الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجاءت النداءات المتكررة منه سبحانه في كتابه الكريم (يا أيها الناس - يا أيها الذين آمنوا - يا عباد) يدعوهم إلى الخير وينهاهم عن الضر.
1 -
أهمية الدعوة ومكانتها في الإسلام
منذ حصل الانحراف في البشرية عن عقيدة التوحيد في قوم نوح - والله سبحانه يرسل الرسل لدعوة الخلق إلى التوحيد والإيمان كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (1) وبين مهمتهم في قوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (2)، {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} (3).
ولما كانت هذه الأمة المحمدية وارثة الرسالات والكتب السماوية بما جعل الله نبيها خاتم الرسل ومبعوثا للناس كافة، وجعل كتابها المهيمن على الكتب وجعلها وارثة هذا الكتاب العظيم كما قال تعالى:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} (4) فإنها يجب عليها نحو البشرية أكثر مما يجب على غيرها ممن سبقها من الأمم لما أعطاها الله من الإمكانيات العظيمة التي لم تعطها أمة غيرها، بل هي المسئولة الوحيدة عن القيام بدعوة البشرية وتبليغها دعوة الله، وجهاد من لم يقبل هدى الله أو صد عن سبيل الله. كما قال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (5). وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (6) وقد كلف الله رسول هذه الأمة
(1) سورة النحل الآية 36
(2)
سورة النساء الآية 165
(3)
سورة النحل الآية 2
(4)
سورة فاطر الآية 32
(5)
سورة آل عمران الآية 110
(6)
سورة البقرة الآية 143
محمدا صلى الله عليه وسلم بدعوة البشرية كلها. قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} (1). وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} (2){وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} (3). وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (4) وقد كلفت هذه الأمة بما كلف به رسولها صلى الله عليه وسلم من القيام بدعوة البشرية إلى الله عز وجل قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ} (5).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين: الإنس والجن آمرا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله: أي طريقته ومسلكه وسنته وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي اهـ. فالدعوة إلى الله تعالى واجبة على هذه الأمة وحق للبشرية عليها، وهذا الوجوب يكون فرض كفاية إذا قام به من يكف من الأمة سقط الإثم عن الباقين، وإن لم يقم به أحد أو قام به من لا تحصل به الكفاية أثم كل أفراد الأمة ممن عنده الاستطاعة قال تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (6).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم
(1) سورة الفرقان الآية 1
(2)
سورة الأحزاب الآية 45
(3)
سورة الأحزاب الآية 46
(4)
سورة سبأ الآية 28
(5)
سورة يوسف الآية 108
(6)
سورة آل عمران الآية 104
يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (1)». وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (2)» انتهى.
وأخبر سبحانه وتعالى أن الدعاة إلى الله هم أحسن الناس قولا، قال تعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (3). قال الحافظ ابن جرير رحمه الله: يقول تعالى ذكره: ومن أحسن أيها الناس ممن قال ربنا الله ثم استقام على الإيمان به والانتهاء إلى أمره ونهيه، ودعا عباد الله إلى ما قال وعمل به من ذلك. وقال الإمام الشوكاني: والأولى حمل الآية على العموم كما يقتضيه اللفظ، فكل من جمع بين دعاء العباد إلى ما شرعه الله وعمل عملا صالحا وهو تأدية ما فرض الله عليه مع اجتناب ما حرمه الله عليه، وكان من المسلمين دينا لا من غيرهم فلا شيء أحسن منه، ولا أوضح من طريقته، ولا أكثر ثوابا من عمله. . انتهى.
إن الدعوة إلى الله تعالى لها مكانة عظيمة في الإسلام فهي أعظم المهمات التي بعث من أجلها الرسول صلى الله عليه وسلم وكلف بها هو وأتباعه قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (4) والدعوة إلى الله تسبق القتال في سبيل الله فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو الكفار إلى الله قبل أن يقاتلهم، وكان يوصي قواده وجيوشه وسراياه أن يبدءوا عدوهم بالدعوة قبل القتال فإن استجابوا قبلوا منهم وإلا قاتلوهم.
إن الدعوة إلى الله في هذا الزمان تشتد الحاجة إليها بسبب كثرة التضليل والإلحاد ونشاط دعاة الشر والفساد والإباحية واستخدامهم مختلف الوسائل، فها هم دعاة التنصير ينتشرون في العالم ويلجون في الأدغال النائية ويستغلون جهل الشعوب وفقرها لبث شرهم، وها هي أحكام القرآن تنحى وتجعل بديلا عنها الأحكام القانونية في غالب الدول الإسلامية، ووسائل الإعلام في أغلب
(1) صحيح مسلم الإيمان (49)، سنن الترمذي الفتن (2172)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5009)، سنن أبو داود الصلاة (1140)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1275)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 54).
(2)
صحيح مسلم الإيمان (50).
(3)
سورة فصلت الآية 33
(4)
سورة يوسف الآية 108
دول العالم تبث سمومها مستخدمة هذه الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة، وأخطر من ذلك نشاط الفرق الضالة التي تتسمى بالإسلام وهي تكيد له من داخله بالتشكيك في أصوله، ومعاداة السنن وأهلها، ونشر البدع والخرافات وبغض الصحابة والابتعاد عن عقيدة السلف، فأصبح المسلمون مهددين من الداخل والخارج مما يتطلب من الدعاة المخلصين ومن علماء المسلمين مضاعفة الجهود لمقاومة هذه الجيوش الزاحفة على الإسلام وأهله؛ لرد كيدهم في نحورهم، وتبصير المسلمين بدينهم، وبيان كيد عدوهم، ويوم يتنبه دعاة الإسلام لصد هذا الهجوم فإن النصر بإذن الله سيكون حليفهم فإن معهم الحق، والله تعالى يقول:{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (1). ويقول تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (2) ويكفينا قدوة ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله رسولا من مقاومة جحافل الشرك والكفر والطغيان، فقد كان الشرك والكفر حين بعثته يعم وجه الأرض، حتى جللت الأصنام الكعبة المشرفة، فكان فوقها ثلاثمائة وستون صنما، والصور تكسو حيطانها من الداخل، فما زال صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله ويجاهد المشركين إلى أن دخل مكة عام الفتح، واتجه إلى الكعبة فأزال ما عليها وما حولها من الأصنام، وجعل يطعن فيها بالقضيب وهي تتهاوى على وجوهها وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا إن في هذا درسا للدعاة اليوم وهم يواجهون تحديات الكفر والإلحاد في أن يضاعفوا الجهود في دعوتهم، ويصبروا ويصابروا، والنصر قريب بإذن الله. قال تعالى:{إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (3) وقال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (4).
(1) سورة الأنبياء الآية 18
(2)
سورة الإسراء الآية 81
(3)
سورة محمد الآية 7
(4)
سورة آل عمران الآية 186