الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الروايات والوجوه المروية عن الإمام أو أصحابه ولا قوة له على التخريج على أقوالهم المعتبرة في المذهب، إلا ما كان قياسا مع عدم الفارق المؤثر، وما وضح اندراجه في قواعد المذهب وأصوله وما كان تفضيلا لقول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين منقول عن إمام المذهب أو أحد أصحابه المجتهدين، فإنه يقوى على مثل ذلك. وهذا القسم وإن كانت في المرتبة دون من قبله من مجتهدي المذهب إلا أنه ملحق به في توليته القضاء وما يحكم به ونفاذ حكمه ورفعه للخلاف في القضية التي حكم فيها.
الثاني:
الدواعي إلى تدوين الراجح من أقوال الفقهاء وإلزام القضاة الحكم به
لما كان علماء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين من ذوي البصيرة وكمال الفقه في الشريعة والأمانة في الدين، وكانوا أبعد الناس عن اتباع الهوى ومواطن الريبة، ولم تكن شقة الخلاف بينهم واسعة، ولا التباين في الآراء كثيرا فاشيا وثق الناس بفتواهم، واطمأنت نفوسهم إلى قضائهم، ورضوا بحكمهم فيما شجر بينهم من نزاع في المعاملات، وبذلك انحلت مشاكلهم، ولم تداخلهم الريب والظنون، ولم يفكر أحد من العلماء أو الحكام، في تدوين أحكام تختار ليلزم القضاة بالحكم بها في قضايا النزاع والفصل على ضوئها في الخصومات.
ولما ضعفت القريحة، وقصر النظر، وبعدت شقة الخلاف بين العلماء، وكثرت آراؤهم، وتباينت فتاواهم وأحكامهم في القضايا، وجدت الريبة في الأحكام، والشك في العلماء طريقا إلى القلوب وتسلطت الظنون على النفوس، ولهذا وغيره فكر بعض من يعنيهم الأمر في تدوين أحكام مختارة من آراء الفقهاء في المعاملات، يرجع إليها القضاة في أحكامهما ويلزم الحكم بمقتضاها منعا للاضطراب في الأحكام، وإزالة للأوهام والشكوك من نفوس المتحاكمين إلى المحاكم الشرعية، وقضاء على الظنون الكاذبة في الشريعة الإسلامية وفي علمائها، وتبرئة لها مما وصمت به زورا وبهتانا من أنها غير صالحة للفصل بها في
الخصومات وحل مشاكل الناس، وحماية للأمة وحكومتها من العدول عن التحاكم إلى المحاكم الشرعية إلى التحاكم للقوانين الوضعية.
وفيما يلي نقل في بيان الدواعي إلى تدوين أحكام فقهية وإلزام القضاة أن يحكموا بها.
قال محمد سلام مدكور في بيان منشأ الضرورة إلى ذلك ودواعيه (1): الذي نراه أن منشأ ذلك إنما كان راجعا في عصورهم لشيء من الاضطراب في التطبيق القضائي؛ لعدم معرفة الحكم الواجب التطبيق مع تعدد الأحكام في المسألة الواحدة نتيجة اختلاف آراء المجتهدين، وذلك جدير أن يبلبل أفكار الناس، وألا يسير بهم في جادة مستقيمة ومشرع واضح للجميع، ولقد كان من آثار ذلك الاضطراب في الماضي واختلاف القضاة المجتهدين في أحكام المسألة الواحدة في البلد الواحد أن يضل الناس في شئون حياتهم، رغم تحريهم الهداية والرشاد، ولكن عدم معرفة الحكم الواجب التطبيق بينهم على سبيل التعيين في المسألة الاجتهادية جعلهم قاطبة عرضة للخطأ في نظر القضاء.
ولعل هذا هو السر في أن كثيرا من الأصوليين والعلماء أقفلوا باب الاجتهاد سدا لذريعة الفوضى والاضطراب والحكم بالهوى المقنع بالاجتهاد ووجهة النظر، وكانوا محقين إذ ذاك حتى يغلق باب الشرور ويكون القاضي في أحكامه ملزما بأحكام مذهبه فلا يحيد عنه، وملزما للناس بها حتى يعرفوها. ويقدر كل إنسان في تصرفاته حكم تصرفه أمام القضاء بحيث يستطيع أن يفهم إن كان في تصرفه خروج على حكم القضاء أم لا، وقد ترتب على هذا بحث الفقهاء في تقييد القاضي بمذهب معين بل بالرأي الراجح من المذهب، كما بحثوا أمر تقييد السلطان لقضائه بالمذهب الذي ينبغي أن يستمد منه القاضي أحكامه، وقد كان هذا الاتجاه نواة وأساسا للتفكير في وضع الأحكام الشرعية في مواد
(1) انظر المدخل للفقه الإسلامي ص 380 وما بعده.
قانونية محدودة واضحة ما أمكن لا يلتبس الناس غالبا في شيء من أمرها. إلى أن قال: أما القضاة فوظيفتهم هي تطبيق الأحكام الشرعية وتنفيذها بسلطان القضاء، ولا شك في أن الأحكام الواجبة التطبيق إذا كانت محدودة مبينة معروفة للقاضي وللمتقاضي كان ذلك أدعى إلى تحقيق العدالة والتيسير على الناس، وأكفل لتحقيق المساواة بينهم، وطمأنة نفوسهم بالنسبة للقضاء، فلم يكن بد من وضع الأحكام الشرعية القضائية في صيغ قانونية تتولاها طائفة من فقهاء الأمة من أهل الرأي والاجتهاد، وقد بينا عند الكلام عن الاجتهاد أن العصر لا يخلو منهم ثم تصبح قانونا واجب الاتباع والتنفيذ، ولا ضير في ذلك ما دامت هذه الأحكام مستمدة من الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه وآرائه، ومسايرة لمصالح الناس، ولا ضير في أن تعتبر هذه القوانين كالنصوص القطعية من ناحية عدم مخالفة القاضي لها وإلزامه باتباعها، فليس هناك مجال إذا لاجتهاد القاضي معها إلا في حدود ضيقة وهي عند وجود إبهام في انطباقها على بعض النوازل والأحداث، ومع هذا فإن العدل إذا كان مصدره هو النصوص التشريعية وما أجمع عليه من أحكام فإن القاضي عند التطبيق فيما يحتاج إلى اجتهاد يعتبر أيضا مصدرا من مصادر العدالة. اهـ.
مما تقدم يتبين أن الدواعي إلى تدوين القول الراجح وإلزام القضاة به هي:
1 -
وقوع أحكام اجتهادية متناقضة في قضايا متماثلة، أدت إلى اتهام القضاة باتباع الهوى فيما يقضون، أو برميهم بالقصور في علمهم أو تطبيقهم لما عرفوا من الأحكام الشرعية على ما رفع إليهم من القضايا الجزئية المتنازع فيها.
2 -
عدم وجود كتاب سهل العبارة في المعاملات يتعرف منه الناس أحكام المعاملات؛ ليراعوا تطبيقها ويوفقوا بينها وبين أعمالهم عند الإقدام حتى لا يقعوا فيما يعرضهم للحكم عليهم وإدانتهم إذا حصل النزاع ورفعت القضية للقضاء، وإضافة إلى ذلك يكون هذا الكتاب عونا للقضاة على أداء مهمتهم وأدعى إلى وحدة الأحكام وتناسقها بدلا من تضاربها.