرير. انتهى.
وهو في غاية القوة، ودليله من السنة ما تقدم في حديث القسي والسيراء ونحوهما، والله أعلم.
وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهى.