الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما كل من الناسخ والمنسوخ إن صحا فحكمهما القبول، إلا أنه يترك العمل بالحديث المنسوخ ويعمل بالحديث الناسخ.
ثانيا: المتون المتعارضة ظاهريا:
لقد عرف النووي مختلف الحديث وبين أهميته بقوله: " هو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهريا، فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما. . وهذا فن من أهم الأنواع ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف. . وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني. وصنف فيه الشافعي - رحمه الله تعالى - ولم يقصد استيفاءه بل ذكر جملة منه ينتبه بها على طريقته ".
ويجب في الحديثين المختلفين أن يكونا متساويين في القوة، فإن كان أحدهما قويا والآخر ضعيفا أو أقل منه قوة فإن الحديث الأقوى يترجح، ولا يؤبه بالحديث الأضعف، ولا يدخل هذا تحت دائرة مختلف الحديث، وإن لم يستطع علماء المصطلح التوفيق بين الحديثين يتركان معا ويكون الحديث مضطربا، وإن أولهما العلماء وجمعوا بينها جمعا مقبولا فحينئذ يؤخذ بالحديثين معا إن انطبقت عليهما شروط الصحة المتفق عليها في الحديث المقبول المعمول به.
ويتضح لنا ذلك بصورة أوضح إذا تأملنا ما جاء في فتح المغيث حيث ورد في هذا الشأن الآتي: " الجمع إن أمكن باعتبار الناسخ والمنسوخ، والترجيح إن تعين، ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين، والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه، وفوق كل ذي علم عليم.
وإن لم يكن في المتن ما ينافيه بل سلم من مجيء خبر يضاده فهو المحكم وأمثلته كثيرة " (1).
وسوف أقوم هنا بإبراز بعض الأحاديث التي ظاهرها التعارض مما أثار حوله المستشرقون بعض الشكوك، ثم أقوم باستعراض أقوال بعض العلماء حولها بما يدل على أنهم قد أوردوا فيها بيانا شافيا وآراء سديدة توفق بين كل حديثين ظاهرهما التعارض، مما يجعل هذه الأحاديث النبوية الشريفة متوافقة ومقبولة.
لقد سبق لنا أن رأينا أن المستشرق نيكلسون قد استشهد بالأحاديث الواردة في شأن الأمر بقتل الكلاب والأحاديث التي تنهى عن ذلك؛ ليدلل على تضارب متون بعض الأحاديث النبوية الصحيحة وعجز العلماء عن التوفيق بينها. لكن العلماء قد تمكنوا من الجمع بين هذه الأحاديث بما يزيل صور التعارض الظاهري، ويوفق بينها بصورة منطقية مقبولة، ومن بين هؤلاء العلماء ابن قتيبة الدينوري الذي قال في مؤلفه:(تأويل مختلف الحديث) حول هذا الموضوع ما يلي: " وأما قتله كلاب المدينة فليس فيه نقض لقوله: لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها؛ لأن المدينة في وقته صلى الله عليه وسلم مهبط وحي الله تعالى مع ملائكته، والملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة كما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«قال جبريل عليه السلام: لم يمنعني من الدخول عليك البارحة إلا أنه كان على باب بيتك سترا فيه تصاوير، وكان في بيتك كلب فمر به فليخرج، وكان الكلب جروا للحسن والحسين تحت نضد لهم (2)» . وهذا دليل على أنها كما تكره الكلاب في البيوت تكرهها أيضا في المصر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها أو بالتخفيف منها فيما قرب منها، وأمسك عن
(1) فتح المغيث 3/ 78.
(2)
سنن الترمذي الأدب (2806)، سنن أبو داود اللباس (4158).
سائرها مما بعد من مهبط الملائكة ومنزل الوحي " (1).
أما حديث أبي هريرة الوارد في شأن كلب الزرع فهو حديث صحيح أخرجه مسلم بسنده من حديث ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد، أو كلب غنم، أو ماشية، فقيل لابن عمر أن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعا (2)» .
ولقد وضح النووي معنى العبارة الأخيرة الواردة في الحديث، أي قوله: إن لأبي هريرة زرعا، بقوله ما يلي في شرحه لصحيح الإمام مسلم:" وقال سالم في الرواية الأخرى، وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرث، وكان صاحب حرث. قال العلماء: ليس هذا توهينا لرواية أبي هريرة ولا شكا فيها، بل معناه أنه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، والعادة أن المبتلى بشيء يتقنه مما لا يتقنه غيره، ويتعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره. وقد ذكر مسلم هذه الزيادة وهي اتخاذه للزرع من رواية ابن المغفل، ومن رواية سفيان ابن أبي زهير عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرها مسلم أيضا من رواية ابن الحكم. . فيحتمل أن ابن عمر كما سمعها من أبي هريرة وتحققها عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواها عنه بعد ذلك وزادها في حديثه الذي كان يرويه بدونها، ويحتمل أنه تذكر في وقت أنه سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم فرواها ونسيها في وقت وتركها. . والحاصل أن أبا هريرة ليس منفردا بهذه الزيادة بل وافقه جماعة من الصحابة في روايتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو انفرد بها لكانت مقبولة مرضية مكرمة"(3).
أما حديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة (4)» والحديثان الآخران اللذان ادعى غيوم أنهما يعارضان هذا الحديث وهما: «لا يدخل الجنة من كان في
(1) تأويل مختلف الحديث: 93.
(2)
أخرجه مسلم في كتاب المساقاة والمزارعة، باب الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه وبيان تحريم اقتنائها إلا لصيد أو زرع أو ماشية أو نحو ذلك 10/ 235، 236 (من صحيح مسلم بشرح النووي).
(3)
صحيح مسلم بشرح النووي: 236، 237.
(4)
صحيح البخاري الرقاق (6443)، صحيح مسلم الإيمان (94)، سنن الترمذي الإيمان (2644)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 152).
قلبه مثقال ذرة من كبر (1)» و «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (2)» فقد وردت في الكتب الصحيحة كالآتي:
أ - أخرج البخاري بسنده من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني آت من ربي فأخبرني، أو قال: بشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق (3)» .
ب - أخرج مسلم بسنده من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس (4)» .
جـ - أخرج ابن ماجه بسنده من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم، حين ينتهبها، وهو مؤمن (5)» .
ولقد أفلح العلماء في التوفيق بين هذه الأحاديث وإزالة التعارض الظاهري بينها. فحديث: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر (6)» لا يتعارض مع حديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة (7)» .
ولقد جمع ابن قتيبة بين هذين الحديثين بقوله: ليس هاهنا اختلاف، وهذا الكلام خرج مخرج الحكم، يريد ليس حكم من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان أن يدخل النار، ولا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر أن يدخل الجنة؛ لأن الكبرياء لله تعالى ولا تكون لغيره، فإذا نازعها الله تعالى
(1) صحيح مسلم الإيمان (91)، سنن الترمذي البر والصلة (1999)، سنن أبو داود اللباس (4091)، سنن ابن ماجه المقدمة (59)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 416).
(2)
صحيح البخاري الأشربة (5578)، صحيح مسلم الإيمان (57)، سنن الترمذي الإيمان (2625)، سنن النسائي الأشربة (5659)، سنن أبو داود السنة (4689)، سنن ابن ماجه الفتن (3936)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 386)، سنن الدارمي الأشربة (2106).
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الجنائز ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله 3/ 110 (من صحيح البخاري بشرحه فتح الباري).
(4)
أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه 2/ 89 (من صحيح مسلم بشرح النووي).
(5)
أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب النهي عن النهبة 12/ 1299 حديث رقم 3936.
(6)
صحيح مسلم الإيمان (91)، سنن الترمذي البر والصلة (1999)، سنن أبو داود اللباس (4091)، سنن ابن ماجه المقدمة (59)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 416).
(7)
صحيح البخاري الرقاق (6443)، صحيح مسلم الإيمان (94)، سنن الترمذي الإيمان (2644)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 152).
لم يكن حكمه أن يدخل الجنة، والله تعالى يفعل بعد ذلك ما شاء، ومثل ذلك من الكلام قولك في دار رأيتها صغيرة: لا ينزل في هذا الدار أمير، تريد حكمها وحكم أمثالها ألا ينزلها الأمراء، وقد يجوز أن ينزلوها. وقولك: هذا بلد لا ينزله حر: تريد ليس حكمه أن ينزله الأحرار، وقد يجوز أن ينزلوه، وكذلك قوله: من صام الدهر ضيقت عليه جهنم؛ لأنه رغب عن هدية الله تعالى وصدقته، ولم يعمل برخصته ويسره، والراغب عن الرخصة كالراغب عن العزم، وكلاهما مستحق للعقوبة إن عاقبه الله عز وجل. وكذلك قوله:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} (1)، أي أن حكمه أن يجزيه بذلك والله تعالى يفعل ما يشاء، وهو على حديث أبي هريرة من وعده الله تعالى على عمل ثوابا فهو منجزه له، ومن أوعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار. . عن قريش بن أنس قال: سمعت عمرو بن عبيد يقول: يؤتى بي يوم القيامة، فأقام بين يدي الله عز وجل فيقول لي: لم قلت أن القاتل والمقتول في النار؟ فأقول: أنت قلت يا رب، ثم تلا الآية:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} (2) قلت له وما في البيت أصغر مني: أرأيت إن قال لك، فإني قد قلت:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (3)، من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر له؟ قال: فما استطاع أن يرد شيئا. اهـ (4).
أما حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (5)» فلا يتعارض أيضا مع حديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة (6)» . ولقد وفق ابن قتيية بين هذين الحديثين أيضا بقوله: ليس هاهنا بنعمة الله تناقض ولا اختلاف؛ لأن الإيمان في اللغة التصديق بقول الله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} (7): أي بمصدق لنا، ومنه قول الناس ما أؤمن بشيء كما تقول:
(1) سورة النساء الآية 93
(2)
سورة النساء الآية 93
(3)
سورة النساء الآية 48
(4)
تأويل مختلف الحديث 79، 80.
(5)
صحيح البخاري الحدود (6772)، صحيح مسلم الإيمان (57)، سنن الترمذي الإيمان (2625)، سنن النسائي الأشربة (5659)، سنن أبو داود السنة (4689)، سنن ابن ماجه الفتن (3936)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 386)، سنن الدارمي الأشربة (2106).
(6)
صحيح البخاري الرقاق (6443)، صحيح مسلم الإيمان (94)، سنن الترمذي الإيمان (2644)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 152).
(7)
سورة يوسف الآية 17
أي ما أصدق به. والموصفون بالإيمان ثلاثة نفر: رجل صدق بلسانه دون قلبه كالمنافق، فيقول آمن كما قال الله تعالى في المنافقين:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} (1)، وقال:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} (2) ثم قال: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (3)؛ لأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، إنما أراد المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم والذين هادوا والنصارى. ولا تقول له مؤمن كما أن لا يقول للمنافقين مؤمنون، وإن قلنا قد آمنوا؛ لأن إيمانهم لم يكن عن عقد ولا نية، وكذلك تقول لعاصي الأنبياء صلى الله عليهم وسلم عصى وغوى، ولا نقول عاص ولا غاو؛ لأن ذنبه لم يكن عن إرهاص ولا عقد كذنوب أعداء الله عز وجل.
ورجل صدق بلسانه وقلبه مع تدنس بالذنوب وتقصير في الطاعات من غير إصرار غير إصرار فنقول: قد آمن وهو مؤمن تناهى عن الكبائر، فإذا لابسها لم يكن في حالة الملابسة مؤمنا (يريد) مستكمل الإيمان، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم قال:«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (4)» يريد في وقته ذلك؛ لأنه غير مصر فهو مؤمن تائب. ومما يزيد في وضوح هذا الحديث الآخر: إذا زنى الزاني سلب عنه فإن تاب ألبسه.
ورجل صدق بلسانه وقلبه، وأدى الفرائض واجتنب الكبائر، فذلك المؤمن حقا المستكمل شرائط الإيمان. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لم يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه (5)» . يريد ليس بمستكمل الإيمان. وقال: «لم يؤمن من لم يأمن المسلمون من لسانه ويده (6)» . أي ليس بمستكمل الإيمان. . والناس يقولون: فلان لا عقل له، يريدون ليس هو مستكمل العقل، ولا دين له، أي ليس بمستكمل الدين.
أما قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا الله فهو في الجنة، وإن زنى وإن سرق (7)» ، فإنه لا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون قاله على العاقبة يريد إن عاقبة
(1) سورة المنافقون الآية 3
(2)
سورة البقرة الآية 62
(3)
سورة البقرة الآية 62
(4)
صحيح البخاري الحدود (6772)، صحيح مسلم الإيمان (57)، سنن الترمذي الإيمان (2625)، سنن النسائي الأشربة (5659)، سنن أبو داود السنة (4689)، سنن ابن ماجه الفتن (3936)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 386)، سنن الدارمي الأشربة (2106).
(5)
مسند أحمد بن حنبل (1/ 387).
(6)
صحيح البخاري الإيمان (10)، صحيح مسلم الإيمان (40)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (4996)، سنن أبو داود الجهاد (2481)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 191)، سنن الدارمي الرقاق (2716).
(7)
صحيح البخاري الجنائز (1237)، صحيح مسلم الإيمان (94)، سنن الترمذي الإيمان (2644)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 152).
أمره إلى الجنة وإن عذب بالزنا والسرقة. والآخر: أن تلحقه رحمة الله وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصير إلى الجنة بشهادة لا إله إلا الله. اهـ (1).
أما الأحاديث التي وردت في النهي عن الشرب قائما، والأحاديث التي وردت في أنه قد شرب صلى الله عليه وسلم قائما فقد جاءت في الكتب الصحيحة أيضا كما يلي: أخرج مسلم بسنده من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى أن يشرب الرجل قائما. قال قتادة: فقلنا: والأكل. قال: ذاك أشر أو أخبث (2)» .
كما أخرج الإمام البخاري بسنده من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: «شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائما من زمزم (3)» .
ومن حديث النزال قال: «أتى علي رضي الله عنه على باب الرحبة بماء فشرب قائما فقال: إن ناسا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت (4)» .
ولقد وفق ابن قتيبة في الجمع بين الحديثين بقوله: " ليس هاهنا تناقض؛ لأن الحديث الأول نهى أن يشرب الرجل أو يأكل ماشيا، يريد أن يكون شربه وأكله على طمأنينة، وألا يشرب إذا كان مستعجلا في سفر أو حاجة وهو يمشي فيناله من ذلك شرق أو تعقد من الماء في صدره - والعرب تقول: قم في حاجتنا لا يريدون أن يقوم حسب، وإنما يريدون امش في حاجتنا اسع في حاجتنا. . وفي الحديث الثاني كان يشرب وهو قائم يراد غير ماش. . .، ولا بأس بذلك؛ لأنه يكون على طمأنينة فهو بمنزلة القاعد "(5).
(1) تأويل مختلف الحديث: 115، 116.
(2)
أخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب في الشرب قائما 13/ 194 (من صحيح مسلم بشرح النووي).
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب الشرب قائما 10/ 81 (من صحيح البخاري بشرحه فتح الباري).
(4)
أخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب الشرب قائما 10/ 81 (من صحيح البخاري بشرحه فتح الباري).
(5)
تأويل مختلف الحديث: 227 - 228.
أما حديث السيدة عائشة رضي الله عنها في أنه صلى الله عليه وسلم لم يبل واقفا قط، وحديث حذيفة أنه صلى الله عليه وسلم بال واقفا، فقد ورد كل منهما في الكتب الصحيحة. أما الأول فقد أخرجه - الترمذي بسنده من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:«من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا (1)» .
أما الحديث الثاني فقد أخرجه البخاري بسنده من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء، فجئته بماء فتوضأ (2)» .
ولقد جمع ابن قتيبة أيضا بين هذين الحديثين بما يلي: " قالوا حديثان متناقضان. . رويتم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما قط، ثم رويتم عن حذيفة: أنه بال قائما، وهذا خلاف ذاك. . ونحن نقول: ليس هاهنا - بحمد الله - اختلاف، ولم يبل قائما قط في منزله، والموضع الذي كانت تحضره فيه عائشة رضي الله عنها، وبال قائما في المواضع التي لا يمكن أن يطمئن فيها إما للشق في الأرض وطين أو قذر. وكذلك الموضع الذي رأى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة يبول قائما كان مزبلة لقوم، فلم يمكنه القعود فيه ولا الطمأنينة، وحكم الضرورة خلاف حكم الاختيار "(3).
وهكذا يتضح لنا أن هذه الأحاديث ليست متعارضة في حقيقتها، ولم يعجز علماء المسلمين عن التوفيق بينها كما ادعى بعض المستشرقين، بل إن هؤلاء العلماء قد وفقوا أيما توفيق في تأويل هذه الأحاديث وغيرها بما يزيل عنها صور اللبس والإبهام، وكل ما قد يتبادر إلى الأذهان من شبهة التعارض، وهكذا استطاع العلماء من المحدثين وغيرهم الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، بما يحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم من الرد، وقبولها والعمل بما جاء في صحيحها.
(1) أخرجه الترمذي في أبواب الطهارة، باب النهي عن البول قائما 1/ 27، 28 قال الترمذي: حديث عائشة أحسن شيء في الباب (من عارضة الأحوذي).
(2)
أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب البول قائما وقاعدا 1/ 328 (من صحيح البخاري بشرحه فتح الباري).
(3)
تأويل مختلف الحديث: 62، 63.